قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

منذ إندلاع التظاهرات الشعبية الحالية ضد النظام الإيراني، تباينت الآراء ووجهات النظر في حدود تأثير هذه الإحتجاجات، ولكنها اتفقت جميعها على أنها لن تنجح في تغيير النظام مهما كانت حدتها بالنظر إلى العنف والقسوة التي تتعامل بها الميليشيات الأمنية مع المتظاهرين، ما يجعل مواصلة التظاهر بمنزلة تنازل عن الحياة سواء بالموت أو البقاء وراء القضبان لسنوات لا يعلمها سوى الله، وهو مايفسر تزايد أعداد الضحايا ومقتل أكثر من ثمانين مواطناً إيرانياً منذ الإعلان عن وفاة "مهسا أميني" الشابة الكردية التي دفعت حياتها ثمناً للتشدد الذي تمارسه "شرطة الأخلاق"!


ولأن هناك طريق ثالث دائما في مثل هذه الأزمات، يرى بعض المحللين والخبراء أن هذه التظاهرات ستفت عضد النظام وتعمل على إضعافه بمرور الوقت، وهذا السيناريو قابل للنقاش من جانب المعنيين بالشأن الإيراني؛ واعتقادي أن النظام الإيراني كان يخشى بالفعل التظاهرات والإحتجاجات في السنوات السابقة، ولاسيما خلال فترة مابعد عام 2011، حيث كان يتحسب دائماً لتدخلات خارجية تغذي حالة الغضب الداخلي وتقود إلى حشر النظام في زاوية حرجة تقوم إما إلى تقديم تنازلات جوهرية أو التخلي عن السلطة أو الإطاحة به كما حدث في دول عربية عدة.


الحاصل الآن أن الوضع بات مختلفاً كثيراً عن الظروف السابقة، فالنظام بات أكثر ثقة بالذات وأكثر قدرة على المواجهة، سواء داخلياً او خارجياً، والسبب في ذلك أمور عدة أولها الشوط الذي قطعه على طريق الحصول على قدرات عسكرية نووية، حيث بات واضحاً أن طهران باتت على عتبة إمتلاك سلاح نووي وأنه لا يفصلها عن ذلك سوى قرار سياسي، وهذا بحد ذاته يُشعر النظام بنوع من الحصانة ضد أي ضربات عسكرية أمريكية تحديداً. ثمة أمر آخر يتعلق بالبيئة الدولية التي توفر لإيران قدراً كبيراً من المناورة وانتزاع المكاسب الإستراتيجية سواء من خصومها أو حلفائها على حد سواء، فأزمة أوكرانيا ـ على سبيل المثال ـ نقلت الصين وروسيا من مربع الوسيط، أو بالأحرى الطرف الثالث أو حتى الشريك الموضوعي، في مفاوضات إحياء الإتفاق النووي، إلى خانة الشريك الصريح الداعم لإيران والمساند لها في مواجهة الغرب الأطلسي، وهذا بحد ذاته يمثل مكسباً يسهم في تعزيز الموقف التفاوضي الإيراني باتجاه المزيد من التشدد.

ثمة أمر آخر يتعلق بالوضع الداخلي الإيراني، الذي يزداد سوءاً على مستوى الحالة المعيشية للشعب الإيراني، ولكنه يزداد قوة وتماسكاً بالنسبة للنظام الذي إستطاع في السنوات الأخيرة تقويض معارضيه وانهاء قدرتهم على الحركة والتأثير، فضلاً عن كسب المزيد من التجارب في التعاطي مع الإحتجاجات، ناهيك عن مضاعفة الثقة في التعامل بقسوة وصرامة بالغين من دون أخذ ردود الفعل الخارجية بالإعتبار سواء لإنشغال الجميع في الغرب بتداعيات أزمة الطاقة، أو لتقلص قدرة المجتمع الدولي على الإتفاق والتوافق سواء بشأن الأوضاع الداخلية في إيران أو غيرها، فضلاً عن الثقة الكبيرة التي اكتسبها النظام الإيراني من تعزيز قدراته التسليحية، ولاسيما بعد أن بات مورداً لمعدات قتالية مثل الطائرات المسّيرة لقوة كبرى مثل روسيا، ودخوله "منظمة شنغهاي للتعاون" كعضو رسمي وبناء قاعدة مصالح إستراتيجية واسعة مع بكين وموسكو لدرجة تقترب من بناء تحالف إستراتيجي محتمل في حال فشل مفاوضات الإتفاق النووي وتطور الصراع في أوكرانيا إلى مواجهة بين دول حلف "الأطلسي" وروسيا.


صحيح أن الشعب الإيراني الذي بات في حالة احتجاجية مستمرة ويشعر بغضب مكتوم تارة ومعلن تارة أخرى ضد سياسات النظام يتعلم ويستفيد هو الآخر من تجارب الاحتجاجات المتواصلة، وأن هناك أجيال جديدة غاضبة تبدو أشد حدة وعنفاً في مواجهة قبضة السلطة، وتستطيع التحايل على إجراءات القمع والعزلة الإفتراضية جراء سياسات قطع الإنترنت وغير ذلك، ولكن كل هذه التجارب لا تقارن بالوضعية التي بات عليها النظام الإيراني، الذي يدرك جيداً انه من دون دعم خارجي لا تستطيع أي احتجاجات داخلية الإطاحة به لاسيما أن هذه الاحتجاجات تعاني غياب القيادة رغم وحدة الهدف والشعار والأسباب أيضاً.


في ضوء ماسبق يمكن فهم التصريحات المعلنة للقادة والمسؤولين الإيرانيين والتي يجاهرون فيها باستخدام أشد انواع القسوة والصرامة في مواجهة الاحتجاجات ضد النظام، من دون خوف من ردة فعل دولية تدين هذا الخطاب الرسمي المتحدي. وطرحي هذا كله لا يعني أن النظام الإيراني متماسك وقادر على مواصلة البقاء مستقبلاً، ولكني أقصد أن المرحلة الراهنة بكافة متغيراتها ومعطياتها تصب نسبياً في مصلحة النظام، الذي يتسم بقدر هائل من الوحشية التي يمكن معها فعل أي شىء من أجل البقاء، وبالتالي من الصعب مناقشة فرضية إستسلامه أمام الغضب والاحتجاجات الشعبية مهما بلغت الخسائر وأعداد الضحايا.


صحيح كذلك أن الاحتجاجات الحالية لن تمر من دون عواقب على النظام الإيراني، وأنها ستكون حلقة في سلسلة يمكن أن تنتهي مستقبلاً بتغيير النظام أو على الأقل رؤوسه وقادته، لاسيما أن هناك تزامنا لا يجب إغفاله بين هذه الظروف الداخلية المعقدة وبين التقارير الموثوقة التي تتحدث عن تدهور صحة المرشد الإيراني علي خامنئي بشكل يجعل احتمالات وفاته وشيكة، ما يفتح الباب امام مرحلة إنتقالية لن تمر من دون صراعات كبرى داخل النظام، حيث تتجه التوقعات والتقديرات في أغلبها إلى مرحلة تشدد تعيد النظام إلى سنواته الأولى، لاسيما لو انتهى الأمر إلى اختيار مرشد بالوراثة، حيث تتجه أنظار الكثيرين إلى مجتبي خامنئي لخلافة والده، والذي يستشعر المحتجون في مدن إيران كافة خطورة صعوده، بكل خلفياته التي تجعل منه قائداً ميلشياوياً عسكرياً أكثر منه قائداً دينياً، وكل ذلك يضع إيران على أعتاب مرحلة جديدة يصعب على أي مراقب التنبؤ بمآلاتها.