حاوره د. إسماعيل نوري الربيعي
&
&

مفعم قلب هذا الرجل بالحنين الى السؤال، متعوذا بالنعاس الشفيف الذي طالما تقاطع مع الأرق الثقيل، حيث الليالي الطويلة والاماسي التي ضاعت في لجة الاحترازات
والاحتباسات. فاضل ثامر استثناء ملفت في زمن القواعد والمسلمات والبديهيات، عقلية قوامها الانفتاح كأنه الثورة، لكنها الثورة الحنون الرؤوم التي تحبو على أبنائها. ومن هذا التقاطع كان هذا "الثامر المثمر" يؤكد القلب الجميل في صلب احترابات الكتابة، ومواجدها وانعتاقاتها وصراعاتها التي لاتعرف الانقطاع.ناقد صارم يشتغل في صلب نظرية موت المؤلف، لكن الإنسان فيه يعمد الى إحيائها، باعتبار الروح التي تتنازع فيها.
في تاريخه المشرف ما عرف إغماضا للعين،إنه العاكف على الوحدة بين الروح والجسد، القلب والعقل، وهكذا تراه عامدا الى استنزال الرحمة، في زمن الافتراس والإبعاد والتفنن في صناعة الإلغاء.ناقد يؤسس للرحمة والتراحم والتوافق، من دون نعاس أو عين مغمضة. فما عرف عن هذا الرجل السكوت عن الحق أو المداورة على الصحيح والسليم والثوابت المعرفية.
تراث ستيني لا يملك الآخرون إلا تقديره،ووضع الحسابات الصارمة والدقيقة حين يقتربون من نتاجه، ومواضعاته المعرفية.إنه المتنشق عبير الكلام، والذائب حد التوحد بالرؤى المعرفية والتبصرات الفكرية، والكتابات الجامحة النابذة لمساحات الفراغ والتياثات المواربات وتصفيات الخصومة.هذا ناقد ناقد ما عرف عنه غير هذه الصنعة التي بلغها حد الاحتراف والتمكن والاقتدار، ومن هذا تراه ملء العين لا إفراط ولا تفريط.يصول في الكلم الجامع يتشمم الأوراق البيضاء، يتلمسها بشغف العاشق، يحنو عليها بقلب الوالد الحنون، يرى فيها الجسد والروح.يخرج الى العالم بقميص ابيض شديد النصاعة، يدون على صفحة الطين نصوص البلور، حيث الصهيل تعصره الالتفاتات والينابيع الأبدية التي تمرق على باب القلب،من دون روية ولا انطفاء.
قاتل الله الألقاب فقد عمدنا الى جعله شيخا للنقاد، وهو الشاب الأشد فتوة وعنفوانا، المتقد إبداعا واكتشافا، المتطلع الى الاكتشاف والتنقيب والدرس والتتبع،بروحية القارئ العاكف الزاهد.
&
* أربعون عاما ونيف من الكتابة الجادة، هل يمكن لهكذا جدية أن ينفر منها ولو للحظة!؟
- يبدو ان علاقة الكاتب بالكتابة علاقة هي علاقة ازلية، او هي كما يقال بمثابة زواج كاثوليكي غير قابل للطلاق لأن الكتابة بمعنى اخر هي قدر الكاتب الجاد. وشخصيا وجدت في الكتابة ملاذي وشخصيتي وصوتي الحقيقي. احيانا تنتابني بعض الهواجس الناجمة عن حالة احباط معينة حول جدوى الكتابة، وفي احيان اخرى اشعر بنوع من الشلل المؤقت الناجم عن فيروس اللامبالاة، ولكنني انتفض فجأة لأقاوم مثل هذه الهواجس، لأنها تهدد بإطفاء الجذوة الداخلية المقدسة داخل كل مبدع، والتي هي سر الأبداع الحقيقي والينبوع الذي تتدفق من مساماته فيوض الأبداع.
يسألني الكثير من الأصدقاء عن سر حالة التدفق التي امتلكها في حياتي وعلاقاتي الخاصة والتي لم تنطفئ عبر اكثر من اربع عقود، فيكون جوابي مع نفسي: السر يكمن في علاقتي بالكتابة، لأني إذ ما فقدت الكتابة كأنني فقدت شخصيتي ومبرر وجودي وانسانيتي. فالكتابة هي قضيتي الأولى واحيانا، وفي حالات الأحباط من الواقع الخارجي ومن العلاقات الأجتماعية غير المتوازنة اقول لنفسي سرا: لامجد آلا مجد الكتابة.
&
* من أية زاوية يمكن الوقوف على المنطلق الذي يتم من خلاله الكشف عن ملامح ومدرجات الوعي النقدي العربي، لاسيما وان الساحة النقدية أضحت مساحة لملء الفراغات الاصطلاحية والمفاهيمية؟
- هناك اكثر من زاوية يمكن من خلالها الأطلال على ملامح ومدرجات الوعي النقدي العربي انها حرية القراءة وتعددها. وان ارى من خلال قراءتي الخاصة ان الوعي النقدي العربي قد حقق نضجا عاليا خلال العقود الثلاثة الأخيرة،وانه قد خرج اخيرا من معطف الموروث أولا ومن الأنبهار المطلق بوميض الموجات الحداثية المختلفة ثانيا وراح يشرع بتأسيس خطابه النقدي الخاص. فبعد ان كان الناقد العربي في السابق مشددا الى موروث بلاغي محنط او اسرا لنزعة انطباعية سريعة خلال النصف الأول من القرن العشرين، او منبهرا بالمناهج الجديدة في الربع الثالث من القرن العشرين،راح يطورمنهجه النقدي المتميز بعيدا عن السقوط في شراك المحاكاة والتقليد والأجترار لمقولات النقد الحديث خلال الربع الأخير من القرن الماضي، وهو اليوم يرسخ صوته النقدي المتفرد على مستوى التنظير والتطبيق معا. وبالتأكيد فأن المشهد النقدي العربي لايخلو من بعض حالات التلفيق والتلصيق التي اطلقت عليها "ملء الفراغات الأصطلاحية والمفاهمية" الا انها حاليا في طريقها الى الأنحسار او لم تعد تشكل مساحة كبيرة من الجهد النقدي العربي.
انا متفائل من قدرة الناقد العربي على تطوير ادواته ووعيه من خلال اجتراح منهجه النقدي والأرتقاء به الى مستوى المشروع النقدي المتكامل.
&
* دعني أدعوها رحلة البحث عن الذات، هذا التطواف اللذيذ والدقيق من الاستقراء والتتبع والترقب، والإنشاء والتدوين والتحرير، الى أين يتجه فاضل ثامر الإنسان؟
- انه سؤال في غاية الأهمية والخصوصية وربما الصقها بتجربتي الشخصية قياسا لبقية الأسئلة التي وجدت انها تثير إشكاليات وأسئلة ثقافية وإبداعية كبرى ولكنها قلما تمس التجربة الشخصية.
رحلة البحث هذه ترتبط بالتاكيد _بالنسبة لي بفعل الكتابة، وهي رحلة استقصاء لكشف المجهول والأقتراب مما يمكن ان نتخيل انه الحقيقة. فنحن عندما نقتحم عالم الكتابة ونبث مجساتنا النقدية داخل كثافة مضيئة متشابكة فنحن لانسعى كتشاف ذواتنا فقط وانما لأستغوار ذوات الأخرين ايضا. انه حفر دائب داخل اقبية ودهاليز وانفاق مظلمة. والناقد يتحرك في هذه الممارسة من خلال وعي فردي ومنهجي يؤهله لأختراق هذا الركام من الطبقات المتراكمة. ولذة الأكتشاف بالنسبة للناقد هي لذة ابداعية ولحظة تنوير في الوعي. انها حالة اقرب الى ما تكون الى الكشق الصوفي. لذة الكتابة وكشف الحجب النصية ولذةالأقتراب من الحقيقةهي هدف سام يسعى اليه كل ناقد، وهو بالنسبة لي ليس مجرد لذة نرجسية او ذاتية، بل تقترن بهم انساني واجتماعي اوسع، فذات المبدع تتجلى بشكل اعلى من خلال اكتشاف ذات الأخر، فردا ونصا ومؤسسة اجتماعية.
&
*هل هناك طقوس خاصة للكتابة بالنسبة لك،هل انت الذي تتحكم في الكتابة ام ان الكتابة هي التي تتحكم بك؟
&- من الصعب جدا ادراك الية الكتابة الأبداعية عند الكاتب.لكن هناك بالتأكيد بعض الطقوس المعقدة التي تتكرس عند هذا الكاتب او ذاك. وبالنسبة لي تعتمد الكتابة نالى حد كبير،على مزاج شخصي حساس،وعلى حالة توهج خاصة.فالفراغ وحده لايشكل عاملا حاسما،وحتى لو توفر الموضوع لايعد حافزا كافيا للكتابة.
فكثيرا ما وجدت نفسي امسك بالقلم واحدق في فراغ الورقة البيضاء نوامامي مجموعة كبيرة من الملاحظات والجذاذات الخاصة بموضوع معين، الا اني اجد نفسي عاجزا عن الكتابة الأبداعية الصادقة. اشعر عند ذاك وكأني احاول ان اقسر نفسي على ممارسة عمل بشكل خارج عن ارادتي. فالكتابة هي التي ترغمني على الأمساك بالقلم، وليس من السهل دائما بالنسبة لي التحكم الواعي في ايقاظ اللحظة الملائمة للكتابة. فهذه اللحظة مرهونة بحالة توهج داخلي احس فيها بالإمتلاء والتدفق والأنتشاء احيانا.فالكلمات والصور والمفاهيم تتزاحم في رأسي وكأنها تبحث عن خلاص،وفي مثل هذه اللحظة الخاصة ينشأ طقس الكتابة و أحس بصدق ما أكتب وبحرارته وتماسه مع تجربتي ووعيي وقناعاتي. اما عدا ذلك فلا تعدو ان تكون كتابة الية ميكانيكية يفرضها الوعي الخارجي والرغبة الذاتية دونما استلهام لأعماق الكاتب وتحفيز لمخيلته وعقله. ولا أود الأيحاء هنا بأني من انصار الألهام الرومانسي. فالأمر مختلف بعض الشيء.
&وباختصار فعل الكتابة بالنسبة لي مشروط بمزاج نفسي خاص، الموضوع الذي احبه ليس هو-دائما الموضوع الذي اكتبه بوعي،بل هو ذلك الموضوع الذي اذا جاز التعبير،يكتب نفسه او ربما يكتبني، ولذا فأنا اشعر في حضرة النص ونداءاته المفتوحة الموجهة لي بوصفي قارئا: وذلك هو جوهر الكتابة النقدية بالنسبة لي.
&
* هل يعني ذلك انك تعد الكتابة النقدية ابداعا من نوع ما،وهل تحاول الأن التوافق مع ماسبق وان طرحته - في كتابك النقدي "اللغة الثانية": في اشكالية المنهج والنظرية في الخطاب النقدي العربي الحديث؟
&نعم لم تعد الكتابة النقدية كتابة غير ابداعية،او هي بتعبير رولان بارت لغة ثانية،أي لغة على لغة، وهذا ماحاولت الدفاع عنه في كتابي "اللغة الثانية" فقد حاول بارت الأعلاء من شأن الكتابة النقدية ووضعها بمصاف العملية الأبداعية. فهو يذهب الى اعتبار النقد ابداعا مؤكدا ان امكانات النقد الراهنة تتمثل في ان الناقد قد اصبح كاتبا بمعنى الكلمة،وان النقد ينبغي ان يقرأ بوصفه كتابة. وبالنسبة لي تمزج الكتابة النقدية بين لحظة التلقي الذوقي وبين صرامة المنهج النقدي. فهي كتابة منهجية لكنها تشع بما هي ذاتي وذوقي الى حد كبير.