يكذب على نفسه، من يظنّ أن الحرب "الأنجلو-أمريكائيليّة" على العراق، قد انتهت في التاسع من أبريل 2003، أي ما يقرب من 550 يوماً. تلك الحرب الجائرة لم تنتهِ بعد، ولا يزال أمدها طويلاً.
يكذب على نفسه، من يظنّ أن تلك الحرب ناجحة وناجعة، وأنّها قد آتت أُكلها، بطرحها ثمار السلام والعدل والديمقراطيّة. ثلاثيّة "الأحلام" الروائيّة تلك، لم تُترجَم على أرض الواقع، وربّما لن تتحقّق في القريب العاجل.
شخصيّاً، لا أحتاج لمصارعة الجبال، والجري على الحبال، من أجل مقارعة "العُقَّال" أو "الجُهَّال"، لإثبات الحقيقة أعلاه، فقد أثبتها مسؤولان مهمّان، يُفترَض أن يكون لأيِّ منهما القرار الحاسم لاندلاع أو منع الحرب، بحُكْم منصبيهما، إلاّ أنّ هذا لا يحدث في زمان "العَوْلَمة" ومفارقات الألفيّة الثالثة. المسؤولان هُما: الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان، ووزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد.
في يوم الخميس 16 سبتمبر 2004، أعلن كوفي عنان أخيراً، وبعد مرور 546 يوماً بالتمام والكمال، منذ اندلاع حرب العراق في العشرين من مارس 2003، أنّ تلك الحرب غير قانونيّة، ومخالفة لمواثيق المنظّمة الدوليّة، بينما كان من المنطق والقانون، أن يستنطقه منصبه الدولي، ليقول ما قاله مؤخّراً وأخيراً، بعد إطلاق الصاروخ الأول مباشرةً، من تلك الحرب "الإمبرياليّة" الخطِرة.
وبعد أسبوع واحد من "إعلان كوفي" المثير، في يوم الخميس 23 سبتمبر، ومن خلال جلسة رسميّة في مجلس الشيوخ الأمريكي، أفاد دونالد رامسفيلد بأنّ الانتخابات في العراق، التي يُنتظَر أن تُجرى في مطلع العام الجديد (أي بعد ثلاثة أشهر ونيف)، لا يمكن أن تشمل كافّة المناطق العراقيّة، بسبب أعمال العنف، واستمرار المعركة بذاك السبب. وزير الدفاع الأمريكي، قال إفادته الرسميّة، بعد مرور 533 يوماً من انتهاء المعركة الافتراضيّة في 9/4/2003، ولم يكتفِ بذلك، وإنّما أضاف تصريحاً خطيراً في اليوم التالي (الجمعة 24 سبتمبر)، حينما قال بأن القوّات الأمريكيّة، قد تنسحب من العراق قبل إحلال السلام فيه، كما قال بأنّ العراق لم يشهد سلام أصلاً، خلال الفترة الفائتة، كما لم يشهد نظاماً سياسيّاً نموذجيّاً.
** ثَمَّة سؤال:
هل هُناك ما يدعو للتعليق، في "جزئيّة" رامسفيلد (؟)...
** الإجابة:
لا إجابة، ولا تعليق (!).
[#]........................
حوار الحرب في العراق، بدأ بقصف المُدُن غير المُدانة (في نظر القانون الدولي)، وانتهى بذبح رؤوس الرهائن المُدانة (في نظر خاطفيهم)، وفي منتصف ذلك الحوار الدموي انتهاكات لا حدود لها، تمسّ الأرض وثروتها، والدولة وسيادتها، والدين وقدسيّته، والقانون وهيبته، والعِرْض ومكانته، وأشياء أخرى لا قبيل لكم بها.
وبعد تلك الأيّام التي تكاد تكمل 550 يوماً، بعد انتهاء المعركة التي افترضوها لإعلان السقوط، لا يمكن إحصاء الأرواح العراقيّة البريئة المزهوقة، على سطح تلك الأرض الملوّثة بأقدام الغُزاة. ممّا لا شك فيه، أنّ رقم ذلك الموت العراقي (المسموح به أمريكائيليّاً وإمبرياليّاً)، ينمّ عن وحشيّة "غابويّة"، لم يعرفها أشهر الغُزاة في التاريخ، لأنّ ذلك الموت يستمرّ يوميّاً، على مدى تلك الأيّام الـ550، بكلّ ما فيها من قسوة وألم ومرارة.
نعم، هُناك أيدي آثمة أخرى ترتكب القتل، غير أولئك الغُزاة. لكن لولا هؤلاء، لما كان أولئك، أي أنّه لولا حضور الغُزاة من كل فجٍّ عميق، لما حضر القتلة من أعمق أفجاجها وأفجاجهم أيضاً... هذه من أبجديّات أي "حرب مُدنَّسة جائرة" (!).
حتّى رقم الخسارة البشريّة، في أجندة الغُزاة، خصوصاً الجيش الأمريكي، قد لا يكون مسبوقاً، خلال السنوات العشرين أو الثلاثين الأخيرة.
أمّا الحديث عن الخسائر الأخرى، فحدِّث ولا حرج. المطلوب من الروائيّين الأحياء، من حاملي جائزة نوبل تحديداً، صياغة تفاصيل الراوية المناسبة، عن واقع الحال في العراق، مع إمكانيّة مقارنة ذلك الواقع بالجنّة الأرضيّة، التي وعد بها المُبجَّل جورج بوش وحاشيته النبيلة، مع تفضيل تصوير تلك المقارنة بأسلوب أدبي رفيع، يستحقّ معه جائزة "كوفي عنان" للأدب، وجائزة "دونالد رامسفيلد" للأخلاق (!).
[#]........................
ما قاله عنان، وجد استنكاراً سريعاً في دوائر صناعة وتحريك تلك الحرب الآثمة، خصوصاً في واشنطن ولندن وسيدني وروما ووارسو وغيرها. وما قاله رامسفيلد، وجد تصحيحاً دبلوماسيّاً سريعاً، من نائب وزير الخارجيّة الأمريكي ريتشارد آرميتاج (وليس من الوزير كولن باول، وهنا منطق العجب!)، خصوصاً بالنسبة لجزئيّة الحديث عن "الانتخابات الجزئيّة"، والتي أشار إليها مواطنه وزير الدفاع "المُتبجِّح" في تصريحاته تلك، وكأنّها – أي الانتخابات - "ترف" لا يحتاجه ذلك الشعب، الذي بات لا يعنيهم فيما يبدو (!).
المراقبون اندهشوا من استمرار التناقض الإعلامي الواضح، بين وزارتي رامسفيلد وباول، رغم اقتراب الانتخابات، وقالوا أنّ كلمة الفصل ستكون في فم الرئيس فقط، مع علمهم أنّه لا ينطق إلاّ بأوامر مستشاريه المشبوهين. لعلّ توقيت تلك التصريحات المتناقضة، بعد أسبوع واحد من حلّ عُقْدة لسان كوفي عنان، ووخز ضميره له بصوتٍ عالٍ (ومُدهِش أيضاً!)، يشير إلى ملامح سيناريو غامض، تُحيكه الإدارة الأمريكيّة "الليكوديّة"، خصوصاً وأنّ الرئيس اعترف مساء السبت (25 سبتمبر)، فيما بعد تناقض مسؤولي إدارته، بأنّ هُناك مشكلات جمّة في العراق، تواجهها إدارته دون انقطاع، وذلك خلال حديث "الراديو" الأسبوعي.
رامسفيلد ليس غبيّاً ليشطح بما يشاء، كما أن التصحيح والتوضيح من آرميتاج لا يأتي اعتباطاً، ومن بعدهما يأتي الاعتراف المُبطَّن من سيادة الرئيس نفسه. إلى شيء ستضطر فعله إدارة المفاجآت "البوشيّة"، خلال الأيّام والأسابيع القلائل المُرتقبة، فيما قبل بدء العمليّة الانتخابيّة لدورة رئاسيّة أمريكيّة جديدة، في غضون نوفمبر المقبل (؟).
هذا هو السؤال، الذي يجب أن يخرج للعلن، خصوصاً وأنّ تلك الإدارة المشبوهة، حرّكت قوّاتها وحلفائها صوب العراق، وبدأت الحرب وهي تتجاوز القانون الدولي ورفض أغلبيّة حكومات وشعوب العالم، بذريعة البحث عن أسلحة الدمار الشامل. وعندما تلاشت تلك الذريعة تماماً، وهي تخلِّف عشرات الفضائح، تصاعد الحديث عن نُبْل إرساء الديمقراطيّة والإصلاح، في تلك الأرض التي شبعت من الصلف والديكتاتوريّة، اتضح تنصُّلها من هذا كلّه بطريقة "رامسفيلديّة" مباغتة، عبر تلك التصريحات التي لا تحتاج إلى تعليق أصلاً، كما أوضحت في البداية، وهي بالفعل كذلك (!).
[#]........................
أجزم أنّ هُناك آلاف الخبراء والباحثين والمراقبين والمحلِّلين، في الشأن السياسي والاستراتيجي، في هذا العالم العريض. ليت هؤلاء يجتهدون بعرض مكنونانهم الفكريّة، مثلما يجتهدون لاستعراض عضلاتهم إعلاميّاً، من أجل تقديم تشريح منطقي ودقيق ووافٍ، عن أغرب وأغمض إدارة أمريكيّة، تحتاج بالفعل لوضعها تحت مجاهر البحث والدراسة والتحليل بكلّ تجرُّد.
هذا الزمان "المُتَعَوْلِم"، بات يفتقد بالفعل لوجود الحُكماء، كأولئك الذين عطّروا الوجود الإنساني، في أزمنة غابرة، لا تزال إضاءاتها الفكريّة والفلسفيّة تعمّ عالمنا المعاصر، وإلى أن تقوم الساعة.
قال الحكيم الصيني منشيس قديماً: "ليس ثمّة حربٍ عادلة"، وقال مواطنه لاوتسي: "عندما يسود الحقّ، تُسخَّر الخيل لأعمال المزرعة، وعندما يسود الباطل، تُسخَّر الخيل لخوض المعركة".
من يستطيع في عالمنا المعاصر، أن يختزل كلّ إشكاليّات التناقض بين التقدُّم و"التقزُّم" (تكفي هذه المقاربة والمقارعة، في عالم تسوده متناقضات لا حدود لها)، في حكمة تأسر دواخل الإنسان (العقل والقلب)، في هذا الزمان الذي لا تُستهدف فيه الدواخل، وإنّما المظاهر والظواهر، في زمن سيادة "المظاهر والظواهر"، والعياذ بالله (!).
* كاتب صحافي سوداني
[email protected]




التعليقات