قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

في أوج قوتها في القرنين الخامس عشر والسادس عشر كانت الكنيسة الكاثوليكية تمثل الله على أرضه وكان قانونها هو القانون الإلهي، ولم يكن هناك أي قانون مدني بديل، تماماً كما قال القرآن: " وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون " (المائدة 47). وحتى لا يكون الرجل المسيحي فاسقاً فقد خضع للكنيسة خضوعاً كاملاً وكان الناس من جهلهم يعتبرون القسيس في كنيستهم ممثل الله على الأرض، وجواز دخولهم مملكة السماء. فمن أغضب القسيس فلا دخول له لمملكة السماء. وكان البابا يُدعى " خادم خُدّام الله " Servant of the Servants of God.. واستغلت الكنيسة هذا الجهل والإيمان بالخرافة عند العامة لكنز الذهب والفضة للكنيسة نفسها ولقساوستها. كان الأغنياء يدفعون المبالغ الطائلة للكنيسة لإدخال أبنائهم المعاهد الثيولوجية ليصبحوا قسيسين، وبذا يضمنون نجاحهم في الدنيا والآخرة. واستغلت الكنيسة الفقراء بأن جعلتهم يدفعون المال للكنيسة لتعميد أطفالهم لأن الطفل الذي لا يُعمّد لا يدخل إلى مملكة السماء، وكذلك ليتزوجوا أو ليدفنوا موتاهم في أرض الكنيسة الطاهرة. وكان على الرجل المسيحي أن يدفع عُشر دخله السنوي للكنيسة إما عيناً وإما نوعاً كالبهائم أو الغلال، وكانوا يسمون ذلك Tithes. وفي كل يوم أحد بعد نهاية الصلاة يمر القسيس أو من ينوب عنه على المصلين وفي يده صحن يضع فيه المصلون ما تيسر لله. ثم زادت الكنيسة من جشعها وفرضت على المزارعين أن يعمل كل منهم يوماً أو يومين في أرض الكنيسة بدون مقابل حتى يضمن مباركة القسيس له.
وجاء رجلٌ يُدعى جون هص John Huss من بوهيميا (جمهورية الشيك Czech Republic) وكان قد درس اللاهوت وأصبح أستاذاً في جامعة شارلس في براغ في عام 1398 ثم مديراً للجامعة. وكان هذا الأستاذ يدرّس طلبته أن البابا والقساوسة يجب أن يكونوا قادة روحانيين وليس حكاماً على الأرض، فقوانين الأرض يجب أن تترك للناس أنفسهم. وكان من الطبيعي أن يثور البابا وتثور الكنيسة، وأصدر البابا أمراً بإخراج جون هص من المسيحية أي حكم بردته عن المسيحية. وكان من الطبيعي كذلك أن تُعقد لجون هص محكمة لاهوتية تحكم بما أنزل الله في الإنجيل، وحكمت هذه المحكمة على المتهم بالحرق حياً على الصليب، وحُرق جون هص يوم 6 يوليو 1415. فزاد حب العامة للبابا وللكنيسة التي نفذت حكم الله في المرتدين.
وجاءت القشة التي قصمت ظهر البعير عندما أصدر البابا في روما كميات هائلة من صكوك الغفران التي وقع عليها وختم عليها بخاتمة الرسمي لتباع للعامة الذين يرغبون في غفران ما ارتكبوا من ذنوب، فكان ممثل البابا يطوف على المدن والقرى يبيع صكوك الغفران التي تمحو ذنوب المشتري لأن البابا هو ممثل الله في الدنيا ولا بد لله أن يحترم وعده بالغفران. وعندما نجحت هذه الفكرة في كنز كميات هائلة من الفضة والذهب للكنيسة، تفتقت ذهنية البابا عن فكرة أخرى: شراء صكوك الغفران باسم الأقرباء الميتين كي تساعدهم على دخول مملكة السماء. فكانت هذه هي القشة التي جعلت القس الألماني مارتن لوثر يكتب كتابه " 95 بحثاً " 95 Theses في عام 1517. وكانت هذه بداية النهاية بالنسبة للكنيسة الكاثوليكية.وبعد أن انقسمت الكنيسة إلى كاثوليكية وبروستانتينية وكون القس كالفن أول حكومة بروتستانتينية في سويسرا عام 1530، لم تكن كنيسته تختلف كثيراً عن الكنيسة الكاثوليكية في مسألة الحاكمية لله ومسألة ابتزاز الفقراء لصالح الكنيسة. وعندما اعترض الطبيب الإسباني ميكائيل سيرسفيتيوس على ممارسات الكنيسة أحرقوه على الصليب كذلك.
فهل اختلف الإسلام عن الكنيسة في وعوده بصكوك الغفران؟ فمنذ البداية استعمل القرآن موضوع الجنة بأوصافها التي تسيل لعاب الرجال ببنات الحور والغلمان المخلدون وأنهار الخمر والعسل لترغيب الناس في الإسلام، ثم صارت أداة لترغيبهم في الجهاد في سبيل الله والموت زوداً عن حياضه. وكان من الطبيعي أن يكون النبي هو الممثل الشرعي لله على الأرض وهو الذي يعد المخلصين بالجنة بالإنابة عن الله، " ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون " (يونس 55). فكان الرسول يبشر أصحابه بالجنة إن فعلوا خيراً، فكلنا يعرف العشرة المبشرين بالجنة. وكان النبي يحث الناس على القتال بأن يعدهم الجنة، فقد قال يوم أحد للمسلمين عندما اشتد عليهم أذى الكفار: " من جاز التل فله الجنة. فقال يزيد بن نويرة: يا رسول الله إنما بيني وبين الجنة هذا التل؟ قال: نعم. فأخذ يزيد سيفه فضارب حتى جاز التل فقال بن عم له: يا رسول الله أتجعل لي ما جعلت لابن عمي يزيد؟ قال: نعم. فقاتل حتى جاز التل ثم أقبلا يختلفان في قتيل قتلاه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما: كلاكما قد وجبت له الجنة ولك يا يزيد على صاحبك درجة. قال فشهد يزيد مع عليّ فكان أول قتيل من أصحاب علي يوم النهروان " (تاريخ البغدادي ج1، ص 218). وقال المحاربي، عن أبي مسعود، عن بشر بن بشير الأسلمي، عن أبيه قال: لما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء، وكانت لرجل من بني غفار، عين يقال لها رومة، وكان يبيع منها القربة بمد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تبيعها بعين في الجنة؟ "، فقال: ليس لي يا رسول الله عين غيرها، لا أستطيع ذلك، فبلغ ذلك عثمان، فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أتجعل لي مثل الذي جعلت له عيناً في الجنة إن اشتريتها؟ قال: "نعم"، قال: قد اشتريتها وجعلتها للمسلمين " (تاريخ الإسلام للذهبي، ج2، ص 161). وكان في قبيلة عبد الأشهل رجلٌ يدعى عمرو بن ثابت وكان معروفاً بالأصيرم، وقد أبى أن يسلم حتى يوم موقعة أحد " فأسلم وأخذ سيفَه، ولَحِقَ بالنبى صلى الله عليه وسلم، فقَاتل فأُثْبِتَ بالجِرَاحِ، ولم يعلم أحدٌ بأمره، فلما انجلت الحرب، طاف بنو عبد الأشهل فى القتلى، يلتمِسُون قتلاهم، فوجَدوا الأُصَيْرمَ وبهِ رَمَقٌ يسير، فقالوا: واللهِ إن هذا الأصيرمَ، ما جاء به؟ لقد تركناه وإنه لَمُنْكِرٌ لهذا الأمر، ثم سألوه ما الَّذِى جاء بك؟ أَحَدَبٌ عَلى قَوْمِكَ، أم رغبةٌ في الإسلام؟ فقال: بل رغبةٌ في الإسلام، آمنتُ باللهِ ورسوله، ثم قاتلتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصابنى ما تَرَوْنَ، ومات من وقته، فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((هُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ )). قال أبو هريرة: ولم يُصَلِّ للهِ صَلاَةً قَطُّ. " (زاد المعاد لابن قيم الجوزية، ج3، ص 165). وهناك قصة الصحابي الجليل عمير بن الحمام الأنصاري " حين سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في غزوة بدر (قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض) قال: يا رسول الله: جنة عرضها السموات والأرض! قال: نعم قال: بخ بخ . قال رسول الله: وما يحملك على قول بخ بخ؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: (فإنك من أهلها) ثم أخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة. فرمى بها ثم قاتلهم حتى قُتل." (صحيح مسلم 3/1509).
والوعد بالجنة كان حافزاً قوياً لطلب الشهادة في الغزوات حتى أن الابن والأب كانا يختصمان في من منهما يخرج في الغزوة، ومن يبقى مع النساء، فقد كان الصحابي سعد بن خيثمة أحد نقباء الأنصار الاثني عشر شهد العقبة الأخيرة مع السبعين ولما ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى غزاة بدر قال له أبوه (خيثمة )‏:‏ إنه لا بد لأحدنا من أن يقيم مع النساء، فآثرني بالخروج وأقم مع نسائك فأبى سعد وقال‏:‏ لو كان غير الجنة لآثرتك بها إني لأرجو الشهادة في وجهي‏.‏ فاستهما فخرج سهم سعد فخرج فقتل ببدر‏.‏ (المنتظم في التاريخ لابن الجوزي، ج3، ص 46). وفى ((صحيح مسلم )): أنه صلى الله عليه وسلم، أُفْرِدَ يَوْمَ أُحُدٍ فى سَبْعَةٍ مِنَ الأنصارِ، وَرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ، فلما رَهِقُوه، قَالَ: ((مَنْ يَرُدُّهمْ عَنَّا، وَلَهُ الجَنَّة ))، أو ((هُوَ رفِيقى فى الجَنَّةِ ))؟ فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثم رَهِقُوهُ، فقال: ((مَنْ يَرُدُّهُم عنَّا، ولهُ الجَنَّةُ ))، أَو ((هُوَ رَفِيقى فى الجنَّة ))، فَتَقَدّمَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَاتَلَ حتَّى قُتِلَ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ السَّبْعَةُ، فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((ما أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا ))،(زاد المعاد لابن القيم، ج3، ص 97).
ولم يكن الوعد بالجنة وقفاً على النبي وحده، فبعد موته قام بالمهمة غيره، فمثلاً لما سئل الإمام عليّ بن أبي طالب بعد معركة صفين عن قتلى الجمل، فقال: "والذي نفسي بيده لا يموتن أحد من هؤلاء وقلبه نقي إلا دخل الجنة" (تاريخ ابن خلدون، ج1، ص 268).
ثم تدرجت الوكالة عن الجنة من الخلفاء الراشدين إلى العلماء والفقهاء، ففي مرة قال العالم " عبد الرحمن بن أبي حاتم واسم أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر الحافظ العالم الثقة أبو محمد بن الحافظ الجامع التميمي الرازي، قال أبو يعلى الخليلي: أخذ علم أبيه وأبي زرعة وكان بحرا في العلوم ومعرفة الرجال. صنّف في الفقه واختلاف الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار. وقال ابن الأهدل: هو صاحب الجرح والتعديل والعلل والمبوب على أبواب الفقه وغيرها. وقال يوما: " من يبني ما تهدم من سور طوس وأضمن له عن الله الجنة؟ " فصرف فيه رجل ألفاً فكتب له (ابن أبي حاتم) رقعة بالضمان فلما مات دفنت معه. (شذرات الذهب للدمشقي، ج2، ص 308).

حتى الحجاج بن يوسف الثقفي كان من الذين يوعدون بالجنة بالإنابة عن الله، فعندما بعث جريدة خيل من ألف وثمانمائة فارس مع زحر بن قيس وقال له: اتبع شبيباً حتى تُواقعه أين أدركته إِلا أن يكون ذاهباً فاتركه ما لم يعطف عليك أو يقيم، فخرج زحر حتى انتهى إلى السيلحين وأقبل شبيب نحوه فالتقيا، فجمع شبيب خيله ثم اعترض بهم الصف حتى انتهى إلى زحر فقاتل زحر حتى مرعَ وانهزم أصحابه وظنوا أنهم قّتلوه (يعني زحر)، فلما كان السحر وأصابه البرد قام يتمشى حتى دخل قرية فبات بها وحُمل منها إلى الكوفة وبوجهه وبرأسه بضع عشرة جراحة، فمكث أياماً، ثم أتى الحجاج فأجلسه معه على السرير وقال لمن حوله: من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا " (الكامل في التاريخ للمبرد، ج4، ص 161).
وكان من الطبيعي أن يصل هذا التسلسل في الوكالة عن الله إلى الفقهاء المعاصرين، فقد أصدر آيات الله الخميني فتواه المشهورة ضد سلمان رشدي ووعد من يقتله بالجنة الوارفة الظلال وبنات الحور. ثم أعقبه آية الله الشيخ صادق خلخالي، رئيس أول محكمة ثورية في إيران بعد نجاح الثورة الإسلامية، الذي كان قد أعدم ما يقارب ألفي شخص من كبار المسؤولين في عهد الشاة، وقال وقتها: من المحتمل أن يكون بين هؤلاء بعض الأبرياء ممن سيكافئهم الله بمنحهم غرفة أكثر سعة من الغرف العادية في الجنة وحوريات أكثر جمالاً من حوريات الجنة(الشرق الأوسط 28 نوفمبر 2003). وحديثاً فتح آية الله محمد تقي مصباح يزدي مُنظِر المحافظين الجدد في إيران، والأب الروحي للرئيس الايراني الجديد محمود احمدي نجاد، باب التطوع للانتحاريين، وذلك بنشر إعلان رسمي في صحيفة «برتوسخن» (ضوء الكلام) الصادرة في مدينة قم. وكشف محمد رضا سياري، أحد المتطوعين، الذي هرب من ايران اخيرا في حديث هاتفي مع «الشرق الأوسط» من مدينة فان التركية، انه و80 شابا من متطوعي الدفعة الأولى لـ«الاستشهاديين» زاروا مصباح يزدي في مكتبه بقم، حيث قال لهم «ان ابواب الجنة اصبحت الآن مفتوحة امامكم حيث هناك اجمل حوريات في انتظاركم على ضفاف أنهار من العسل والشراب الطهور». (الشرق الأوسط 26 يوليو 2005).
وفي السودان عندما كان الشيخ حسن الترابي، عرّاب ثورة الإنقاذ، في أوج مجده كان يفتى بأن من يموت في الحرب بين الشمال والجنوب، يموت شهيداً، وفي كل يوم كان يطوف على الأسر التي فقدت أبناءها في الحرب ليهنئهم بفوز ابنهم ودخوله الجنة وزواجه من الحوريات. وأبو مصعب الزرقاوي ورفاق دربه لا يكلون ولا يملون عن الوعود بالجنة لمن يفجر نفسه في العراق ليقاوم الاحتلال.
وفي الآونة الأخيرة ظهر لنا فقهاء لا يبشرون بالجنة نيابةً عن الله وإنما يهددون بجهنم من يخالفهم، فقد ظهرت في العراق في الانتخابات التي أجريت حديثاً لافتات تهدد الشيعة الذين لا يصوتون للقائمة الشيعية التي يقف وراءها آيات الله السيستاني بأنهم سوف يصلون سعيراً. وفي مكة دعا إمام وخطيب المسجد الحرام السعوديين إلى مبايعة العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز وقال: إن الذين لا يبايعونه سيموتون على غير الإسلام (فاروق يوسف، كتابات، 8 أغسطس 2005). وكلنا يعرف عقاب من يموت على غير الإسلام. كل هذا التهديد وما كان السعوديون أصلاً في حاجة إليه ليبايعوا الملك عبد الله. فهل يا ترى هناك أي اختلاف بين القسيسين والفقهاء في محتوى وفائدة صكوك الغفران؟