مثقلاً بأكوام من الشحم والورم، مفعماً بالمرارات والإحباط والخيبات، تكومت على مقعد في الطائرة بعد أن خيبت السلطات ظني ولم تمنعي من السفر لتغطية المؤتمر الدولي الأول لأقباط المهجر، الذي التئم على مدى ثلاثة أيام في مدينة زيورخ السويسرية، وطيلة الرحلة رحت استعرض في مخيلتي ما سيجري، تصورت أن مجموعة من الباحثين عن قضية سوف يأتون من الشرق والغرب، يتلون خطباً عصماء عن أصول الديموقراطية والحرية، في "مناخ كربلائي" لا يلبث أن يتحول إلى مزايدة على مظالم الأقباط المضطهدين، ولا أذيع سراً أنني قبلت السفر والمشاركة مدفوعاً بحب الاستطلاع، وهذا بالطبع لا يمس انحيازي الفطري لكل صاحب مظلمة في هذا الكون، فما بال الأمر حين يتعلق بشعب أنتمي إليه إثنياً وثقافياً وحضارياً، تداخلت في ذاكرتي صور استدعيتها من الماضي، منذ طفولتي المبكرة لصديق عمري المسيحي القبطي د. مكرم معوض سلامة، الذي كان ولم يزل أكثر إنسان أثق به في هذا العالم، تداخلت صورته مع صور حضرات الزملاء الصحافيين "الشتامين" الذين استبقوا المؤتمر بعناوين فاقعة ومعالجات "بلشفية" تصفه بالمؤتمر الصهيوني، رغم أن كل منظميه والمشاركين به من المصريين الأقحاح، بل أن أغلبهم من أسر قبطية تنتمي إلى صعيد مصر، ومن المعروف والثابت تاريخياً أن هذه العوائل القبطية تضرب بجذورها إلى زمن الملك مينا موحد الشمال والجنوب، وبالتالي تداعت إلى ذهني عبارات طالما استخدمت للإرهاب الفكري من صنف "أعداء الوطن"، و"الإساءة لصورة مصر"، وهذه الأخيرة تحولت بقدرة قادر من مجرد عبارة جوفاء سخيفة لا معنى لها إلى تهمة قانونية توجهها النيابة العامة لمن تتجه النية إلى "تأديبه وتهذيبه" في مصرنا المنكوبة بتحالف العسكر والمتأسلمين و"الجعرات"،كما حدث لسعد لدين إبراهيم وغيره من الضحايا على مذبح المتاجرة بالأوطان.
فقه التترس
استسلمت إلى خدر الانسحاب القسري من التدخين، آخر ما تبقى لي من متع الدنيا، وسرحت بعيداً استدعي من قاع الذاكرة صورة ذلك الفتى المسلم الذي نشأ في بيت اشتهر بأنه "بيت علم"، كون جدي وأحد اخوته، ورثا عن والدهما مساحة متواضعة من الأراضي الزراعية، والأهم من ذلك هو تلقيهما التعليم في الأزهر، مع ذلك الفتى المسيحي "مكرم" ابن الأسرة الفقيرة التي اضطرت والده للعمل في أكثر من مهنة ليستطيع تأمين نفقات الحياة، وتحقيق حلم عمره بتعليم أبنائه في الجامعات حتى لا يجدوا أنفسهم مضطرين لمكابدة ما عاش ومات "عم معوض" يقاسيه، فأن يجتمع في المرء الفقر بالوراثة، مع انتمائه إلى أقلية دينية مهمشة في مناخ مهووس دينياً، واضطراره إلى العيش في قرية نائية بصعيد مصر، فإن المأساة تكون قد اكتملت أركانها، وهو ما ترك جروحاً غائرة في روح صديقي تلازمه، رغم اجتيازه بوابة الحاجة، وارتقائه سلم المجتمع حين أصبح طبيباً له وزنه، لكنه ظل يعترف دائماً، بأن الفقر والشعور بالتهميش سوف يلازمانه حتى يموت، وانه فشل في تجاوزهما، وغاية ما يحلم به ألا يحمل أطفاله هذه "العاهات النفسية" على حد تعبيره.
تساءلت في نفسي : هل يمكن أن يكون مكرم بهذا الاعتراف النابع من فضيلة تقلص وجودها كثيراً في مصر، وأقصد بها "فضيلة التواضع"، صهيونياً أو يسيئ إلى سمعة مصر؟
بدا السؤال مريراً إلى حد الابتسام، ولا يمكن تصنيفه تحت بند الأسئلة الجادة مطلقاً، وبالتالي لا يمكن للمرء أن يجيب عليه في سياق المنطق، بل غاية ما يمكن أن يفعله المرء إذا اضطر إلى الجواب أن يرد بأقصى وأقسى ما في وسعه من السخرية والتهكم والتسفيه.
ارتحت قليلاً، لكن نفسي الأمارة بالسوء راحت تلاحقني بمزيد من الأسئلة الحادة، كان أبرزها: وما الذي يضطرني للمشاركة في مؤتمر يشبه "نجع النصارى"، ربما تكون أنت المسلم الوحيد فيه، وما إذا كان في الأمر شبهة استخدام لهذه الصفة، كما تتعمد ذلك منظمات التطرف الإسلامي ومنها جماعة "الإخوان المسلمين" حين تصر على إدراج أسماء بعينها من طراز "المفكر القبطي إياه"، لتترس به، وتقفز على اتهامها بتبني أجندات طائفية، وتقطع الطريق على تساؤلات عما يحملونه في جعبتهم تجاه قضايا الأقباط أو المرأة أو حقوق الإنسان، أو غيرها من العناوين التي لم يعد بوسع المجتمع الدولي بعد ما حدث خلال السنوات القلائل الماضية تجاهلها، كما كان يحدث قبل "غزوات ابن لادن وصحبه الغر الميامين" ، فهل يمكن أن أكون قد تورطت من دون أن أشعر، مدفوعاً بحسن النية إلى القيام بنفس الدور؟.
لم أسع إلى تبرير الأمر، ولم أجتهد في تسويغه لنفسي، بل قلت "دعنا ننتظر ونرى"، وليس هناك في نهاية المطاف ما يمكن أن يجبرك على قبول دور لا ترتضيه، أو القيام بمهمة لست مؤمناً بها، ولعل ما عزز طمأنينتي في هذه المسألة ثقتي بصلابتي النفسية، ومدى صعوبة تدجيني سواء بالابتزاز أو الاستدراج، بالإرهاب أو الترغيب، وهي صفة لصيقة بي منذ اللحظة الأولى التي بدأ فيها وعيي بالعالم وبنفسي، ومرة أخرى وجدتني أكرر العبارة الانكليزية الشهيرة القائلة .. "لننتظر ونرى".
ومن باب المجاملة
استقبلني في مساء يوم الوصول ضمن العشرات ممن حضروا المؤتمر راعيه الأول، المهندس عدلي أبادير، وهو ثمانيني يقظ الذهن إلى درجة مذهلة، يدهش المرء بقدرته على متابعة كل ما يجري من أحداث، وما ينشر عبر الصحف السيّارة والإليكترونية وما تبثه الفضائيات، رغم كونه يدير شركة دولية كبرى تعمل في سويسرا والشرق الأوسط منذ نحو نصف قرن مضى، ولعل أجمل ما في الرجل هو طريقته في الحديث، إذ تمتزج بعفوية لهجته الصعيدية القحة باصطلاحات انكليزية وعبارات ألمانية، ولا يدع فرصة تمر من دون إطلاق نكتة، هو باختصار يحمل روحاً مصرية خالصة لم تنل منها سنوات الغربة الطويلة ولا أجواء البيزنس المتجهمة، أو تلك المستعلية كما عهدناها ونراها في سلوك "محدثي النعمة" المتفشيين في شرقنا الأتعس، الذين يباهون على الفقراء بما سرقوه منهم، ويجدون من الأنظمة ومتنفذيها الفاسدين من يحميهم، ويعزز لديهم مشاعر "أثرياء الحرب" المريضة.
كانت أمسية مبهجة، لم يكن ينقصها سوى "القلل القناوي" وحبات الترمس، رغم أنها جرت في واحد من أفخم فنادق زيورخ، وتحولت الطاولة التي كنا نجلس عليها بمرور الوقت إلى طاولتين، فثلاثاُ ثم أربع حتى تمكنا ـ بحمد الله ـ من احتلال "التراس" وعلت الأصوات، وتداخلت مع الضحكات والتعليقات، حتى صار حضورنا "حالة مثيرة" تستحق المراقبة، وهو ما كان يمارسه بالفعل الضيوف الآخرون الغربيون المتناثرون على بقية الطاولات، وكالحزن والأنفلونزا تسربت البهجة إلى المكان الذي بدا من دون قصد احتفالية عفوية لا تنسى.
في اليوم التالي كان الحشد وصل إلى المئات واختلطت الوجوه المصرية بأخرى أوروبية، بينهم صحافيون غربيون وأساتذة جامعات وباحثون وناشطون في منظمات حقوقية، وكان عدلي أبادير يعتلي المنصة، وإذا بشاب في عشرينات عمره، يقف أمام هذا الحشد .. ممسكاً "الكمان" بحرفية واضحة، ويمرر أوتاره بعنفوان، لتنطق الآلة الموسيقية الأقرب إلى الحنجرة البشرية بلحن نعرفه جميعاً ـ كمصريين ـ رضعناه في المدارس والجامعات والإذاعات والتلفزيون ودار الأوبرا وكل مكان، رائعة سفر علي التي تقول: "اسلمي يا مصر إنني الفدا، بيدي إن مدت الدنيا يدا، لكِ يا مصر السلامة .. وسلاماً يا بلادي"، وكان من السهل على المتأمل في وجوه الحاضرين أن يعرف المصريين من الحضور بدمعة لمعت في عيونهم، بعضهم قاومها، لكنها غلبت كثيرين وترقرقت كاللؤلؤ على خدودهم، لتكون خير دليل يرد على سخافات الشتامين في صحافة مصر المنكوبة بالأراذل من "كتبة البلاط". كان الفتى المهاجر إلى الولايات المتحدة يعزف بكل كيانه، يضغط على الوتر حتى يكاد أن ينطق .. ودون ترتيب سابق وجد الحضور أنفسهم يرددون معه "واسلمي في كل حين".
مشجب الصهيونية
وبالطبع لم يكن هؤلاء الحضور في حاجة إلى دموع ليثبتوا حبهم وولاءهم وإخلاصهم لمصر، التي طالما اختطفتها الأنظمة الفاسدة المستبدة منذ انقلاب العسكر المشؤوم، تماماً كما اختطف ابن لادن وتابعه الظواهري الإسلام، بل بكل معايير المنطق، وكافة حسابات العقل، وشتى نصوص القوانين والدساتير، فهؤلاء الذين تركوا أعمالهم في أستراليا وكندا والولايات المتحدة وكافة بلدان أوروبا، لا يمكن أن يكونوا فعلوا ذلك طمعاً في "الاستوزار" أو تمهيداً لاعتلاء مقعد في البرلمان "سيد قراره"، أو حتى رغبة في تسيير مصالح شخصية، فمعظمهم ـ ما لم يكن كلهم ـ لم تعد لديهم أي مصالح في مصر، اللهم إلا العلاقات الاجتماعية مع الأهل والأسرة، لكن دعونا نقلها بصراحة إن هؤلاء الذين لم يحضروا هم أصحاب المصالح والمآرب، وهم الذين أطلقوا لأقلامهم العنان دون أدنى وازع من ضمير أو التماس للحقائق، ليتهموا خلق الله بالخيانة، ويقذفون بقيحهم على مشجب أصبح مملاً وسخيفاً اسمه "الصهيونية"، تماماً كما يفعل أبناء لادن، الذين لا يتورعون لحظة عن رمي الملايين بالكفر، وما يترتب على ذلك من سفالات واغتيالات وتفجيرات يجدون من يبررها لهم، ويسوقون في سبيل تسويغ ذلك خطاباً تآمرياً عن الصهيونية تارة، والصليبية تارة أخرى، وكأن الكون كله تفرغ للتآمر علينا، رغم اعترافنا بالضعف والهزيمة والتخلف.
اللافت في الأمر، حين تعرفت على بعض الحاضرين أنهم جميعاً من النخب التي لا أفهم كيف تهدرها الدولة المصرية بهذه البساطة، ولا تلتفت لقيمتها، وحجم العائد منها لو فتحت معها خطوط اتصال جادة، فمنهم رجال أعمال كبار لهم كلمة مسموعة في المهاجر الغربية والشرقية، وبينهم أساتذة في مؤسسات علمية وأكاديمية مرموقة، ومنهم أيضاً نشطاء في منظمات دولية تحسب لها الحكومات الغربية ألف حساب وحساب، ولعلني لا أبالغ إن قلت إن الإدارات الأميركية والأوروبية على تنوع مشاربها تدلل نشطاء هذه المؤسسات في سياق شائع لما بات يعرف بنفوذ الأقليات وسطوة الجمعيات الأهلية التي يبدو أنها ستحكم العالم قريباً، ما لم تكن تحكمه الآن بالفعل، وتصل بي الدهشة مداها حين نعرف أن هذه النماذج المشرفة شأن غالبية المصريين، عاطفيون للغاية، يمكن لأي حكومة تتمتع بالحد الأدنى من الحس السياسي، والوعي بطباع الشعب الذي تحكمه أن تأسرهم ولو من خلال ما يطلق عليه مصرياً "الطبطبة"، لكن حتى هذه لا تتفضل بها حكوماتنا التي جمعت بين الغباء والاستعلاء الذي لا يجد له المرء أي مبرر، سوى التفاهة وعدم الحرص حتى على مشاعر الناس، الذين يحكمون باسمهم، ويتحدثون نيابة عنهم، ويحصلون على رواتبهم اقتطاعاً أقواتهم ضرائب ورسوماً فاحشة، لكنهم يطلقون عليهم أراذل الشتامين، وبعد كل هذا يأتي منظرو الاستبداد يريدون تبسيط الأمر واختزاله في المشهد المبتذل لعناق الشيخ والقس، أو يتحدث عن "حقوق المواطنة"، كأنها اختراع جديد يتفضل به كهنة "الفكر الجديد"، وكأن هذه الشعوب ـ أعزكم الله ـ من الأنعام التي لم تقرأ شيئاً عن "العقد الاجتماعي" ولم تطلع على ثقافات وخبرات الأمم الأخرى التي لم يعد هناك بينها من يلوك كلاماً فارغاً عن "المواطنة"، لأنها بكل بساطة صارت من البديهيات، والممارسات اليومية المحسومة منذ قرون، ولم تعد موضع جدل ولا تفضل من "أمانة السياسات" رعاها الله.
نعود إلى المؤتمر
وقد بدت المنصة شديدة الحساسية حيال كل لفظ أو مداخلة أو عنوان، به أدنى شبهة إساءة سواء إلى الوطن أو الإسلام، بل حرص رئيس المؤتمر عدلي أبادير على التأكيد في كلمته الافتتاحية أو في سياق تقديمه للمتحدثين، أن هذا المؤتمر ليس موجهاً ضد المسلمين ولا ضد مصر بالقطع، وأن مصلحة الأقباط هي في نهاية المطاف جزء من مصلحة مصر، وأنه حيث تكون مصلحة البلاد والعباد فثمة مصلحة للأقباط، وأن الحديث عن مظالم يتعرض لها الأقباط هو بلا شك حديث مشروع ومبرر بل وواجب في ظل دولة ترفع راية الديموقراطية، لأن ما ينشده الأقباط هو وطن كالحديقة، يتسع لكافة الزهور أن تتفتح، وليس وطناً لفئة بعينها أو طائفة واحدة، وإن ذلك كله يقتضي حديث المكاشفة والصراحة حتى النهاية.
وحملت أوراق ومداخلات المتحدثين عدة قضايا، بدءاً بمحاضرة مهمة للكاتب الأميركي الشهير د. دانييل بايبس، بعنوان "تحدي الأسلمة في أوروبا والشرق الأوسط"، ثم تناولت مداخلات أخرى حزمة من المحاور، كانت أبرزها المطالبة بإلغاء المادة الثانية من الدستور المصري التي تقول إن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، وإن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع والقوانين، استناداً إلى أن الدولة لا ينبغي أن يكون لها دين رسمي، وليس هناك في أي من دساتير العالم المتحضر نص مشابه، إضافة لتجاهل الأقباط في الترشيح للمجالس النيابية، ففي انتخابات عام 1995 لم يرشح الحزب الوطني (الحاكم) أي قبطي على قوائمه، وفي الانتخابات الأخيرة رشح ثلاثة أشخاص فقط ضمن 444 مرشحا أي بنسبة 6ر%، كما تطرقت المداخلات إلى المناخ العام الذي يجعل القبطي كأنه يعيش غريبا في وطنه، وغير ذلك من المحاور والقضايا الشائكة، التي خلصت إلى جملة من التوصيات والقرارات، وتفاصيل تلك الكلمات، وما انتهت إليه من نتائج هو موضوع الجزء الثاني من المقال.
والله المستعان
















التعليقات