(الحلقة الأولى)

منذ عهد الإستقلال سيطرت على الشارع العربى وعلى الحكم فى العالم العربى عدة تنظيمات وتشكيلات سياسية رئيسية:
تنظيمات عسكرية، وأبرزها تنظيم الضباط الأحرار فى مصر
تنظيمات قومجية، وأبرزها حزب البعث فى سوريا وفى العراق
تنظيمات إسلاموية ، وأبرزها تنظيم الإخوان المسلمون
تنظيمات قبلية وعشائرية وعائلية، فى منطقة الخليج والجزيرة العربية ولبنان والأردن

أما الليبراليون فكان وجودهم محدودا للغاية، وبالمناسبة أنا أفضل تسميتهم بالأحرار لسببين: أن الليبراليون كلمة معربة وليست عربية وإذا تخيلت نفسك فى صعيد مصر وسألت رجل الشارع العادى عن رأيه فى الليبراليين فسوف يكون رده بلهجته الصعيدية المحببة: (ما خبرش يابويى.. إحنا لا جيين ناكل) !!. والسبب الثانى أن الليبراليون فى العالم الغربى تعنى عكس المحافظون بمعنى أنهم أكثر تحررا من الرجل العادى، لذلك فإن أن مراقب أجنبى فى الأمم المتحدة يقرأ (بيان الليبراليين الجدد) فسوف يتوهم أننا مجموعة (متحررة زيادة عن اللزوم لا نمانع فى زواج الجماعة إياهم، ولانمانع فى إباحة الإجهاض)، لذلك فإن فى هذا مجازفة فى نقل صورة غير صحيحة عنا وعن هدفنا وهو أساسا (الحرية والتنمية البشرية ومقاومة الفكر العنيف والمتطرف).

***

وأكبر الأحزاب الليبرالية فى العالم العربى فى القرن الماضى كان حزب الوفد فى مصر (وجاء إسمه من الوفد الذى تشكل بقيادة سعد زغلول لمفاوضة الإنجليز فى الجلاء عن مصر) ، كان هدفه الأساسى هو جلاء الإنجليز وهو هدف مرحلى، وبعد أن تحقق هذا الهدف بدأ يفقد شعبيته، لأنه لم ينتبه إلى أن التنمية البشرية للشعوب تتطلب أكثر كثيرا من مجرد جلاء المستعمر والأجنبى.

ويجب أن نعترف بصراحة بأننا قد فشلنا فى حكم أنفسنا بعد الإستقلال، فالفراغ الذى تركه المحتل فشل حتى اليوم فى ملئه أى من العسكر أو القومجية أو المتأسلمين، وبالرغم من أن هذه التنظيمات كثيرا ما تحالفت وكثيرا ما تقاتلت قتالا مريرا إلا أنها قد فشلت فى النهاية فى أداء الحكم رغم أنها نجحت فى الإحتفاظ به، ورأينا تحالف عسكر 23 يوليو مع الإخوان المسلمين فى 1952، ثم ما لبثوا أن إنقلبوا عليهم فى 1954، ثم نجح عبد الناصر بالتنكيل بهم تماما فى 1964، وشاهدنا أيضا علاقة الحب والكراهية المريرة بين البعث السورى والبعث العراقى، وشاهدنا تحالف العسكر فى سوريا والعراق مع البعث، وشاهدنا وحدة كاملة بين عسكر عبد الناصر والبعث السورى فى 1958 ثم طلاق بائن وكراهية وعداوة شديدة فى 1961، وشاهدنا أيضا تحالفا وثيقا بين العشائرية وبين أشد الإتجاهات المتطرفة فى الجزيرة العربية إستمر لأكثر من خمسين عاما، ثم شاهدنا إنقلاب السحر على الساحر (والله ما أنا عارف مين السحر ومين الساحر) وشاهدنا الصدام لأول مرة فى الجزيرة العربية بين الإرهاب الدينى المسلح وبين الدولة، وكان أخيب تحالف سياسى هو تحالف حزب الوفد الجديد بعد عودته مع الإخوان المسلمين، وبذلك قضى حزب الوفد على نفسه كحزب يؤمن بالحرية وبفصل الدين عن الدولة وبأنه حزب الهلال والصليب، وأصبح حزبا لا لون له ولا طعم ولا رائحة، لا هو بقى كحزب ليبرالى ولا تمكن من أن يصبح حزبا دينيا تماما، وفقد قواعده القديمة، وكان هذا بمثابة المسمار الأخير فى نعش الليبرالية المصرية. وبدا لكل تلك التنظيمات وكأن مسألة الحكم هى مجرد لعب عيال، ولكن النتيجة الحتمية هو أننا فشلنا فشلا مريرا فى حكم أنفسنا.

وجاءت مشكلة فلسطين بمثابة طوق النجاة لكل تلك الأنظمة والأحزاب الفاشلة والفاشية، فتوقفت حركة التنمية البشرية والإقتصادية حتى تتم حل مشكلة فلسطين وتوقفت حركة الديموقراطية حتى يتم حل مشكلة فلسطين، وأصبح لا صوت يعلو فوق صوت مشكلة فلسطين، حتى القضاء على الإرهاب تم ربطه بحل مشكلة فلسطين، أى كلام عن حقوق الأقليات سوف يؤدى الى تمزيق الوحدة الوطنية والتى نحتاجها فى حل مشكلة فلسطين، ثم جاء التطرف الإسلامى بأعظم حل لمشكلة فلسطين وهو "التحرير من النهر الى البحر" ( وموت ياحمار لغاية ما يجى لك العليق)، يعنى بالشكل هذا مشكلة فلسطين سوف تبقى معنا حتى أبد الآبدين ( إيه ياجماعة ما تحاولوا تغيروا الصنف اللى بتتعاطوه ده!!).

***

ولكن أين الليبراليون أو الأحرار فى هذه المعادلة، كثيرا منهم آثر السلامة وإنضم الى الأغلبية الصامتة فى لعب الطاولة وشرب الشيشة ونقد الحكم بالنكت، والبعض منهم هرب و نجح فى الهجرة الى الخارج (زى حالاتى وحالات معظم من وقعوا على بيان الليراليين الجدد)، وبعضهم آثر الإنضمام الى تحالف القومجية والإسلاموية إما خوفا أو طمعا أو الإثنين معا، وقلة شجاعة منهم تجرأت ورفعت صوتها فكان نصيبها الإتهام بالعمالة للغرب والسجن والتعذيب والقتل، وخلينا نقولها بصراحة الأحرار فى عالمنا العربى قلة قليلة جدا ومعظمهم (لا يستطيعون ولا يريدون مواجهة بطش السلطة)، والأغلبية مثلها مثل الأقلية إستكانت الى الإستعباد. بل وصل البعض منهم إلى القول بأن الديموقراطية الغربية لا تصلح لنا لأن شعوبنا دون المستوى!! (ربنا يعمر بيت الشعوب الهندية والسنغالية والأندونيسية والأفغانية التى أثبتت خطأ تلك النظرية).

والأحرار مهمتهم شديدة الصعوبة لأن أمامهم مشاكل متراكمة عبر قرون من العبودية، ولن يكفينا (أبراهام لينكولن) واحد لتحريرتلك الشعوب من العبودية، ولكن يلزمنا (إبراهيم لينكولن) و (عبد المنعم لينكولن)، و(عبد الفتاح لينكولن)، و(مصطفى لينكولن)، ويلزمنا كل عائلة(لينكولن) لتحرير العبيد العرب، وأسوأ أنواع العبيد هم الذين يختارون العبودية بمزاجهم على طريقة "أنا مبسوط كده أنا مرتاح كده".

[email protected]