ثورة الاتصالات ألغت كافة أشكال الحدود والرقابة والقيود التي كانت تفرضها الأنظمة والدول على اتصال الشعوب بعضها ببعض، سمعيا وبصريا، هذه الثورة ستفرز إن عاجلا أو آجلا لغة تعزز هذا الاتصال وتقويه . اللغة التي ستتعامل بها المجتمعات الإنسانية كلها بعد أن تصل ثورة الاتصالات إلى ذروتها بدأت تظهر معالمها، وهي اللغة الإنجليزية. السبب هو أن المجتمع الإنجليزي كان الأسبق بالنسبة للمجتمعات الأوروبية والعالمية في تحييد سلطة الكنيسة وإلهها البابا في روما ورجال الدين وسلطاتهم وسلطانهم على ملوك أوروبا، وإلغاء حصاناتهم التي كانوا يتمتعون بها، وأخضعتهم لسلطة القوانين التي تطبق على جميع أفراد المجتمع، وأطلقت الفكر ( روح الله في الإنسان ) من عقاله وقيوده وأصفاده المكبل بها مئات القرون من قبل الكنيسة وزبانيتها ومن يدّعون أن الله وكّلهم على الإنسان وفكره . لذلك كان العلماء من المجتمع البريطاني هم السباقون في الاكتشافات والابتكارات والاختراعات العلمية على المستوى الأوروبي والعالمي . عندما اختار العالم الحديث في الولايات المتحدة الأمريكية التي استقلت عن بريطانيا اللغة الإنجليزية كلغة للدولة الجديدة - بكل ما في الجدة من معنى – فإنه كرسها من غير قصد كلغة للثقافة والعلم للعالم أجمع، بسبب التقدم العلمي المدهش والمذهل الذي حدث في الولايات المتحدة الأمريكية في القرن الماضي وبوادر هذا القرن، والذي اشتركت فيه كل شعوب الأرض بالمهاجرين الذين تركوا أوطانهم الرازحة تحت الطغيان الديني أو السياسي فأبدعوا وابتكروا في جو الحرية النقي الذي افتقدوه في أوطانهم. وهذه هي الثروة الحقيقية للمجتمعات، وهي من الركائز الأساسية للعولمة الحقة والحقيقية.
لقد بدأت العولمة بثورة الاتصالات بكل أشكالها السمعية والبصرية والحسية المباشرة التي بدأ مخاضها في النصف الأخير من القرن التاسع عشر وتفجرت في النصف الأخير من القرن العشرين، أما في هذا القرن فستكون آثار انفجار هذه الثورة واضحة في كل مجتمعات الجنس البشري العاكفة اليوم على عبادة صنم مهلك ومدمر هو القوة، وستخرج إن عاجلا أو آجلا من عبادة الصنم إلى عبادة الله وطاعة روحه فيها وهو عقلها الذي سيخرجها من عذابات صنم الدمار والدماء التي تعيشها الآن، إلى الحرية والسلام والاستقرار والازدهار.
العولمة الحقة والحقيقية أو نهاية التاريخ، وليس عولمة الشركات الضخمة متعددة الجنسيات وأصحاب الثروات الفلكية في العالم – من وجهة نظري - لن يبدأ ظهور معالمها إلا بالبدء بإصلاح النظام العالمي متزامنا مع خلق أو تطوير الأجهزة الإعلامية المملوكة من مؤسسات المجتمع المدني كالأحزاب والنقابات والجمعيات، وكذلك الأجهزة الإعلامية المملوكة من السلطات التنفيذية في المجتمعات الديمقراطية وزيادتها و تنويعها وابتكار الجديد منها وجعلها مستقلة عن السلطة التنفيذية، ولا تحصل على مواردها المالية التي تحركها إلا من دافع الضرائب واستثماراتها الخاصة ( كال بي. بي. سي. في بريطانيا مثلا ) بحيث تكون منافسة قوية وفعالة للأجهزة الإعلامية المملوكة من قبل أفراد أو مؤسسات أو شركات تعتمد في مواردها المالية وأرباحها وتطورها بنسبة عالية على العائد المالي من الدعم المالي وإعلانات منتجات شركات ومؤسسات عمالقة رجال المال والأعمال التي تؤثر في توجهاتها لخدمة مصالحهم .
وسائل الإعلام والاتصال بكل أشكالها وأنواعها والحرية المتاحة لها جعلتها الوسيلة الرئيسية التي تشكل رأي أفراد المجتمع في الأحداث داخل المجتمع وخارجه، وكذا الأشخاص الذين يتصدون ويتصدرون للشأن العام في كل أوجه الحياة من سياسية واقتصادية واجتماعية وفنية ورياضية داخل مجتمع معين وخارجه . هذا جعلها سلطة حقيقية لها نفوذها وتأثيرها وفعاليتها في توجيه الرأي العام الوجهة التي تخدم مصالحها بغض النظر إذا اتفقت هذه الوجهة أو اختلفت مع أو ضد مصالح المجتمع، وأخضعت الأشخاص الذين تُصدّرهم أو المتصدرون للشأن العام والذين يتم اختيارهم عن طريق صناديق الانتخابات لمصالح عمالقة المال والأعمال، لا بل إن أحد هؤلاء العمالقة من الذين يملكون هذه الوسائل اعتلى أعلى مراتب السلطة عن طريق وسائل الإعلام المتنوعة التي يمتلكها كما حدث لبرلسكوني في إيطاليا . كل هذا مرتبط بشكل أو بآخر بالمال العام وثروة المجتمع والتحكم فيهما لمصلحة الجهة الأقوى . في نهاية الأمر هي سلطة متسلطة ومنحازة أولا لمصالح عمالقة المال والأعمال الذين بيدهم توجيه الرأي العام الوجهة التي تخدم مصالحهم أولا وثانيا .. ويأتي المجتمع في الدرجة الثالثة أو الأخيرة .
الديمقراطية كما يبشر بها الغرب يشوبها هذا العيب المفصلي الأساسي والخطير، وهو ظهور سلطة منحازة لا تتحكم فيها غالبية أفراد المجتمع لأنها لا تمول من دافع الضرائب، وتعتبر لاعبا أساسيا في تشكيل السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية وكل مؤسسات المجتمع المدني التي تتحكم في المال العام وثروة المجتمع، وبالتالي فإن المستفيد الأكبر من المال العام وثروة المجتمع هم عمالقة المال والأعمال الذين يملكون وسائل الإعلام أو يتحكمون فيها . وهذه ليست ديمقراطية، بل هي ديكتاتورية عمالقة المال والأعمال متخفية تحت ثوب ديموقراطي به فتق كبير تنفذ منه بخفية لتستفيد هي أولا وثانيا ثم المجتمع من ماله العام وثروته الوطنية . هذه الديموقراطية المعيبة التي تروج للعولمة المعيبة لتستفيد هي أولا وثانيا ثم المجتمعات العالمية من أموالها وثرواتها، هي بدون شك دكتاتورية عمالقة المال والأعمال العالميين .
الميزة الكبرى للديمقراطية أنها تمتلك الآلية التي تمكنها من تصحيح عيوبها وأخطاءها عن طريق مجالسها التشريعية المنتخبة، والاحتجاج الجماعي السلمي، والعصيان المدني السلمي أيضا واستفتاء كافة أفراد المجتمع، فالأغلبية يمكنها استعمال هذه الآليات للتصحيح . إذا تدبرنا تاريخ الديموقراطيات السائدة الآن لوجدنا أن أعرقها هي البريطانية التي تطورت عبر مئات السنين، فجميع السلطات الثلاث مملوكة للأغلبية، أما السلطة الرابعة والتي أشرت إلى قوتها وتأثيرها ونفوذها فإنها تخدع الرأي العام وتوهمه أن مصالحه تتفق ومصالح عمالقة المال والأعمال التي يزينها لهم الساسة الذين تتحكم فيهم وفي سطوع نجمهم أو أفوله وسائل الإعلام المملوكة للعمالقة أو واقعة تحت نفوذهم . هذا هو السائد في المجتمعات الديموقراطية . بريطانيا قد تكون الوحيدة التي يملك المجتمع كله جزءا بسيطا من السلطة الرابعة متمثلا في جهاز إعلامي مسموع ومرئي قوي متطور وغني ( بي . بي . سي . ) ليس للسلطة التنفيذية والعمالقة وساسة الأحزاب الطامحين للحكم والتحكم في المال العام وثروة المجتمع نفوذا أو تأثيرا عليه، بل إن أحد واجباته هو مراقبة أداء كل أولئك، وبما أن المجتمع هو الممول الوحيد له فإن مصلحة المجتمع وقيمه بكل فئاته وأقلياته وأعراقه هي الهم الأول والأخير لهذا الجهاز . ال بي . بي . سي . جهاز إعلامي سمعي وبصري متطور ومتفوق على الأجهزة الإعلامية السمعية والبصرية المنافسة داخل بريطانيا وخارجها وينقصه الإعلام المطبوع المقروء من صحف ومجلات ودوريات وكتب ليصبح جهازا إعلاميا متكاملا مستقلا منافسا وبجدارة لإعلام عمالقة المال والأعمال، وليكون مثلا يحتذى . عندها يكون المجتمع يمتلك فعلا كل السلطات، وعندها أيضا تبدأ الديموقراطية في بلوغ ذروتها .
كما أن الديمقراطية تعاني من ديكتاتورية رجال المال والأعمال، فإن النظام العالمي المتمثل في الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمنظمات الدولية التابعة لها .. هذا النظام والقانون الدولي يعاني من ديكتاتورية القوى العظمى . كيف يمكن إصلاح ذلك لنصل إلى العولمة الحقيقة، لا عولمة عمالقة المال والأعمال ؟ هذا بحث آخر ولاحق .
ناشر سعودي
[email protected]
















التعليقات