عمالقة المال والأعمال في العالم لا ينتمون لمجتمع إنساني بعينه، بل هم وراء كل الأنشطة الإنسانية التي تهدف أساسا إلى زيادة ثرواتهم الفلكية وتوسيع آفاقها لتشمل العالم كله، متسلحين بوسائل الإعلام التقليدية والحديثة التي يمتلكونها أو يتحكمون فيها.
وسائل وأدوات الإعلام تطورت بتسارع منذ منتصف القرن العشرين وحتى اليوم بشكل لا يمكن تخيل المدى الذي سيصل إليه هذا التطور، وتعددت وتنوعت لتكون ملائمة ومناسبة لغزونا والتأثير علينا وعلى قراراتنا وغرائزنا في أي مكان من شوارع وطرقات ووسائل مواصلات واتصال والأماكن العامة وغرف نومنا ونوم أطفالنا.
أصبحت الوسيلة الرئيسية إن لم تكن الوحيدة التي يشكل الفرد في المجتمعات الإنسانية كلها رأيه في الأحداث والأشخاص عن طريق ما تقدمه لعقله من معلومات وما تثير به عواطفه وتحفز به غرائزه من صور وأفلام ومختلف أشكال الوسائل التي تجعل هذا الرأي يتجه الاتجاه الموضوع والمرسوم مسبقاً، وهذا أمر مرعب إذا أفقنا إلى حقيقة أن هذه الوسائل أو هذه السلطة أو ما يمكننا أن نطلق عليها السلطة التي تؤثر على قرارات الأفراد في المجتمعات الديمقراطية الغنية التي تتحكم في المجتمعات الإنسانية الأخرى، والذين بأصواتهم الانتخابية يتم تنحية وتعيين من يدير السلطات الثلاث التي تتحكم في المال العام وثروة المجتمع وسياسات الدول الحربية والإقتصادية.. إنه لأمر مرعب حقا أن نفيق لنكتشف أن قلة قليلة جدا من أباطرة المال والأعمال تتحكم في مال وثروة المجتمعات الإنسانية كلها، وبالتالي توجهاتهم وآرائهم وقراراتهم.
النظام العالمي قائم على قانون دولي تتغير قواعده بتغير توازن مراكز القوى الاقتصادية والعسكرية، ومجتمع دولي تتجمع دوله بمختلف أنظمة حكمها في دولة عالمية اسمها الأمم المتحدة، هي في حقيقتها ليست أمم متحدة وإنما دول حُشرت في منظمة أو دولة عالمية شمولية وديكتاتورية تحكم دول العالم بقوة العضلات المسلحة. الإدارة التي تحكم وتتحكم في هذه الدولة أو مجلس وزرائها لا يختلف في حقيقته عن إدارة أو مجلس وزراء أي دولة شمولية ديكتاتورية. الوزراء ينقسمون إلى قسمين.. وزراء السيادة خمسة على رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية ثم روسيا فالصين فبريطانيا وأخيرا فرنسا، وهؤلاء أعضاء دائمون يملكون منفردين حق الاعتراض (الفيتو) على أي مشروع قرار يعرض على المجلس إذا لم يتفق ورغبات ومصالح الدولة المعترضة. أما بقية الأعضاء العشرة فيمثلون شكليا بقية شعوب العالم وفعليا حكوماتهم فيما عدى الدول الديموقراطية، وهم متغيرون تحكم مدة عضويتهم فترة زمنية محددة، وحقوقهم أيضا شكلية لا تتجاوز تقديم مشاريع قرارات والشجب والاستنكار وإلقاء الخطب الرنانة، اما أصواتهم فقيمتها عددية وليست لها إلا قيمة معنوية ينساها المجتمع الدولي بعد فترة زمنية قصيرة.
بما أن الحكومة العالمية حكومة شمولية ديكتاتورية صنعها المنتصرون الأغنياء في الحرب العالمية الثانية فإنهم ولكي يعطوها شكلا وواجهة ديموقراطية، أنشأوا الجمعية العامة التي تنتظم فيها جميع دول العالم تقريبا والتي تجتمع وتصدرقرارات بأغلبية الأصوات تشبه قرارات برلمانات الدول الديكتاتورية الشمولية.
غالبية المجتمعات الإنسانية كما تشير الإحصاءات تتآكل فيها الطبقة الوسطى، ويزداد فيها الأغنياء غنى وينحدر فيها الفقراء إلى مستوى ما دون الإنسان. مؤسسات المجتمع المدني العلمية والتكنولوجية والمهنية والاجتماعية والشعبية في أي مجتمع ديموقراطي عليها أن تتوحد في تنظيم يعمل ويدعو السلطة التشريعية والتنفيذية إلى تطوير الأجهزة الإعلامية و تنويعها وتقويتها على أن تتنازل السلطة التنفيذية عن إدارتها لتصبح سلطة رابعة حقيقية مستقلة تمول من قبل دافع الضرائب، ولتكون منافسا فعالا لإعلام عمالقة المال والأعمال في المجتمع، من أجل أن يقارن الناخب أو المستفتَى بين وجهتي نظر تملكان إمكانيات إعلامية متوازنة. بذلك فقط تتحرر أصوات الناخبين أو المستَفتَيين في المجتمع من سطوة وسيطرة إعلام عمالقة المال والأعمال الذي سار خطوات ملموسة في طريق احتكار السيطرة على قرارات أفراد المجتمع في كل مناحي الحياة، وأخطرها السيطرة على قراره فيمن يحكم وبالتالي فيمن يتصرف في المال العام وثروة المجتمع ولمصالحة من أولا.
من الأهمية بمكان أن تتكون وتنشأ هذه المنظمة في المجتمعات الديمقراطية العريقة. من الأهمية بمكان أيضا أن تنسق مؤسسات المجتمع المدني في هذه المجتمعات مع مؤسسات المجتمع المدني في المجتمعات الأخرى في بقية أنحاء العالم لتكوين وإنشاء منظمات مماثلة بها تتجمع كلها في منظمة عالمية واحدة ضاغطة وفاعلة.
أحدي أهم مهماتها تحرير قرار الفرد في تلك المجتمعات من سطوة وسيطرة إعلام عمالقة المال والأعمال. المهمة الهامة الأخرى لتلك المنظمة العالمية الجديدة هي الدعوة والنضال السلمي بكل أشكاله من أجل تحرير المجتمعات الرازحة تحت أنظمة حكم الفرد أيا كانت تسميتها والتي تحتكر المال العام وثروة وأفراد المجتمع لمصلحة شخص واحد ومن يدور في فلكه، والوقوف بحزم أمام الساسة في مجتمعاتهم الذين يساعدون ويتعاونون مع تلك الأنظمة الفاشية.
وصول المجتمعات الإنسانية المتخلفة التي تعاني من التخبط في الأزمات الإقتصادية والإجتماعية والدينية والعنصرية إلى الديموقراطية أو حكم الجماعة الذي يتمتع به العالم الحر الآن سيستغرق بدون شك قرونا عديدة وحروبا طاحنة وستموت مجتمعات وتنقرض.
هذا هو بحثي القادم.
ناشر سعودي
[email protected]
















التعليقات