قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك


أياد علاوي.. بين نزاهة الشخصية السياسية العراقية وتجنب أخطاء التاريخ الفادحة..

من المفيد أن يظهر السيد رئيس الوزراء المؤقت الدكتور أياد علاوي على شاشات التلفزيون بهذه الكثافة الإعلامية والخبرية في خضم الأحداث السياسية التي تعصف بالعراق. حضور السيد رئيس الوزراء عبر وسائل الإعلام لا يُعد حتى الآن من الأحداث المملة، إذا لم يكن العكس. إذ لا زالت مادة التشويق كثيفة جدا فيما يخص هذا السياسي الذي يقود دفة العراق وسط هذا البحر المتلاطم من العواصف السياسية ودوامات العنف الخطيرة وقراصنة الإرهاب الدولي والأصولي المتشدد إلى غير ذلك من المطبات والمنعطفات الحادة التي تحدث على الدوام في أجواء تنعدم الرؤية الواضحة فيها لتقرب أحيانا إلى درجة الصفر. ولم يكن السيد أياد علاوي لا رجلا ثقيل الظل، ولا سياسيا نمطياً يكرر نفسه كباقي المسؤولين والسياسيين العرب"الرسميين جدا". كذلك لم يظهر التشنج على السيد علاوي أو الافتعال بتقمص شخصية وهمية لا تخصه، كما يحرص البعض من الساسة العرب وفي العالم الثالث عموما، لافتقادهم إلى الشخصية الحقيقية التي تنقصهم. كان هو ذاته عندما ظهر في التلفزيون، كما هو نفسه بالضبط عندما طلع علينا للمرة الأولى. أفترض ذلك لسبب واضح وبسيط يتلخص بأن السيد أياد علاوي سوف لن يجني لشخصه الرسمي ولنفسه كمواطن عراقي يخوض معترك السياسة منذ أربعين عاما سوى المزيد من المتاعب جراء هذا الظهور الإعلامي بهذه الطريقة المتعجلة والجريئة. هذا الحديث "المكاشفة" إن صح التعبير تضمن تحطيم الأطر التي كان العراقيون حكاما ومحكومين قد اعتادوها حتى الإدمان. وهذا أكثر الأمور أهمية مما يتوق إلى مشاهدتها المشاهد العراقي، وربما العربي بالتالي، والأوروبي بدرجة ما. نقول ذلك ونخص بالقول المشاهد "المحترف"، فضلا عن المشاهد الطبيعي.

الحوار الذي تجريه قناة الفضائية "العربية" تحت عنوان "سيرة رجل.. سيرة وطن" وهو أشبه ما يكون بـ "الاعترافات" لسيرة الرجل، أرُيد لها أن تتم وتصور ضمن أجواء غير رسمية من شأنها بث صورة مغايرة للواقع الحقيقي الذي يجري حاليا في العراق. كأنما الرجل الجالس ليس له علاقة بالحكم. حتى كان يخال لي في مواضع كثيرة أن المقابلة تجري في بلد ما من بلدان اللجوء، لندن أو باريس أو واشنطن. بالرغم من الإحساس الأكيد أنها تجري في العراق وفي بغداد تحديدا. هذه نقطة تؤشر جيدا على مكنة هذا الرجل وجرأته الطيبة التي تشبه جرأة الكثير من العراقيين. أجواء أسرية سهلة وحميمة كأجواء البيت العراقي القديم رغم كل ما يحيط بهذا البيت من مخاطر كبيرة تريد هده وهدمه وجعله مجرد أنقاض وعلامة على الخراب والظلام والجهل. تلك الحوارات، ونكتب هنا في حدود الحلقة الثانية، التي اشتملت أيضاً على جوانب غاية في الجدية تساعد في الكشف عن هوية الرجل "رئيس الوزراء المؤقت" الذي يحكم العراق الآن من خلال حكومة مؤقتة هي الأخرى. يبدو أننا مقبلون على القبول بمثل هذه المكاشفات الخاصة بسيرة المسؤولين الذين قدرت لهم الظروف والتاريخ قيادة العراق في هذا المنعطف الحاد والخطير. يطمح المواطن العراقي، في هذه الأيام الحرجة من تاريخ العراق السياسي على وجه التحديد، إلى معرفة هوية وتاريخ الشخصيات التي غيبها شخص الدكتاتور بكل ما يتصف به من أنانية وعقدة الظهور والتبجح عن طريق محو وإزالة الآخر. حتى لم يعد لبقية الجوقة المرافقة له عادة من حضور إلا كحضور الخيال في الأحلام. والسبب الآخر يتعلق أيضا بحب المواطن العراقي للمعرفة والإطلاع والشفافية بعد عهود مظلمة من التعتيم والتزمت الإعلامي الشديد. حتى لو كانت هذه المقابلات التلفزيونية مع السيد رئيس الوزراء تأتي ضمن الحملة الانتخابية الدائرة بوتائرها الحامية في هذه الأيام، فأنها تسهم إلى حدٍ بعيد بإغناء المفاهيم المقبلة للممارسات الديموقراطية بشكل عام.
تنبه المشاهد العراقي إلى عددٍ من الملاحظات لم تكن مألوفة له في السابق وهو يتابع أخبار الحكومة المنهارة السابقة. أول هذه الملاحظات هو لغة الخطاب ولغة الحوار. كان حديث السيد علاوي يعتمد اللهجة العامية العراقية المدنية بصفة إجمالية. بعض السياسيين العراقيين المخضرمين أمثال السيد عدنان الباججي والسيد رفعت الجادرجي يمزجون العربية الفصحى بعامية مدنية، أو بدوية عريقة كما يفعل رئيس الجمهورية المؤقت السيد غازي عجيل الياور على سبيل المثال. وفي الوقت الذي ينجح فيه السيد رئيس الوزراء باستخدام العامية العراقية كوعاء خصب وغني يمكنه من نقل محتوى خطابه وحواره وأخيرا رسالته إلى الشعب، وبالتالي يلبي لديه القناعة بأن أفكاره الإجمالية ستصل عبر هذه الأداة ـ اللغة ـ اللهجة مهما انطوت هذه الأفكار على درجة من التعقيد. وفي حين يروق هذا الأمر للكثير من العراقيين، نقصد أداة التعبير، لا يروق للبعض منهم ممن يفضلون الطابع الرسمي والبروتوكولات العامة المتبعة في الكثير من الدول. الذي يعود قليلا للوراء ليستذكر خطابات السيد رئيس الوزراء أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكذلك أمام مجلس الشيوخ والنواب الأمريكي لا يراوده الشك بمقدرة رئيس الوزراء العراقي على ارتجال خطاب ذا تسلسل منطقي فيه قدرة كبيرة على الإقناع وتحريك المشاعر وانتزاع التصفيق الحار للعديد من المواقف والمفاصل الخطابية المهمة.
ثاني تلك الملاحظات تجسدت بـ "البساطة" التي غالبا من يظهر بها السيد أياد علاوي في المحافل العامة والخاصة. جزء من ذلك شاهدناه أخير في "سيرة رجل.. سيرة وطن".
شخصيا أميل إلى مظاهر البساطة أكثر من ميلي لمظاهر التكلف والبروتوكول والطابع الرسمي الجاف والمتزمت الذي يكتنفه الكثير من الافتعال في معظم الأحيان. وأعترف كذلك، بل وأقدر وجهة النظر الأخرى التي تحترم وتميل لهذه المظاهر لما تتصف به من جدية وطقوس تفرض الهيبة والأهمية التي تحاول بسط الاحترام حتى لو بطريقة إلزامية تشبه النظام العسكري. بعد العيش الطويل في أوروبا ورؤية المسؤولين الحكوميين في الشوارع وهم يقودون حملاتهم الانتخابية، أو مشاهدتهم على شاشات التلفزيون بملابس بسيطة تتكون من بنطلون الجينز والقمصان الصيفية الهفهافة والمريحة، ومع ذلك هم يؤدون واجباتهم الحكومية والحزبية وكل ما تتطلبه الدولة من مسؤوليات عالية بمنتهى الدقة والحزم حتى لو ارتدوا البيجاما وقمصان النوم. لا يهم أن يضع المسؤول الحكومي رجلا على رجل أو يجلس مفتوح الساقين أو يضمهما إلى بعضهما البعض. المهم أن يعمل جيدا ويؤدي واجبه بأمانة وإخلاص. قال المثل العراقي الشهير: "أقعد أعوج وأحكي عدل". أقول ذلك بعد قراءتي لرسالة كتبها مواطن عراقي على موقع "إيلاف" أسمه السيد "سالم المرزوك" من بانكوك ومن أجواء كارثة تسانومي. وهي رسالة مهمة ورصينة ويجدر بالسيد علاوي قراءتها لما تنطوي عليه من ملاحظات صائبة من مواطن يريد المصلحة والنجاح للعراق الجديد.
اليوم تحولت الحلقة الثالثة من "سيرة رجل.. سيرة وطن" على القناة العربية إلى اجتماع عائلي قلما يحدث أن جمعنا فيه برنامج آخر، خصوصا البرامج ذات الطابع السياسي. أجرد نفسي من هذا الحكم لأنني مدمن متابعة أخبار وبرامج سياسية إلى درجة حصلت فيها على كراهية وبغض مجاني من قبل أفراد أسرتي الصغيرة. وأنا أفرض عليهم نشرات الأخبار الكارثية المكررة وضرورة متابعتها كواجب وطني أولا وحضاري بالمرتبة الثانية، وبهمة عالية لا تقل عن همة ضابط محترف في الجيش العراقي وهو يدرب الجنود المساكين. لذا سألني أبني ذو التسعة عشر عاما وهو يخضع لهذه الأجواء من الترقب والصمت وكأن الدنيا سوف تتغير بين لحظة وأخرى:
ـ مَنْ يكون هذا بابا؟ وهو يرى السيد أياد علاوي يتحدث على الشاشة مع الإعلامي اللبناني البارع أيلي ناكوزي
ـ هذا رئيس وزراء العراق. أجبته
ـ السابق أم الحالي؟
ـ الحالي.
ـ يعني Göran Persson العراق؟
ـ نعم.
كان يعني بالطبع رئيس الحكومة العراقية كما رئيس الحكومة في السويد كي لا يقع بخطأ تحديد صفة المتحدث. لا يعرف تماما ماذا تعني صفة "رئيس الوزراء" بالعربي!
عقب انتهاء الحديث في الحلقة الثالثة التي انتهينا من مشاهدتها توا وسط عواصف من الرياح الحقيقية وليس السياسية التي تزيح صحن الستلاليت عن مكانه المحسوب بدقة لتتشوه الصورة وينقطع تسلسل الحديث لثوان حرجة. كان الحوار شيقا ومفيدا بكشف ملابسات مرحلة غامضة من حياة السيد أياد علاوي كثرت فيها الإشاعات حوله وحول علاقته بالنظام في بغداد الذي كان يغذ السير نحو عملقة الدكتاتور في وضع دولي غير أبالي وأقلمي يبني مصالحه الضيقة على حساب أهداف ومسؤوليات وطنية وسياسية وجغرافية (جيوبولتيك) غاضا النظر عن شعب تُزهق روحه في العراق، وعن أحزاب تقدمية وديموقراطية يتم استئصالها بشكل إجرامي مريع، وشخصيات سياسية ودينية تُذبح بدم بارد من قبل زمرة من عصابة قبلية متخلفة ليس لها وازع من ضمير ولا تمت للسياسة ولا للأحزاب ولا للعقائد الفكرية أو السياسية أو الدينية بصلة.
سألتُ زوجتي التي لم تفارق البرنامج حتى في وقت الإعلانات المزعجة:
ـ كيف رأيت الحديث؟
ـ أعادني إلى عراق السبعينيات.. ذكرني بأبي. والدها المرحوم رشيد العارف أعُدم عام 1983 وهو من قادة الحزب الشيوعي من الضباط القدامى في الجيش العراقي. استلمت الأسرة حكم الإعدام بينما لم تستلم الجثمان حتى الآن.

ثم أعود لكتابة هذا المقال ولا أعرف ماذا سأحذف منه لاحقا، أو هل سأبعث به للنشر أصلا؟
في كل مرة يأتي فيها ذكر حزب البعث، عراقيا أو سوريا، كان يراود ذهني سؤال متعب وملح، يتعلق بالحركة الوطنية العراقية وتاريخها النضالي المعاصر:
ـ "ما هي العلاقة الحقيقية التي يرتبط بها حزب البعث العراقي بالمخابرات الغربية وفي مقدمتها جهاز المخابرات الأمريكية الـ CIA.؟
حدث ذلك مرارا وتكرارا، خصوصا بعد الاطلاع على مذكرات المرحوم طالب شبيب والمرحوم هاني الفكيكي وبعض المقابلات مع الرجل الغامض الباقي على قيد الحياة حتى الآن رغم جميع رياح الموت التي حصدت رفاقه داخل الوطن وخارجه، السيد حازم جواد الذي أتمنى له شخصيا طيلة العمر كونه شاهداً مهماً على تاريخ العراق وتجربة حزب البعث المدمرة في العراق وفي الوطن العربي قاطبة، كي يدلي بشهادته الحقيقية عن المرحلة التي قاد فيها حزب البعث في عهد حكومة الزعيم عبد الكريم قاسم وخاض أخيرا في عام 1963 بحمام دم الشيوعيين العراقيين وغيرهم من المواطنين الأبرياء.
لم يجرؤ أي بعثي حتى الآن على إفشاء العلاقة الحقيقية بالمخابرات المركزية الأمريكية، وتم تجنب الخوض في هذا المضمار من قبل جميع المسؤولين البعثيين باستثناء بعض الإشارات الضعيفة التي كانت تصدر من بعضهم بين الآونة والأخرى، سوى عبر مذكراتهم المكتوبة، أو عبر المقابلات الصحفية الشحيحة والمتباعدة التي أجريت معهم في منافيهم المتفرقة، ومنها ما قيل على لسان علي صالح السعدي عقب انقلاب 8 شباط 1963 "جئنا بقطار أمريكي" أو ما نقل عن حردان التكريتي قائد سلاح الجو العراقي بعد انقلاب 1968 الذي لا يخرج عن معنى هذا المفهوم حول وصول حزب البعث إلى دست الحكم في العراق. أولئك البعثيون الذين أسسوا أول دولة بعثية ـ قومية في العالم العربي الكبير وأصبحوا أنفسهم طريدو نظام الدولة التي أسسوها. شاءت لهم الأقدار أن يتم ذلك الجزاء، على يد رفيق من الدرجة الثانية أو الثالثة أو العاشرة، هذا لا يهم الآن. إذ كان مجهولا وبائسا بالدرجة الكافية كما أشار السيد علاوي في أكثر من موضع في المقابلة، كما أشار إلى نفس النقطة الكثير من السياسيين العراقيين وفي مقدمتهم البعثيين ممن عرفوا صدام عن كثب. وهو لا يتوفر على نصيبٍ من التحصيل العلمي أو المكانة الاجتماعية التي يتمتع بها أقرانه ورفاقه الآخرين، أولئك الذين سوف يذيقهم مر العذاب والحرمان والتشرد والخوف والهوان تحت دوافع غامضة وأهداف كبرى أشد غموضا.

حتى هذه الحلقة الثالثة لم يتطرق السيد أياد علاوي عن تلك الرابطة بين البعث في العراق منذ الخمسينيات لغاية سقوط الحكم الدكتاتوري في بغداد بالرغم من الأسئلة الذكية التي يوجهها معد البرنامج السيد أيلي ناكوزي بمهارة في هذا الصدد عندما يتطرق الحديث عن العنصر الخارجي وتأثيره على سيرة الرجل وسيرة الوطن. يتجنب السيد أياد علاوي الخوض في هذه التفاصيل الدولية التي من خلال إطلاعه عليها تسهم في كشف الحقائق والوقائع التي يحتاج لها المواطن العراقي بالدرجة الأولى ومن ثم المواطن العربي لمعرفة الحقيقية التي كان حزب البعث يخدع من خلالها الجماهير العربية بما يخص أهداف تحرير فلسطين والوحدة العربية والرسالة الخالدة.. إلى آخر هذه الأكاذيب والتلفيقات التي تقرب من الإعلام السطحي أكثر منها التنظير العقائدي. الأمر الذي أكتشفه السيد أياد علاوي مبكرا وفضّ نفسه وعضويته من حزب البعث العربي الاشتراكي أواسط السبعينيات جراء اكتشافه عدم معاصرة الحزب للتطورات السياسية والفكرية وتخلفه ـ الحزب ـ عن مواكبة تلك التطورات في العالم.
أوضح السيد أياد علاوي في الحلقة الأولى من سلسلة البرنامج "سيرة رجل.. سيرة وطن" المستوى العقائدي الذي يؤمن به الأفراد المنضوين تحت راية حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق. ولخصه بما يلي: "السيطرة على الحكم بهدف زيادة ألوية الجيش العراقي من خمسة أو ستة إلى أحد عشرة لواءً في سبيل القضاء على إسرائيل". بغض النظر عن النوايا الطيبة للبعثيين العراقيين الذين صدقوا هذه المزاعم، في الوقت الذي كانت المخابرات المركزية الأمريكية تجند عناصرها لصيد الفرسان العرب الذين يريدون إزالة إسرائيل من على الخارطة ورمي اليهود في البحر، كان الرفاق في القيادات العليا هم المشرفون على تقديم هذه الذبائح الوطنية والقومية الحقيقية لهم. صدام وزمرته ومن سبقه في قيادة حزب البعث في العراق بطبيعة الحال. لم يعد هنالك من "يستحي" من تعامله مع الأميركيان في العصر الراهن. بل يجري العكس من ذلك سواء بالمظهر أو الجوهر. لا أجد خطأ في ذلك. تلك هي أساليب من السياسة كان يجب عدم إغفالها تحت وطأة النظريات العقائدية التي تبنتها الأحزاب اليافعة في العراق، وابتلت بها المجتمعات المتخلفة في العالم الثالث، ومن ثم قادتها تلك الأحزاب بعقائدها الجوفاء إلى ما هي عليه الآن من التخلف العلمي والتكنولوجي والفكري والاجتماعي على مختلف الأصعدة.
فرضت الحرب الباردة بين القطبين الجبارين كتلة الاتحاد السوفييتي الاشتراكية الشيوعية وكتلة المعسكر الغربي بقيادة زعيمة الرأسمالية في مراحلها الإمبريالية الولايات المتحدة الأمريكية، فرضت قيماً وأخلاقاً أعتبرها الطرف الضعيف قيماً ثورية نبيلة تتشابه إلى حدٍ بعيدٍ مع القيم الاجتماعية لبلدان العالم الثالث القبلية منها والعشائرية. لذا كانت الأحزاب والانتماء لها تتشابه كثيرا، وتجسد المفاهيم الروحية لمعنى هذا الانتماء لهذا الحزب وسمو هذا الحزب وسمو أفكاره، وبالتالي سمو التضحية بالمال والحلال والروح في سبيله. وكل هذا مجرد خطأ، بل هو هراء بالمعنى السياسي. لماذا الموت في سبيل حزب أو فكرة أو عقيدة من المفترض أن تقدم لي الحرية والسعادة والرفاهية الاجتماعية والمستوى الاقتصادي اللائق حسب عملي ومهاراتي وخبرتي وشهادتي العلمية. بيد هذه الأفكار التي نكتبها ببساطة ووضوح الآن لم تكن، ولم يكن أحداً من الناس ليجرؤ على كتابتها بسهولة ومن دون تعريض نفسه للموت حتى وإن كان من أخلص البشر لخدمة الإنسانية. فعندما يتحول الصراع بين البشر إلى صراع كوني يتحكم فيه قطبان جباران، وفيه أسلحة دمار شامل وترسانات ورؤوس نووية وقنابل ذرية وأخرى هيدروجينية، لا يعود الكلام غير ذي أهمية في عملية الصراع الكوني البارد على السطح، والذي يغلي تحت البساط.
لذا حين يصنف السيد أياد علاوي، وهو البعثي العراقي القديم، حزبا عراقياً وطنيا عريقاً كالحزب الشيوعي، لا ينتبه لثقافته السياسية بقدر ما ينقاد إلى فطرته وبديهته التي تكره "الشيوعية" بوصفها خطرا على العالم وبالتالي هي بالتأكيد خطر على بلده وعلى مجتمعه. وهو يتحدث عن ذلك بسلاسة واضحة ليس فيها قصد الإساءة بقدر ما فيها من مفاهيم وآثار حقبة الحرب الباردة التي تبلورت فيها عقائدية وذهنية السياسي العراقي القومي الشاب حينذاك. فيقول لمحدثه: "كانت هناك مخاطر كبيرة حينذاك.. منها الخطر الصهيوني والشيوعية.."
ليس المقصود تعريض السيد أياد علاوي بالشيوعيين العراقيين. فقد تجاوز هذه المرحلة بالتأكيد، وأكاد أن أجزم أنه سوف لن يضع أي مواطن عراقي في السجن بسبب معتقده الحزبي أو الديني أو السياسي. وهذا نابع من تجربته الحزبية في العراق، وبالتالي من ملامسته للوضع السياسي في لبنان وسورية حيث كان قادة الأحزاب الوطنية من قوميين وشيوعيين وما بينهم يجلسون في مقهى واحد يجادل بعضهم الآخر على الرغم من الفارق الشاسع بين مفاهيمهم الفكرية والعقائدية والحزبية. وقد كتب المرحوم هاني الفكيكي العضو القيادي في البعث العراقي في الستينيات عن هذا المشهد عندما رأى ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث يجلس مع خالد بكداش السكرتير العام للحزب الشيوعي السوري، وزكي الأرسوزي وصلاح البيطار، وهم من القادة القوميين في سوريا، يجلسون ويتحاورون بشكل يختلف تماما عما هو عليه الحال في العراق، الأكثر عنجهية والأكثر ضراوة والأقل رحابة فكرية والأقل ثقة بنفسه وبالآخرين.
لا يجب على السيد علاوي الخجل من فضح علاقة حزب البعث ـ جناح العراق بالمخابرات الأمريكية. كانت تلك العلاقة السابقة، وتعميما لجميع الحكومات العربية، تعتمد على معادلة الصراع العربي ـ الصهيوني. وكانت تستند بشكل كبير على أسس ومرتكزات الحرب الباردة. وقد نجحت الولايات المتحدة الأمريكية وهي تقود المجتمع الغربي الأوروبي بتحطيم المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي وتفتيته وإرجاع الدول المكونة له إلى أصولها الأولية القديمة. بل حتى أكثر من هذا، إلى درجة بلغت بدولة اشتراكية واحدة تعود لتصبح خمس جمهوريات صغيرة لا شأن لها على الصعيد العالمي مثل دولة يوغسلافيا السابقة على سبيل المثال.
الحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث العربي الاشتراكي في العراق، وبغض النظر عن ظروف تكوينهما والدوافع التي تكمن وراء ذلك، يقع الدور الرئيس لهما كونهما أعضاء في لعبة الحرب الباردة في أوج نشاطهما الجماهيري والعقائدي والفكري بعد الحرب العالمية الثانية حتى الإعلان الرسمي عن سقوط المعسكر الاشتراكي عام 1989 بتحطيم جدار برلين بين شطري القارة الأوروبية الشرقي والغربي.
لماذا لا يخجل أسامة بن لادن من تاريخه وهو العميل رقم واحد للمخابرات المركزية الأمريكية حين جندته في حربها ضد الاتحاد السوفييتي في أفغانستان أيام الحرب الباردة وها هو أضحى العدو رقم واحد بالنسبة لها؟ كان ذلك مقبولا من قبل الأحزاب العقائدية، على الأخص الدينية منها والقومية المتطرفة، التي فرضتْ عليها أجواء الحرب الباردة الاصطفاف مع التوجهات العامة للستراتيجية الأمريكية في حربها الكونية السرية مع الاتحاد السوفييتي.

لا نعرف حقا فيما إذا كانت الحلقات قد سُجلت كاملة مع السيد رئيس الوزراء العراقي لكي نلفت انتباهه إلى التطرق لمثل هذه النقاط الحساسة من تاريخ حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق. خصوصا وقد بات تراث هذا الحزب ملكا للشعب العراقي وللدارسين بعد التجربة المريرة والقاسية التي تعرض فيها المجتمع العراقي إلى هكذا نمط دموي من أنظمة الحكم.

لا يوجد ما يُخجل أو يشين البعثيين الشرفاء الذين طالتهم طاحونة الموت والقتل والإهانة والإذلال كما طالت جميع فئات شعبهم ومواطنيهم. أخلاق "الحثالة" في حزب البعث أرادت إزاحة أخلاق "النخبة" في المجتمع العراقي. بيد أنه من المفيد إيضاح الجوانب الهامة للثمن الذي دفعه الشعب العراقي بسبب تسلط صدام حسين كحاكم دكتاتور بمساندة الغرب. كان الغرب يصفق لصدام حسين وهو يذبح العراقيين وغيرهم. لماذا كان الغرب يصفق لصدام حسين منذ مطلع السبعينيات حتى أواخر الثمانينيات التي انتهت بغزو الكويت؟
أين تكمن الأجوبة الشافية المتأخرة لضماد جروح الشعب العراقي في سبيل عدم تكرار مثل هذه المأساة مرة أخرى؟
أسئلة نترك للسيد أياد علاوي الإجابة عنها عندما تحين الفرص، متمنين له أصدق الأمنيات بلعب دور حيوي وديموقراطي ينسجم مع تجربته الغنية على الساحة العراقية والعربية والدولية وإلى عراقٍ جميل معطاء ومزدهر.