يخطئ من يظن بأن الثقافة لا تحتل ركنا أساسيا في عملية التنمية السياسية ، بل إنها عصب التنمية ومبتغاها. والثقافة التي نقصدها هنا تتصل بصياغة خطاب مستقبلي يحمل توجهات الروح العربية الجديدة ،ويكسوها سمة تقبض على الإشراقات الكبرى في التحولات الاجتماعية والسياسية ويضعها في الأفق الكوني والإنساني.
فإذا كان لكل دولة عقل سياسي واقتصادي ، فإن لها أيضا عقلا ثقافيا ، ونجد أن الأخير في الأردن غائب أو متوارٍ، ما يجعل من الضروري خوض نقاش على مستوى جمعي لرسم آليات العقل الثقافي وملامحه، ووضع استراتيجياته .
ولعل هذا الأمر أن يكون أولى بالبحث وأنسبَ للسجال وأسبقَ في المبادرة من الانهماك في قضايا جانبية لا تكتسي طابعا مطلبياً، لأنه في ظل وجود عقل ثقافي متبلور تتهيأ الفرصة لانبثاق وعي ثقافي لا يكتنف أدواته الغموض، كما هو الحال الآن، بل يكون إحدى تجليات العقل الثقافي وواحدة من ثمراته .
ولا يوجد قطاع في العالم العربي أكثر تبرماً من أحواله من قطاع المشتغلين في الثقافة والفن ، فهؤلاء كانوا على الدوام مهمشين قابعين في عتمة النسيان ، وكانت مؤسساتهم تنقاد من أشخاص لا صلة لهم بالثقافة.
وكم من مرة ألحقت وزارات الثقافة الأردنية بالإعلام والشباب والتنمية والسياحة ، وقد كان ذلك تعبيرا من صانع القرار على كون وزارة الثقافة فائضة عن الحاجة ، وليست وزارة أساسية . وفي غياب العقل الثقافي الذي نتحدث عنه لم يكن مستبعداً أن يتولى قيادة وزارة الثقافة والمراكز الجوهرية أي عابر سبيل حتى لو كانت علاقته بالثقافة كعلاقة جدتي بالذرة ، ولعل النكات التي يتبادلها المثقفون الأردنيون عن بعض وزراء الثقافة وعن جهلهم المطبق ليس بالفن التشكيلي العالمي بل وبأبسط مفردات الثقافة المحلية ، دليل على الاستهتار الذي ظل حليف التفكير الحكومي في الشأن الثقافي ومؤسساته وروافعه .
وفي مقدمة مكونات العقل الثقافي، الخطاب النقدي الجذري لمجمل وقائع حياتنا، نقد ينهل مشروعيته من روح البناء الذي يسبقه الهدم المعرفي، نقد غير مدجن، نقد معارض بآليات ذات مضاء لا تهادن السائد، وتقطع الصلة بكل ما يحجر على العقل، وينبذ الرقابات بسائر أشكالها، ويرفض أن يؤوّل الأدب بعين غير إبداعية أو بعيون فقهية هدفها المصادرة على المطلوب، وعدم الإصغاء الخلاق لآليات النص وبنيته الداخلية، ولم أزر يوما ماهر الكيالي مدير المؤسسة العربية للدراسات والنشر إلا وأنبأني بجريمة جديدة ترتكبها دائرة المطبوعات والنشر بحق كتاب أو ديوان شعر أو مذكرات كما جرى مع الجزء الثاني من السيرة الذاتية لشيخ المناضلين العرب بهجت أبو غربية ، وقد أنبأنا أخيرا بقرار السلطات المصرية منع مجموعة من الكتب من معرض القاهرة الدولي للكتاب كان من بينها كتاب صاحب هذه السطور(التراث العربي والعقل المادي) الذي يناقش الجهود الفكرية للمفكر اللبناني الشهيد حسين مروّة..
العقل النقدي يحتاج، كي يتحقق، إلى مراجعة راديكالية لأحوالنا، ويحتاج أيضاً إلى الإصغاء لتيارات التنوير الليبرالي التي تجتهد لكي تختلف مع المؤسسة الرسمية بكل حمولاتها الماضوية ، نشداناً لحالة بعيدة عن الاستلاب والمصادرة على المطلوب والاستقواء بقوى الشد العكسي وبغيرها من مراكز استقطابية كلاسيكية المحتوى وتنتمي إلى عهود عرفية، وإلى أزمنة تغييب العقل وإقصائه وازدرائه، ووصم المختلفين والأغيار بأنهم "مجموعة صغيرة من الحاقدين والانفصاميين" على حد وصف وزير الداخلية الأردني سمير حباشنة لخصومه من النقابيين.
كيف نتحرر من الارتهان للعقليات السائدة المهيمنة على مجمل الخطابات في الدولة، وكيف نتقدم للناس في الداخل والخارج بروحية تستقي مفرداتها من وقائع العصر في أقصى تجلياته المعرفية والتقنية، وبشفافية منقطعة النظير. تلكم أسئلة يتعين الانخراط في الإجابة عنها، لأنها، في ظني، تشكل نسغ أي عملية تنمية مستقبلية عربية، ولنتذكر بأن الاقتصاديات الكبرى في العالم نهضت على فتوحات العقل النقدي والفكر والفلسفة، ولنحدق ملياً في التجربة الألمانية واليابانية على وجه الخصوص، ولنبحث في مرجعياتهما.
بالعقل الثقافي النقدي وحده ننهض، وبه نتسلح ونحن نلج خضم مستقبل مدجج بأدوات التفوق والنبوغ والمفاجأة.
- آخر تحديث :
















التعليقات