لم أجد أمة تتلذذ بقتل النساء كالأمة العربية، ولم أجد مثلها أمة تزدري النساء وتعتبرهن عبئاً وفائضات عن الحاجة ، ومجلبة ً للعار ، وقبل أن يفغر المعترضون على كلامي أفواههم أدعوهم إلى التأمل في الأمثال الشعبية التي استقرت في الذاكرة الجمعية العربية ، فصرنا نفاخر بها وتتناقلها الألسن من قبيل : " البنت ما إلها غير الستر أو القبر" ، " دلل إبنك بغنيك ودلل بنتك بتخزيك" ، " المرة بتعّب أهلها حتى لو ماتت" ، " ماتت أختي يا سعادة بختي" ، " اسمع للمره ولا توخذ برأيها " ، " طاعة النسوان نذالة " ، " قردة وجابت بنت" ، " أبو البنات همه للممات " ، " البنت بتجيب العار لباب الدار" ، " إن ماتت أمك مات كل من يحبك ، وإن مات أخوك انكسر ظهرك ، وإن مات إبنك انحرق كبدك ، وإن ماتت أختك إنستر عرضك " ، " الست مصيرها الطبيخ ولو وصلت للمريخ " ، " موت البنات من المكرمات".

وإن كانت هذه الأمثال انبثقت في مرحلة تاريخية بائدة إلا أن علاماتها ودلالاتها الرمزية ماثلة وتتحكم في مجرى السلوك الاجتماعي لقطاع واسع ومتنام ٍ في أوساط المجتمعات العربية كافة. ولعل ما يؤكد هذا التنامي الضاري لشهوة الذكور في استئصال أي ملمح أنثوي أصيل في حياتنا النقاش الضاري في عدد من العواصم العربية حول : هل تشارك المرأة في الانتخابات التشريعية ، وهل يحق لها أن تنتخب أو تترشح ، وفي حال فوزها هل تمكنها قدراتها العقلية على أن تكون حكماً ، هل تستطيع أن تحكم ، هل يحق للمرأة أن تقود سيارتها بمفردها.

على أن هذا النقاش الذي يعيدنا إلى الخلف آلاف السنين يتخذ إشكالا لا تتورع أن تتنصل من الوجود الفيزيائي للمرأة بصفتها فائضا عن الحاجة ، وإلا ما معنى الحفاوة البالغة ، كما هو الحال في الأردن، بالتشريع سيء الصيت الذي ما يزال عدد واسع من النواب الذين انتخبتهم 52% من النساء الأردنيات متشبثين به ، والمتصل بالمادة( 340) من قانون العقوبات التي تمنح حكما مخففا لقاتل شقيقته أو زوجته أو أمه أو ابنته بذريعة " صيانة الشرف" .

إن كثيرين يعتبرون بقاء هذه المادة التي سبق إلغاؤها ، جزءا من الروادع التي تحمي شرف المجتمع ، وتصون أخلاقه وتحافظ على ثوابته ، بل ويعتقدون بأن تلك المادة اللعينة كفيلة بجعل أخلاق المجتمع مسيجة بقوافل اللاءات والمحظورات .

بيد أن في الأمر تناقضاً قانونيا كبيرا ، فلماذا تُستثنى جرائم أشد فتكا بالمجتمع من أن يكون لها قانون عقوبات خاص ، لماذا لا يبيح القانون للإبن أن يقتصّ من أبيه السارق والمرتشي والمتاجر الغشاش الذي يتلاعب بقوت الناس ، ولمروج المخدرات، والجاسوس ، والقاتل .. ؟

إنه لن يجرؤ على فعل ذلك ، لكنه يجرؤ على ارتكاب "جريمة شرف" لأنه واثق من أنه سيقنع القضاء بأن فعلَ ذلك في لحظة غضب ، وبالتالي يُمنح حكماً مخففا ، فيقضي أشهرا أو سنوات في السجن ، ثم يخرج ليس كقاتل وإنما كفارس مغوار منافح عن الشرف الرفيع الذي طاوله الأذى، ولعل هذا ما يود أن يميط اللثام عنه ويفضحه المخرج الأردني فيصل الزعبي في فيلميه الجديدين(جميلة) و(يحدث هنا) اللذيْن يتناولان العنف ضد المرأة في الأردن.

فإذا كان " موت البنات من المكرمات" في الوضع الطبيعي لحركية البشر ، بحسب المثل آنف الذكر ، فما بالك إذا كانت البنت أخطأت أو غُرّر بها، أو جرى اغتصابها من قبل أبيها أو أخيها أو أحد أقربائها ، أو غير ذلك من الأسباب ؟ حينها يغدو الموت هدفا محمودا ومشتهى لغسل العار . فأي ثقافة هذه التي تنعى بناتها ونساءها بكل هذه الطاقة الهائلة من السادية والعنف ، وأي عار تستشعره أمة لأن فيها إمرأة إذا دُللت جلبت الخزي لأهلها بحسب المثل الشعبي ؟ . بل إن هذه الأمثال وسواها هي التي تمهد الطريق أمام سيادة ثقافة العنف والنظرة الدونية تجاه النساء الذين هم في نظر الأمم المتحضرة مستقبل العالم ، ومصدر بهجته وعنوان فخره وزهوه .

يحدث ذلك في مناخ معبأ بالصمت من قبل النخبة وأوساط المثقفين الليبراليين الذين هال أحدهم أن ندافع عن المادة 340 ، ولسان حاله يقول : يا أخي الإنسان إذا شاف أخته في وضع يجلب الشبهة ، بفور دمه وبفقد أعصابه " .

الذين يؤازرون الدعوات لوقف هذا الشلال الدموي بحق النساء في الأردن هن مجموعة من النساء اللواتي يحس المرء في أصواتهن وكتاباتهن رغبة عميقة في قلب الطاولة على رؤوس أؤلئك الذين يريدون جر المجتمع إلى عصور الظلام، وحبس الحرية في أقبيتهم العفنة ، وعقولهم الملآى بالصديد .

لكن ذلك لا يكفي، فلا بد أن تثور النساء ويكسرن نير الذكور الصلفين الجلفين المارقين ، مهما كانت صفاتهم أو مواقعهم ، كما لا بد من مواجهة بعض النسوة اللواتي لا يتورعن عن المزاودة على الذكور ، وتعنيف المرأة ، واتهامها بالمسؤولية عن خراب العالم وسوء أخلاقه ، وانحطاطه .

أما معشر الذكور فهم أنبياء ، لا يتورع بعضهم عن ارتكاب أبشع الموبقات ، لكنه إن شك في زوجته أو شقيقته أو ابنته ، فإنه يصبح ولياً معمما ، وتستفيق نخوته الميتة .
" إننا لم نستطع حتى الآن أن نشفى من فكرة الأنثى – العار. إن ربط الأنوثة بالعيب والعار جعلنا مجتمعا محروما من الطمأنينة ، ينام والسكين تحت وسادته .
نحن مجتمع خائف من جسد المرأة ، ولذلك نتآمر عليه ، ونحاكمه ، وندينه ، ونحكم عليه غيابيا بالإعدام " هكذا يقول نزار قباني الذي أحب أن أختم به وهو يهدر :

" ثوري .. أحبك أن تثوري
ثوري على شرق السبايا والتكايا والبخور ِ
ثوري على التاريخ وانتصري على الوهم الكبير ِ
لا ترهبي أحداً .. فإن الشمس مقبرة النسور ِ
ثوري على شرق يراكِ وليمة فوق السرير ِ " .

[email protected]