يتساءل المرء، وهو يتابع الأنباء التي تترى عن أحداث القتل والاختطاف والتفجير والاغتيال، عن سر هذا المعين الذي لا ينضب من القدرة التدميرية في النفس البشرية، كأنما العنف صار المتنفسَ الوحيد والخيار الأمثل للتعبير عن احتقانات الروح، واخفاقات العقل، وإصابة القلب بنكسة الإبهار والتعايش.

بيْد أن هذا الوضع يجد تجلياته الأنصع في الآونة الراهنة لدى العرب والمسلمين الذين غدا التفكير الانتحاري سبيلهم الوحيد لـ (الحوار) و(السجال) مع الآخر، مهما يكن هذا الآخر، حيث صار (الآخر) في عرف ما يطلق عليه (التفكير السلفي المتطرف وأذرعه المسلحة) كل من يختلف أو يحيد عن جادة (الصراط) الذي رسمه أصحاب ذلك التفكير حتى لو كان (الآخر) من بني جلدتهم، ما يعني بصورة أوضح أن تعبيرات من مثل (الحرب ضد الصليبية) و(مقاومة الغزو الأجنبي) وسواها اندغمت في التيار الأوسع الذي يضع كل من يتضاد مع (عقيدة) تلك الجماعات المسلحة، في مهب التصفية والموت الزؤام.

والأنكى من ذلك أن هذه الجماعات المسلحة تغطي جرائمها بالدين، وتعضد ممارساتها بآيات من القرآن. ومن دون أن يرمش له جفن، يطلع علينا ناطق باسم إحدى هذه الجماعات ليذكر بأن " قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار" ويكون استشهاده بهذه الآية الكريمة تعقيبا على حوادث تفجير وترويع آمنين واختطاف وقتل رهائن بريئين من بينهم أطفال. فمن هم (قتلانا) ومن هم (قتلاهم)، وبأي معيار يسوّغ هؤلاء لأنفسهم أن يحلوا محل الذات الإلهية، فيقرروا أن هذا مأواه الجنة، وذلك مصيره النار ؟! ويجرى الاستعانة بالنص القرآني أيضا كلما حزت فئة من تلك الجماعات عنق رهينة، بعد تصوير الجريمة وبثت وقائعها على شبكة الانترنت، كأنها تريد أن تثبت للغرب والعالم بأن الذاكرة العربية لديها طاقة همجية أشد هولا مما اقترفه الجنود الأميركيون من أصناف التعذيب في سجن أبو غريب بحق معتقلين عراقيين.
طاقة على التبشيع لا حد لها
وقدرة جامحة على التنكيل والبطش
ونهل من معين ذاكرة دفّاقة بالرعب

لا شك بأن أفراد هذه الجماعات قرأوا، جيدا وباستلذاذ، سير تاريخهم (المجيد) البعيد والقريب، وسرّهم كثيرا تقطيع أوصال المفكرين والأدباء والشعراء والسياسيين والمصلحين، وشيّها بالنار رويدا رويدا، كما أبهجهم حرق هؤلاء مع كتبهم، أو زجهم في زنازين مع الأسود والأفاعي والكلاب المتوحشة، أو إلقاؤهم من الطائرات من علو شاهق، أو تذويبهم بالأسيد، أو فقأ عيونهم وقطع ألسنتهم وآذانهم، أو سحلهم في الشوارع وفوق الصخور وشطرهم نصفين من خلال ربط كل ساق بمركبة وانطلاقها بسرعة جنونية.

قائمة أشكال التعذيب العربي وأصنافه تطول، وتبعث في النفس الهول والرعب والغثيان، لكن الذي يزيد الضيق ضيقا، ويجعل الروح تشهق الأسى كل حين أن هذا (التراث) الدموي لم ينقرض بانقراض الطغاة، بل ما يزال هناك طغاة يتناسلون كل يوم من بين أعطافنا، ويتكاثرون كالفطر البري، ما يؤشر إلى أن حبرا باتساع المحيطات مرصود لتأريخ سيرة العنف الدموي المفتوح وفصوله البربرية الدامية، حتى ليصحّ أن يطلق علينا أبناء لغة الدم لا الضاد.

[email protected]