العالم يكتظ بما يليق بفحصه والتحقيق فيه، هو عالم متراطن ومتراطم ومتلاطم، ليس من حقه معرفة مشاكله دفعة واحدة، وليس من حقه حلها، كما يحل الانسان مشكلة كرسي كسرت ساقه او سيارة خرب محركها. قاوم الانسان من اجل فكرة الحلول الكاملة فلم يسمح له ان يكون الها او تفوضه السماء خلق المعجزة فكل ممكن مهما بلغ ليس بمعجزة، وهذا طبقا لخلفية مقارنة تجعل المعجزة كل مستحيل، ولكن الويل لنا ان وجدنا ذلك ممكنا، فاننا سنحظى بإيفان رهيب اخر او نترحم على ستالين وهتلر لشدة ما سنلاقيه من مرارة وعذاب من هذا الذي سوف يجيب على كل مشاكلنا. لذا من الخير لنا ان نبقى نجهل ولم تنفذ عبقرية كبيرة تتخطى قدرها البشري كي تقدم لنا الترياق الاشكالي وتنهي حيرتنا في الوجود، نظامنا النقصاني هو الممكن الافضل، وهذا يدعونا الى التمسك بنظام الشكر الكبير، حيث نصف اجابة ونصف سؤال تكفي لان تخفف عنا ولوج منطقة يكون فيها الجحيم ارحم، ويكون فيها النعيم اسوء من غرفة جمر.
نضطر للدخول الى المحليات الجدبة من أي خضاب معرفية او فسحة انسانية اكبر من خوانقها وقلاعها الوطنية، حتى لتبدو قسمتنا النقدية اكثر مرارة في مشيئتها، وهي تجعل من اقطابنا واندادنا بهذا المستوى النقدي الرديء، خصومة الشيء يبين مدى اهميته، فيما جبهاته النقدية تكيّف حجم ذاته الخلاقة او ذاته المنحطة، وهذا يتكوكب في مدار شرطي تحدده نوع الخصومات والمخالفات والاعتراضات، ولعلمي لا نملك جبهات نقدية محترمة لنحظ بذات محترمة، لم تكن لنا ركائز فكرية كبيرة، ذات نشوء انساني وكوني وعالمي كي ندخل العصر ولم نبق في التاريخ نعلك لبانه العتيق والمتعفن. كل اقدارنا ظالمة وهي تعيد منظومة نقدنا لما لا يقبل حواره، حتى المتحف او الماضي نفسه... هكذا منظومتنا النقدية محكومة بمرارة ما يصلنا من خصوم يسحبونا الى اقاصي التاريخ، او يفرضوا علينا نظاما نقديا محليا، اصبح مصدر شفقة وهزء من العالم المتمدن.
بمزيد من التشاؤم نختم عقولنا كل مرة، وقد فاتنا اننا نظلم مشاعرنا وحواسنا واجسادنا حين نبقيها رهينة نتائج الفحص المعرفي، حتى ليبدو ابناءنا وحبيباتنا واهلنا غرباء موحشون امام غربتنا الخائبة واستنتاجاتنا المريرة. عالمنا يقوم على ركائز ثبوتية لنظام اللغة وعلاقات المحكي، فيما يبقي افعاله في ثلاجة الضمير لا تترجمها الكلمات ولا ينفع معها مثقاب المعرفة واللغة الفعلية، ذات المدلول العملي... وبهذا نكون بيئة لغوية لا اكثر، وهي بيئة تخلو حتى من قوة الاحلام المعقولة او الدلالات التي تضمن تطابقا، وان ببخل، في ميدان فعلها او تجاسدها بفعل، يبقى هذا النظام اللغوي، حتى اشعار اخر بيئة تقوم على نقض الافعال والدلالة عليها، كما لو انه اتفاق على سير الافعال في مكان والمحكي في مكان، وفي افضل الحالات تتصرف اللغة بافعالها كمسرحة وفضلة عن مالوف ما، ولكن ما هذا المالوف؟ ذلك ما يجعلنا نكثر من الادوات الغامضة والمصمتة والحافرة لاجل مسك ما هو خارج اللغة او ما للغة من خروج عن الوظائف المقدرة لها... لا اكثر من مصوتتات ارتجاعية، تخلو من الافكار الواثقة، الى حد لا يمكننا الا خلق قاوسا للصامت والمحيّ والغائب، والمضمّر والمتستر والمقنع والممسرح..الخ.
طوفان من الافكار يجعلنا غرقى، وقد اختنقت حناجرنا وامتنعت افواهنا من اطلاق الصرخة لشدة الخناق، هكذا تمر الاحداث مررا بريئا فيما هي اكتناه تاريخ قائم على ( الماقبليات )، أي فك ارتباطها مع الركائز التي احتضنتها، ومع هذه الركائز ايضا عناصر نقدها لانها لا تصلح للنقد او الموافقة والرضا. بهذا يقع العقل بفخ النقد اكثر مما يقع بفخ الموافقة والرضا والولاء... أي نقد بيريز ليس كنقد دكتاتور جاهل ولا نقد الدين كنقد الماركسية او البنيوية، لان تاريخ نقد الدين يفترض انه مضى وانتهى، وهكذا يكون نقدنا للدين هو عقل ثورة العصور الوسطى فنكون في الزمن الميت وان كنا بحلة تنور وثورة نقدية، وفي نفس السياق فتحديثاتنا كلها تقع في التاريخ، وسؤالنا كيف الوصول الى الزمن المعيوش دون ان نقع بفخ نقدي وكل موجوداتنا الفكرية هي في التاريخ، كما لا نتمكن من خلق جبهة مخاصمة ثم نعمل على نقدها، أي ليس بمقدورنا تعليم الخطا والخصومة فنكون تشكلنا كمبدأ اصحاح ومقاربة ؟ هكذا نسوق التباساتنا وسوء حظنا عن سابق تصور فنؤيد او نشجع الاخطاء والخاطئين اقل كي نجد جبهات نقدية لا تسرقنا نحو الخلف ولا تقدمنا كذات خارج الزمن المعاش.
الموجودات الفكرية التي بحوزتنا لا تصلح لان تكون حتى افكارا، لا تصلح معها تطيير احتفالية ما اسمها حرب الافكار وحرب المعرفيات، حبذا لو كان كل هذا الرديء التاريخي المعروض امامنا عرف نفسه وقدم نفسه كافكار او فلسفة او معرفة، انه ليس اكثر من نتف اهزوجية وتلاطم عاطفي مرمنس بروحانية ثور واحلام حيوان اصولي، بارقه ولامعه الحنين الى الاصل الكهوفي والغابي، حبذا لو ان العالم الذي نعيش لديه اردأ الافكار... المهم افكار وحسب، تتنظم في ضوئها جبهات النقد وتتخذ مرابطها الذهنية شكل الانتظام المنطقي، ولكن نصوصنا محيرة، ودعاتها اكثر جبنا على حبها، في الاقل، او التعرف عليها كجذور مرتكزية. موجوداتنا الفكرية تقوم على رتاقة مؤسية ورثاثة ثقافية عالية الابتئاس، لا تصلح معها خلق عالم يفكر وان بخطأ او حتى انحراف، المهم يفكر، الا انه معطل بهذا الجانب، وما نراه مجرد تسويات تهويمية تبقى في السطوح الطافحة بالفراغ والتجويف، لانها تتصف بانعدام الفكرانية، فهي تغرف من الافكار ما يرتّق خطابها الاحتفالي، وتقدم لنا لغة من الحيطان الخرساء، كبيت بلا ابواب ولا شبابيك، كلمات مغلقة على خواتيم وقطعيات محاطة بالقداسة او محاطة بالاثم، كلاهما تشميع فكري، كلاهما يستبقان الفحص العقلي والفكري، ويتصفان بالاطلاق الممانع، حيث من المحرم دخول الحيطان المقدسة او المؤثمة، ولعلنا بعد طول خداع لم نجد خلف تلك الحيطان غير صحارى متوحشة، فلم تكن خلفها اية حدائق او جنات ولا حتى جحيم، سواء في مجازها المقدس او المؤثم، نحن بحاجة لاثاث فكري لكلا الضدين كي ننظم جبهاتنا النقدية، ولكن حين لا يكون خصمنا او اضدادنا مؤثثة بافكار لا نملك الا نقد الجنود والمحاربين والقبائل، وهذا عالم شره رديء وخيره مجوف متخلف.
النخب الميئوس منها جعلت المعرفة والافكار محفوظات مدرسية، لا تصلح الا لقاعات الامتحان فبقيت المعرفة مجرد واجب اكراهي محصور بجدران المدرسة فالمقهى والصالونات والادمغة، التي هي الاخرى تستخدمه بعقل قروي، هدفه التبرج والتظهور، لذا لم ينجز شيء، سوى اراشيفية زائدة، خارج عناصر التاثير بالوقائع، لذلك كانت الحداثة زوابع صغيرة بدفاتر قلة، لها هموم خارج المعرفة والتحديث والتطوير، تكتفي بما تحتزن من معلومات غير نافعة الا بحدود معازل تربوية لم تتمكن الانفعال او الحركة في الواقع الذي سرعان ما ياسرها ويعيدها الى حضيرة الحيوان الايديولوجي او السياسي المتخلف، الذي فهم السياسة على اساس من الارتكاز على الامن الوجداني وانظمة السر المعلنة التي لا تجوز في صيرورة الطبيعة والمكتسب الانساني بما هو قوة غموض شخصية جدا، تكمن في وظائف توليد الامل ! وهذا ارث القبيلة التي شاء لها ان تكون قبيلة مكبرة سواء في الدين او الحزب او الكتلة وهي ناجز الولاءات بلا معرفة او افكار، فالقبيلة هي الوحدة الاجتماعية والثقافية الخالدة التي تنقل نفسها من مكان لاخر، سواء في المعتقد او الوطن او القومية، ذلك لان النقلات من القبيلة الاولى لم تخلخلها الافكار ولا تؤمن بها او حتى تعرفها كحقيقة بديلة في العالم، انما تكون علاقة لغوية معها لا اكثر. وهكذا الاسلام جعل محور الايمان هو الشكلات الكبيرة على الانساب القبلية كما جاءت السياسة لتكرس دائرة الامان هذه في النسبيات الباطنية. حبذا لو ان البعثيين بعثيون والشيوعيين كذلك والاسلاميين ايضا، لاننا على الاقل سنجد مادة فكرية او شبه فكرية نحاورهم عليها، ولكن ماذا وجدنا ؟ لا شيء.
ربما تطور الافكار والعلوم والمعرفة تجعل عالما في اللايزر او الفضاء سوف يتصرف بالضروة كمصلح دراجات هوائية او ميكانيك سيارات عتيقة ان هو جاء الى عالمنا بما فيه من خردة تاريخية وسكراب اجتماعي معرفي !!.
عقائد القرون الوسطى وسيطرت العقل الملائي وتحديث الدين نحو الخلف، والاسوء اننا سنجد ان التاريخ ذلك كان افضل وارقى من هذه القرون بزمنيتها الحديثة وقدراتها الاكثر جاهلية من الجهل الاول/ عصر القرن السادس عشر او انحطاط اكثر من ذلك وسط العلمانيات الاصولية العتيقة ايضا / سكراب الحرب العالمية الاولى وتحديثات الحرب الثانية / مكياجات ليبرالية وديمقراطية حبذا لو انتسبت للازمنة الكولينيالية / منظمات مجتمع مدني كل ما في محتواها وافكارها الغامضة يدعو للايديولوجيا التائهة، بل فهي مصابة باغراء مدمن على مجتمع الثكنة وعقل الجنود والشرطة، وقد راجت ككل الموضات السياسية في عالم العرب والعجم كموضة اجتياحية ككل الموضات السابقة، لذا مئات المنظمات المدنية وكلها ترتدي بزة المحاربين والمناضلين والشرطة السرية، وهذا يتجلى في لحظة الاختبار المتصادمة مع الخصم !!. ولكن كيف حدث كل هذا المحكوم بمنتجات بيئية لا تقبل المصانعة والتزوير ؟
قصة طويلة وشروحات مستفيضة جدا، لا يمكن بترها عن ارث الصعقات الايديولوجية في التاريخ الحديث التي قوضت انظمة البراءة الانسانية وافرغت العناصر الاجتماعية من تلقائياتها العادية لتحيل البلاد الى منظومات شرطة سرية، سواء اكانت موالية ام معارضة. فهي المجال التربوي الوحيد للثقافة السياسية، الذي انتج بيئة سكرانة مخدرة بالتنويم العقائدي والاطلاقات القطعية ذات الجنوح اليوتوبي الارعن وليس اليوتوبيا العبقرية والرهبانية ! , هذه الانقلابات الكبرى تمكنت من استدراج النوايا الطيبة للعقل، والايقاع به وسط مشروطيات قاطعة، تقيم قواعدها على ارث احلامي ومخيالي، ورثه الناس جميعا، فاستغلت مساحاته لاجل استثماراتها الادبية والسياسية، وتمكنت من اقفال العقل على ثنائة تلك التراجيديا الخالدة، وهي تقوم على صراع الخير والشر، ولكن ايضا برعونة اكثر تحقيرا وادنوية مما كان مبررا لدى البشر الاقدمين، وهم يكتبوا رؤية العالم على اساس مثيلوجيا صراع الشر والخير. وراثة اخرى تدعم هذا الانقلاب الاهزوجي وهي التصرف بتعالي خطباء الدين، بحيث لا يذكرون الا وعيد الله وتهديداته وعقابه للناس، لاسيما في بيئة عنف، معتقدين انهم حسموا امر الناس على انهم مملوكون لتلك الحقيقة، وقد سلموا انفسهم لها دون شروط ولا فحوص، بحيث اصبح الباده القطعي هو تبيان الجحيم الذي ينتظرهم دون التركيز على الجوانب الاغرائية او مساحة الفضل السلمي، اذ ثمة صفقة ونمطية سوقية تقوم على الاغراء الفاحش والتهديد القاس، وهذا افتراض يقوم على جهوزية مسبقة، حسمها الخطيب في اسرار وصدور الناس كما لو انهم سلموا كالاغنام لسكين القصاب، فراح يمنحهم ذبحه المقدس او فرص النجاة. هذا الارث تماهى مع مالكي الحقيقة، وتصرفوا بعقل الاباطرة الخطباء على اعتبار ان الناس منذورون للحقيقة المملوكة من قبل هؤلاء، ولا خلاصة لديهم دونها، وقد جرى دعم ذلك بتطيير فولكلوري اسسته المدرسة الشيوعية الاولى، وقد اصبح هذا التاسيس الاول قاعدة لانتظام العلاقات والافكار حتى في غير الشيوعية، بحيث اصبحت دقات قلب الكرملن تنبض خارج القارات والحدود، لتعم الثقافة الانسانية برمتها، وقد بوغت العالم بهذه المنظومة القيمية حتى بات الابرياء مقتنعين بجرمهم وذنبهم وان كانوا على الضد من الشيوعية، ولعلنا شاهدنا وقرانا ان اكبر عقول العالم انذاك، تزدحم بشعور ذميّ واثمي فيما هي بريئة، بل وتمتلك قدرات عقلية معرفية هائلة مثل سارتر في حواره مع غارودي في الستينات وهو يقول لمحاوره : " ان الوجودية فكرة طفيلية الى جانب الماركسية"، كما لو انه يستجدي رضا المركز من تطفل الطارئ !!! حتى طالت هذه العدوى الذمية بيكاسو وعبقريات عدة، حاولوا التصرف بزلفى وتملق فلسفي وتلفيقي مع هذا البلدوزر الشيوعي الكاسح، وقد ضمن ملكية المحددات المثنوية التراجيدية بين الخير والشر، ونجح في حجر القيم في مساحات ذميّة واخرى فاضلة، كما نجح في الباس الفلسفة والمعتقد بزة عسكرية محاربة اختصرت كل المثال وانظمة التجريد العليا، التي تمكنت من تشويش انظمة العقل بحيث لا مفاضلة بين قيثارة وبندقية ولا فرق بين الجرح والسكين، كلاهما الشعر والرمنسة وكلاهما ملكية التجريد المقدس الواعد بالمدينة الافضل. في عالمنا القادم كاي ريف زمني وليس ريف مكاني، أي قام من التاريخ الى العصر، بقريته ومدينته المعدة سلفا الى العسكرة والثكنة ودول المحاربين وعقل الكولينيالية الدينية التوسعية، أي عالم قادم من استعلائية المستعمر والغازي المقدس، هذا العالم معد سلفا للانتظام مع التشويش هذا، ولقد وجد استعاداته في القرن العشرين بعد ان طلق ذاته وخسرها بهزيمة عرفانية انتهت الى اقراره بعصر الانحطاط، الا ان المغريات التعبوية الحديثة اعادة الثقة بنفسه ومشروعه، اخذا من التشويش هذا تماهيه، بحيث ابطل مفعول الاعتراف الاول بالانحطاط كي يجعله فاضلا ويستعيده بثقة العناصر الخيرة، لهذا وفي ظل الاستنفارات التعبوية والعقل المتوتر عقائديا خلق احزاب تاريخانية لا تنتسب الى التحديث المديني والحضاري كما حال الاحزاب الدينية الاوربية بل تنتسب الى الاصول والماضي والتاريخ المستعاد بفضيلة انحطاطه وهزيمته التي عومها الاستنفار والمدرسة الشيوعية العالمية فالمحلية حيث اتصفت بالملائية وبيئة الشعوذة، كذلك على الجانب المقابل تبتكر الحركة القومية نفسها في تلك الموازاة الاطلاقية والتعبوية، لتكون مشروعيتها بعالم بلا افكار ولا استحقاقات كونية وانسانية عليا، وحين وجدت نقيصتها الكونية امام الشيوعية كفلسفة وفكر كوني حاولت تلفيق صفقة بيض ايديولوجية فكرية وهي التزيين والتلون بنصف الفكر الاشتراكي او بعضه، محاولة خلق حوار الهويات في الفكر الانساني والعالمي، التي هي لزوم ما لا يلزم، إزاء عالم الكونيات والانسانيات، التي تحدد الخير الكوني والشر الكوني، اللذين لا يقبلان هوية محلية او وطنية.
ارث القومية هنا هو احد اكبر الفضلات الزائدة في تاريخ المنطقة، الا انه ارتمى وارتمس في اليات المدرسة الشيوعية والستالينية منها، وهي السائدة انذاك، بحيث قيض له ان يحدد العالم الى قطعيات ومقاطعات ادبية وعقائدية اسوة بتراجيديا الخير والشر، وهذه التراجيديا ترفض سلفا حوار الشيطان والرحمان، هذا في حلل الحرام والمؤثم القاطع، كذلك الحال في كل المدارس السياسية التي تشوعنة اسوة بالشيوعية المتماهية مع مثيولوجيا الخير والشر، فكانت المجتمعات قد تقسمت وانشطرت واصبحت معازل عقائدية قوضت اجتماعيتها وبراءتها التلقائية ونظامها الانثروبولوجي الاول، فاصبح المجتمع خليق افكار ومعتقدات وليس خليق طبيعة، ولكن اية افكار؟ انها مجرد مرتكزات لغوية غير مامون بها ولا معتقد بها، بل هي مجرد توصيفات ومسميات لكتل القبيلة المكبرة.
هذه العوامل خربت النمو الفطري لتطور حياة مجتمع المدينة الذي يتناغم معه تطور اجتماعية الريف، ولعله اصيب بارتجاعات متطرفة الى الخلف، بحيث حتى الريف ذهب الى اقصى القبيلة بعد ان فقد، حتى نظام القرية فيما المدينة تريفت واصبحت اكثر قروية، حيث العلاقات تخضع للمحدددات الجديدة وليس لتلك السجايا الاجتماعية والتراكمية الطويلة. خلق هذا الوضع ثراءا لثقافة العنف والمعازل الاجتماعية حيث اصبحت العداواة فضيلة ايديولوجية، بل تحول القتل الى مثال اعلى، تجلى بتدمير كل انظمة الرحمة والتواد الاجتماعي، الى الحد الذي يقتل فيه الجار جاره بسبب انتمائه، كما يشي الاب بولده، وتصبح " اجمل الامهات هي التي انتظرت ابنها وقد عاد مستشهدا!!" كما حال قصائد الشعر الثوري الذي اربك مداميك الفطرة الانسانية وشوش نظام العاطفة وخرب انبل العلاقات السوية والطبيعية عند البشر ( كتبنا ردا على الصديق حسن العبد كاتب قصيدة اجمل الامهات، في حينها، بان الام التي لا تبك ابنها او تحب موته انما هي اقل من بقرة واسوء من عاطفة ذئب، رغم اني اتجنى على رمزية الذئب المظلومة لانه اكثر الحيوانات عاطفة مع اسرته، ولعل بعضه ينتحر اذا فقدها، كما روى لي احد بداوة الرطبة في الستينات). المدرسة الشيوعية اسست اليات عقيدة العصور الحديثة فجنى قطافها المدوي والمشوه كل من العقائدية الاسلامية فالقومية، وهذا على ما اعتقد كل ما نملكه من موجودات المحارق السياسية في المجتمع، وقد تحول في بيئة محكومة لمكانها الانثروبولوجي الى قبائل خائفة من بعضها ومبطنة بكمون عدواني يقوم على التاثيم والذمة، بحيث كل خلق ذمياته ومقدساته، كنوع من حماية الذات وصدمها بعقيدة مضادة، كانت مصدر الياتها التذميمية هي المدرسة الشيوعية الستالينية التي لهبت اجزاءا كبيرة من كوكبنا، وتمكنت من اعادة صياغة العالم على اساس المحددات الذمية واضدادها، مستبدلة النظام الفطري والطبيعي التراكمي اسوة بتلك المسيجات والقلاع المعزولة. لعل هذا المشروع هو مشروع حروب داخلية على محمول صراع الطبقات بباطنية صراع القبيلة المكبرة، وبهذا الثنائي من التذميم والتفضيل استبيحت اسوء القيم والمثالب، واصبح التسابق نحوها كمن يتسابق لجني الفضل، وذلك بعد ان اصبح الحزب والمعتقد قوة محرابية تبرر لها كل القرابين البريئة على مذبح البركات والهداية الايديولوجية، ما جعل الوشايات والنذالة والغدر والخساسة واتعدام الشرف كلها اعمل فاضلة ان هي اقترنت بنظام امني لحماية العقيدة والحزب، وهذه عدوى اصيبت بها كل المنظومات العقائدية الايديولوجية، بحيث تخلق تعشيراتها المثيلوجية التراجيدية بين شيطان ورحمان، الى حد يغزو المتعاقد نفسه بنفسه في عوامل الخوف الذاتي، فتصبح دولة الخوف هي حاجة متبادلة بين المتلقي والمصدر، الى حد معقد في التلافيف السيكولوجية البحاجة لفحص اكبر مما حققناه او حققه الباحثون في انظمة الخوف، وهو نوع مهين من الخوف لا يرتق الى حدود السوية الغريزية لمخاوف جرذ او خروف امام ذئب، حيث يحدث ان يمدح الضحية جلاده وهو على حبل المشنقة كما حدث لبوخارين مع ستالين حين مدحه رغم انه حكم بالاهدام ممن مدح، ولم يكن طلبه مستخدما دين الصداقة بينهما او ما تبقى من عاطفة، ان يمنحه فرصة اختيار طريقة الاعدام هي عدم رميه بالرصاص، وحتى تلك لم يفعلها ستالين الذي ولغ عقائديا وتطهريا في منظومة الشر الاخلاقي والنذالة المقدسة " يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين" !!، كذلك الحال مع مئات الذين انتحروا بعد موته من فرط حبهم له فيما كان مؤذيا لهم، وهذا حدث في عالمنا وبطريقة تقتضي فتح كل طلاقات ابواب علي بابا وكشف الجوانب الخافية في انظمة الخوف، وكيف يجري تخريب الشرعيات كلها وحجرها بنظام معتقدي متوتر ومركب يقوم على تمويت المشاعر والحواس، حتى يصل منطقة نيرفانية عالية لا يعرفها صاحبها، الا انها ممكنة في انظمة الخوف وفعله الاختراقي لانظمة الطبيعة، الى حد يتحول الى رفاه سيكولوجي، يجد مستهلكه ضرورة لاستمراره وتعوده، وهذا سجل نقلاته في المجتمع العراقي ما بعد دولة الخوف، بحيث كل جلب تشكيلته المخوافية معه، وجلب زعيمه الباطش وعديم الرحمة، حتى استدرج عالم النقد او علاقات المجتمع الى مثنوية التاثيم المثيولوجي والتفضيل المطلق، وصار التناظر بين عالمين ممكنا ومتشابها لاسيما في طرق واليات نظام الخوف بحيث يستمني الفاضل على غير الفاضل حين يعرض حبه لمعاقبه ومقاصصه ويطلب منه نعت نفسه باشنع النعوت، على ما يتطلبه تناظر ادمان نظام الردع والخوف والمحق الانساني، عبر مثنوية الشياطين والرحامين، وهذا يؤمن ثغرة لخلط الاوراق وانعدام القانون والمؤسسة، لتكون احقية الانتقام مكان القصاص، كما تكون طرائق الارهاب السيكولوجي عن طريق الاعلام اكثر محقا للانسانية واكثر قروية وتريّف، كما يصبح القضاء طوارئيا شعبيا تمارسه سلطة المنفذين والجنود، الذين من واجبهم واحترافهم قتل الاعداء والخصوم ليس من واجبهم ممارسة هذه الحرفة في مؤسسة القضاء والعدالة. انها خلطات قديمة، تقوم على مدرسة اسست قيم القرن العشرين وهي مدرسة ضرب الشرعيات كلها وضرب نظام البراءة وخلق مكابح دائمة لتشويش العقل كي يمر كل ذلك، بالشرعية العقائدية، وخلال الشرعيات المستجدة والمتناوبة، وهي شرعيات فقدت نموها في عالم بريء يتطور بسجايا موهوبة لمقدرات الطبيعة في ضوء سلامها الاجتماعي والانساني الشاملين وليس سلام المجموعة والحزب ومجتمع العقيدة الواحدة لانهم حتما قائمين على حرب وعداوة مع قسم اخر في المجتمع، هكذا هذه المدرسة هي مقدمات شرعية لحروب داخلية محفوفة بالعصمة الابرارية الحربية، بحيث تتحول الكتل الاجتماعية المسحورة الى مجموعات سكرانة خاوية الضمير، لا حصانة لديها الا ما يحدده المعتقد او القائد، بما يفقدها ذاتها الخاصة ويعطل طبيعتها الفطرية الاولى، حيث تخنقها بيدها ليصبح المسالم قاتلا او مقتولا مع ان فطرته لا تسمح له بقتل دجاجة، الا ان التوتر العقائدي المنزاح بنظام الخوف الذاتي يجعل المسالمين والابرياء قتلة عبر ذلك التوتر المركب والمعقد، ولعلنا نحتاج لعهود كي نبرا من المدارس النقدية الباحثة عن جبهات امنية وليس جبهات فكرية، وقد سيطرت هذه المدارس على الجلاد وضحاياه وخطورة الامر ان يقع الضحية بفخاخ منظومة نقد الجلاد... بحيث لا ينقد بالافكار ولا يبحث في احفورها انما ينطلق من ثنائية التذميم والتاثيم كما فعل سلفه.