يدور جدل في الكويت هذه الأيام عن الشأن العراقي، فهناك ثلاث وجهات نظر حول الموقف من أحداث العراق وتطورات الأمور فيه، ووجهة النظر الأولى ملخصها "إحنا شكو بالعراق"، وترتكز على ضرورة عدم التدخل في الشأن العراقي بأي شكل من الأشكال. وينادي أصحاب وجهة النظر هذه بأن أفضل ما يمكن لجيران العراق تقديمه للعراقيين هو بتركهم وشأنهم، فالتدخل الإقليمي في العراق من شأنه أن يعقد الأمور فيه، ولا يحلحلها. تماما مثلما كان التدخل في الشأن اللبناني من الأمور التي قادت إلى الحرب الأهلية واستمرار اشتعالها طيلة خمس عشرة سنة. فقد كان لكل جهة إقليمية –ولا يزال لبعضها- حزب أو تنظيم تدعمه وتمده بالمال والسلاح، بل لا تزال الأصابع الإقليمية واحدة من أسباب تشابك الوضع اللبناني ومعضلاته. كما أن التدخل في الشأن العراقي معقد وهائل وأكبر من حجمنا وقدراتنا ورحم الله امرءاً عرف قدر نفسه.

وينادي فريق كويتي آخر بضرورة التدخل في الشأن العراقي لأننا ملزمون بذلك، فالكويت هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي ساندت حرب إسقاط صدام، ومن ثمَّ فهي معنية بتطورات الأمور في جارها الشمالي، كما أن لكل الأطراف الإقليمية التي وقفت ضد إسقاط صدام أيادٍ طويلة في الداخل العراقي، وهي في الغالب أيادٍ مدمرة ودموية ومساهمة بشكل مباشر في تعقيدات الأمور ولخبطة الحسابات، وبالتالي فحري بنا ونحن الأقرب إلى العراق، أن يكون لنا صوت عالٍ وأيادٍ بناءة في استقرار العراق وأمنه، لأن في ذلك أمننا في الكويت واستقرارنا. فالكويت ودول الخليج عموما - كما يجادل أصحاب وجهة النظر هذه- هي التي لها أجندة واضحة هدفها استقرار العراق، بينما يرى الآخرون من جيران العراق يهدفون إلى إغراق الولايات المتحدة في الدم العراقي إجهاضا للمشروع الأميركي في المنطقة على حساب العراقيين. وعليه فإن الكويت مطالبة بأن تواصل مسيرة دعمها للشعب العراقي لنيل الاستقرار بعدما نال الحرية، وتحقيق الأمن بعد زوال الغمة البعثية. وعليه فإن واجبنا ككويتيين أن نعلن صراحة انحيازنا وتأييدنا للقوى المدنية في العراق بكل تلاوينها السياسية - يسارها ويمينها- لأن العراق المدني هو العراق الذي يضمن تعايش أديانه وطوائفه وأعراقه، بينما يعني العراق الديني- سنياً كان أم شيعياً- نظاماً متخلفاً وطائفياً لن يحقق التعايش السلمي المطلوب.
ومن الموضوعية القول إن فريق التدخل المباشر في الشأن العراقي ينقسم إلى فريقين متضادين، فهناك قسم ينقسم بدوره إلى قسمين طائفيين، ويدفع أحدهما بأوهام الدولة الشيعية في العراق على النمط الإيراني، بينما يدفع الآخر بوهم الدولة السنية على الشكل الطالباني، كما ينقسم كلا الفريقين بدوره إلى مرجعيات وأحزاب، ومشايخ وطلاب.
أما الفريق الكويتي الثالث فيرى أن من الضروري انتهاج خط وسط، لا أن نندفع باتجاه محاولة لعب دور أكبر من حجمنا، ولا أن نكون متفرجين وكأن الشأن العراقي لا يعنينا، ويخاف هذا الفريق من أن التدخل السافر في الشأن العراقي قد يعطي ذرائع مستقبلية لأصوات في العراق تنادي بالتدخل في الشأن الكويتي نفسه، ومن ثم فإن تدخلنا يجب أن يكون معلناً ومكشوفاً وينحصر بالتعامل مع العراق على الصعيد الرسمي فقط، وقد خطت الكويت في هذا الإطار خطوات واضحة، فمن المساعدات المالية إلى الإنسانية مروراً بمبادرات لإلغاء جل الديون العراقية.
الشأن العراقي حاضر في كل بيت كويتي، ويتابعه الكويتيون لعلمهم بأن مستقبل العراق سيحدد مستقبل ومصير المنطقة، إدراكاً بأن العراق القادم الذي يجري تشكيله يعني إما البناء والاستقرار، وإما الفوضى والدمار... وشتان بين الاثنين.