يندر مرور أسبوع دون خبر يتعلق بعلماء العراق في جملة أخبار عن قتل أحدهم أو خطفه، أو اعتقاله، أو سفره خارج العراق، وقد يصير الخبر متعلقاً بأسر العلماء العراقيين، وكثير من أقاربهم تعرّضوا إلى عمليات خطف وقتل.
ومؤشر هذه الأخبار، أن علماء العراق يتعرّضون لحملة متعددة الأبعاد من التنكيل والتصفية في إطار ما نجم عن الاحتلال الأميركي ـ البريطاني للعراق في نيسان عام 2003، وتدمير البنية الحضارية والثقافية المعرفية للعراق، والتي كان بين معطياتها تدمير المؤسسات الثقافية والعلمية وبينها متاحف العراق وجامعاته ولا سيما متحف بغداد، كما جاء في السياق ذاته طرد نحو ثلاثة آلاف أستاذ من الجامعات العراقية من أعمالهم، ويشكل هؤلاء قسماً من علماء العراق.
واستهداف علماء العراق بدا واضحاً مع بدء الحرب، وتضمنت قائمة المطلوبين من "قيادات النظام السابق" أسماء عدد من العلماء، وجرى اعتقال عشرات العلماء العراقيين، وتم التحقيق معهم بهدف ظاهر أساسه معرفة توجهات وخطط النظام السابق ولا سيما في مجال أسلحة الدمار الشامل، ثم جاء في سياق الاجراءات العملية للاحتلال ضد العلماء العراقيين، تسريح ثلاثة آلاف من أساتذة الجامعات العراقية من عملهم، ووضعهم في ظروف اقتصادية ـ اجتماعية مدمرة نتيجة تهميشهم وضمهم إلى قائمة العاطلين عن العمل، ولم يكن من بقي من أساتذة الجامعات على رأس عمله أفضل حالاً، إذ كانت الجامعات، قد دمرت كمؤسسات علمية، وجرى تخريب معاملها وسرقة وتدمير أجهزتها ومعداتها، التي كلفت العراق ثروات هائلة، وصار هؤلاء في عداد البطالة المقنعة، حيث لا عمل لهم، ولا إمكانيات تحت تصرّفهم.
لقد أدت اجراءات الاحتلال ضد العلماء وأساتذة الجامعات إلى هجرة بعضهم نتيجة البطالة ورغبة بعضهم في متابعة دورهم العلمي، فذهب إلى دول الجوار مثل سوريا والأردن، وراح الآخرون إلى الأبعد مهاجرين إلى بلدان الغرب الأوروبي والأميركي، وليست هناك إحصائيات دقيقة توضح هذا الجانب من مصير علماء العراق وأساتذة جامعاته، لكن التقديرات تشير إلى آلاف، وهناك وجود ملموس لهم في دول الجوار العراقي.
أما مَنْ بقي في العراق، فقد صار هدفاً للمحتلين، حيث اعتقلت قوات الاحتلال عدداً منهم، فيما صار آخرون أهدافاً لمرتكبي الأعمال الاجرامية الذين لم تتوفر بعد إمكانية لكشف هوياتهم، لكن التقديرات، تشير إلى نشاطات مزدوجة في هذا المجال، يقوم بها جهاز المخابرات الاسرائيلي "الموساد" وأجهزة المخابرات الأميركية سواء بصورة ظاهرة، أو مقنعة، ذلك أن علماء العراق وبنية العراق العلمية والتكنولوجية، كانت وما تزال هدفاً بين الأهداف الاسرائيلية والأميركية أساسها منع العراق من امتلاك قدرات خارج السيطرة، وهناك أمر آخر يرجح وجود المخابرات الاسرائيلية ـ الأميركية وراء ما يقع على علماء من اعتداءات، وهو عدم اعلان أية جهات تبنيها لتلك الأعمال الاجرامية، وقد أشارت أوساط جامعية وعلمية عراقية إلى فريق للاغتيالات مرتبط بـ"الموساد"، ينشط في العراق ولديه قائمة أولى تضم 800 شخصية مرشحة للاغتيال من العلماء العراقيين بتخصصات مختلفة، وأجملت سلطات التحالف عدد الذين تمت تصفيتهم عن طريق الاغتيالات منذ مطلع أيار الماضي بألف عراقي غالبيتهم ممن أسماهم الناطق باسم قوات التحالف الجنرال مارك كيميت بـ"ذوي الياقات البيضاء من الطبقة المتعلمة".
لقد عززت الجرائم الواقعة على العلماء وأساتذة الجامعات توجههم إلى الهجرة خارج العراق، حيث غادر آلاف منهم، يضافون إلى أكثر من ألف وخمسمائة آخرين كانوا غادروا العراق في ظل النظام السابق نتيجة الظروف السياسية والمعاشية، مما يعني استمرار خط تفريغ البلاد والجامعات من قدراتها العلمية، وهو بين أمور دفعت رابطة الأساتذة الجامعيين لإعلان لائحة بأسماء 75 أستاذاً جامعياً قتلوا أو خطفوا خلال فترة الأربعة أشهر الأخيرة، ووصف وزير التعليم العالي العراقي "الضحايا" بالقول أنهم "يغطون مجموعة كبيرة من الاختصاصات وليس لهم التوجهات السياسية أو المعتقدات الدينية نفسها، والقاسم المشترك الوحيد بينهم كفاءتهم العالية"، وهو رأي يشاركه فيه أعضاء رابطة الأساتذة الجامعيين.
خلاصة القول في موضوع قتل واعتقال العلماء العراقيين ودفعهم للهجرة، أنه يخدم هدف إفراغ العراق من علمائه وخبراته، وهو يتم بأيد تعمل في الظلام، وتتصل غالباً بأجهزة استخبارية خارجية، ويتم وسط سكوت معلن من جانب سلطات الاحتلال وبمشاركة منها، وبقليل من اهتمام الحكومة العراقية والفاعليات السياسية والاجتماعية، التي ينبغي أن لا تغفل عن قضية خطيرة من هذا المستوى.