عاش العالم تحت وطأة كابوس الحرب النووية خلال الحرب الباردة. لكن الحلم بسلام عالمي هادئ بعد انتهاء الاستقطاب الدولي، تبدد سريعا. نحن اليوم نعيش حالة فوضى عالمية قلقة، بسبب الانتهاكات الصارخة للقوانين الدولية التي تنظم العلاقات بين الدول. اجتاح بوش أفغانستان والعراق تحت شعار «مكافحة الإرهاب» فحولهما الى وطن للإرهابيين! وما زالت اسرائيل تحتل اراضي فلسطينية وعربية، وتتحدى القرارات الدولية، بل تهدد بالحرب دولا مجاورة.
العالم ليس مهددا فحسب من اختلال العلاقة بين الدول. التهديد بالفوضى يأتي من داخل مجتمعات مختلفة، مجتمعات فقيرة تعرف كيف تتناسل وتتكاثر، ولا تعرف كيف تؤمن وجبة الغداء أو العشاء. إخفاق النمو الاقتصادي في خدمة النمو السكاني واستحالة التطوير السياسي، جعلا النظام والمجتمع في العالم الاسلامي يُلقيان على العالم الأغنى بالمسؤولية عن التخلف والعجز.
في غياب الأمل السياسي، استغلت منظمات الرفض، من دينية حاليا ويسارية سابقا، الفرصة لترويع مجتمعها والعالم بعمليات عنف جماعي، متعاونة في نشر ثقافة الكراهية لعالم «الكفار» مع التنظيمات الدينية التي تقول إنها سلمية ومعتدلة.
الإرهاب الجماعي ظاهرة عالمية بعد اختفاء الدول الكبرى، وبعد استفراد الدولة الأكبر العالم لتفرض عليه رؤاها بقوتها العسكرية، وتعجز عن التجاوب مع حاجاته ومطالبه بسبب انحيازها، وبسبب قوى الضغط المصلحية التي تتحكم بساستها ومؤسساتها وحكومتها.
نعم، ما زال قتلى حوادث الطرق، حتى في بلد صغير كلبنان أو نيبال، يفوق سنويا ضحايا العنف السياسي والديني في العالم كله. لكن المشهد التلفزيوني بدمويته وفجائيته يملأ الإنسان التلفزيوني المعاصر بمشاعر متناقضة بين الألم والغضب والحزن والقلق، ويغير اتجاهات المجتمعات والشعوب بين ساعة وأخرى إزاء أنظمتها وحكامها، بل إزاء العلاقات بينها.
في فاتحة كل مئوية سنوية حديثة، اجتاحت العالم كوارث سياسية وبيئية مروعة. افتتح العالم القرن التاسع عشر بالثورات البورجوازية في أوروبا والولايات المتحدة. في فاتح القرن العشرين، أطل الإرهاب السياسي الفردي، والاستعمار العنصري، وأمراض السيفلس والزهري. مع القرن الحادي والعشرين، يطل العنف الجماعي مع أمراض جنسية أشد خطراً.
منظمات العنف روعت العالم بدمويتها، لكن لم تستطع ان تحكمه، انما المخيف فيها أنها مهدت الطريق لحروب إقليمية وعالمية، أو لوصول أنظمة شمولية قمعية. لم يستطع إرهابيو القرن التاسع عشر الروس إسقاط النظام القيصري. فعل ذلك الثوار البولشفيك الذين أنجبوا ستالين وماو، اللذين كانا أكثر دموية من المنظمة الإرهابية. وفجر الإرهابي الصربي الذي اغتال ولي عهد امبراطورية النمسا حربا عالمية فتكت بالملايين، وانتهت بغياب الامبراطورية وتغيير خريطة «أوروبا السياسية».
منظمة العنف الديني اليوم غير قادرة على اسقاط النظام والحلول محله. الإرهاب ليس بثورة. فهو مكفر ومعاد للمجتمع وللنظام، ولا يملك برنامجا سياسيا مقنعا للذين يرهبهم في الداخل أو الذين يكفرهم في الخارج. فشل الملا عمر وابن لادن في حكم افغانستان. نظام الخميني فقد شعبيته في ايران. خسر الإرهابيون بسبب دمويتهم تأييد الجزائريين، وطُرد الأصوليون الترابيون من «جنة» الحكم في السودان.
إذا كانت منظمة الإرهاب عاجزة عن الوصول الى الحكم، فما هي النتائج السياسية المترتبة عن عنفها في العالم، وفي المجتمع؟
أحسب أن العالم يتجه في المستقبل المنظور الى مزيد من الفوضى. القمع الرسمي أو الدولي لا يكفي لاستئصال العنف، مع تغييب الحل السياسي للمشاكل القومية التي يستغلها العنف الديني. لا بد من تلبية الأماني القومية العادلة لتجمعات بشرية كبيرة، كالعرب في فلسطين، والسود في جنوب السودان، وكالكرد في تركيا والعراق وايران، ثم شعوب القفقاص أيضاً.
غير أن الحل السياسي يصطدم غالبا بالعجز الرسمي. هذا العجز بعضه غير مفهوم. فهو توراتي خرافي في الضفة وغزة. وهو عجز مفهوم في روسيا: لو منح بوتين شيشينيا الاستقلال التام لتحركت مائة قومية وأقلية لتطالب بالاستقلال والانفصال. تحملت روسيا بروح سلمية وحضارية انفصال اوكرانيا وروسيا البيضاء. اذا كان صعبا فصل الحديقة القفقاصية الخلفية عن البيت الروسي، فلا بد لها من حريات سياسية واجتماعية لتمارس تطوير مخلوقاتها، وابقاء الشأن السيادي كالدفاع والسياسة الخارجية في موسكو.
كسب فلاديمير بوتين شعبية كبيرة عندما احتوى فوضى الديمقراطية في عهد غورباتشوف و«معلمه» يلتسين. فقد أعاد شيئا من الانضباط والنظام الى المجتمع، وقلم اظفار الطغمة اليهودية التي اشترت القطاع العام الروسي بسعر التراب، ووضع كبيرها خودوركوفسكي وراء قضبان العدالة. غير ان خلفية بوتين المخابراتية تجعله قاصرا عن حل مشكلة القفقاص. فقد قابل العنف الدموي بقمع رسمي مروع استهدف المدنيين الشيشان، ونصَّب وكلاء شيشانيين لا يتمتعون بشعبية أو كفاءة، عبر انتخابات زائفة. من هنا يمكن فهم العنف الجماعي المقابل للقمع الرسمي.
المقاومة النبيلة لا تلجأ الى العنف اللاإنساني. لم يخطف الجزائريون والفيتناميون طائرة، ولم يحتلوا مدرسة غاصة بأطفال ليسوا بمسؤولين عما يفعله آباؤهم في شيشينيا. العنف اللاأخلاقي قوبل باقتحام حكومي غير مبال بحياة أطفال ومعلمين روس. دليل آخر على انصراف عقل بوتين الأمني عن الحوار وعن السلم العادل في شيشينيا. مطالبة بوتين بحل سلمي في شيشينيا لا تلغي مسؤولية العرب. ثقافة الكراهية التي مارسها إعلاميون ومثقفون ودينيون ورسميون عرب ضد روسيا هي التي ساعدت وساهمت في دفع «الأفغان» العرب الى شيشينيا لخوض حرب من أجل الحرب، وليس لحرب من أجل السلم، حرب عبثية دمرت شيشينيا، وجعلتها خرابة أفغانية ومغارة لمحترفي الإرهاب.
وجود جالية جركسية ـ شيشانية مؤثرة ونافذة، في الاردن مثلا، لا يعفي العرب من ضرورة فهم استحالة منح شيشينيا الاستقلال، ومن مسؤولية تمويل الحرب بالمال والرجال. لقد خسرنا بثقافة التكفير والخطف والذبح آسيا واميركا، وبعدهما روسيا.
استراتيجية ابن لادن والظواهري تقوم على استعداء «الكفار»، وحسم حرب الحضارات والأديان معهم بجذبهم الى خوضها في «ديار الإسلام»! لقد تسببت الحروب الصليبية في تدمير البيت العربي وتأخره ثقافيا ودينيا وتقنيا. ازدهرت أوروبا عندما نزعت نير الكنيسة عن العقل والمدرسة. ماذا لو استعادت اميركا وأوروبا من فرنسا الى روسيا ذاكرتها الدينية، وعهدتا الى البابا قيادة حرب إفناء تُستخدم فيها أسلحة غير تقليدية في مواجهة مليار مسلم من أبناء وأحفاد الظواهري وابن لادن، يعيشون على ثقافة الكراهية التكفيرية والحروب الدينية العبثية؟
هذه المواجهة قد لا نشهدها نحن أبناء القرن العشرين لكنها ليست احتمالا بعيدا في هذا القرن أو غيره، إذا ما ضاق عالم أقوى بعالم اسلامي تستمر تربيته في بيئة مغلقة ثقافيا واعلاميا وتعليميا، بيئة معادية وكارهة للغير، بيئة يصعب استيعابها باحتلال أو استعمار، كما في الحالة العراقية.
الإسلاميون «المعتدلون» الذين دعوا لنصرة «مجاهدي شيشينيا»، ونظموا حملات ظاهرة ومستترة لتمويلهم، هؤلاء الاسلاميون الأفاضل هم أيضا مسؤولون عن استمرار حرب مجنونة تقتل أطفال المؤمنين والكفار على حد سواء بلا إنسانية وبلا أخلاقية.