(...) نحن في سوريا نقبل ان يقول لنا اي لبناني اخرجوا أو لا تخرجوا، ورئيس وزراء لبنان اخرجوا أو لا تخرجوا، ورئيس نواب لبنان وحتى أي مواطن في لبنان يمكن ان نقبل منه هذا الكلام، ولكن لا يمكن ان نقبله من مواطن عربي فلسطيني .
(حافظ الاسد في خطاب 1976 الشهير)
ثمة وجهان لـ القضية اللبنانية لا يغيبان عن بالي، ولا يمحيان من ذاكرتي. الاول رسم كاريكاتوري في الهيرالد تريبيون ، على ما أذكر، عن مأساة اللبناني في الحرب عام 1975 تمثّلت في آلة فرم اللحم اليدوية التقليدية، وقد تناول اللبناني بيد، الذراع التي تدير الآلة بينما وضع يده الاخرى في جرن الآلة وراح يفرم نفسه!
أما الوجه الثاني فهو شهادة للدكتور شارل مالك أدلى بها في الفترة عينها أمام احدى لجان مجلس النواب الاميركي وقال فيها ان لبنان مريض جدا وبات عاجزا عن انقاذ نفسه، وهو يصر على رفض تناول الأدوية المختلفة التي وصفها له الاطباء، لذلك يجب انقاذه بالرغم عنه .
واننا لنتساءل، بعد المسرحية الهزلية التي مُدد فيها عهد الرئيس لحود ثلاث سنوات بالطرق التي نعرف، من تعديل المادة 49 من الدستور، الى ضغوط سورية على النواب لإنجاز هذه المهمة التي قيل إنها تخدم دمشق في مواجهة واشنطن، نتساءل: هل جاء قرار مجلس الامن 1559 في اطار انقاذ لبنان من التبعية السورية بعدما تعذّر عليه اخراج القوات السورية من أراضيه ووضع حد للتدخل الخارجي في شؤونه الداخلية بوسائله الخاصة، ونعني بها اتفاق الطائف؟
ان القنابل الدخانية الكثيفة التي أطلقها السوريون وتلقفها أتباعهم وحلفاؤهم اللبنانيون ونشروها في الاجواء، قد حاولت حجب الرؤية الواضحة للمطارنة الموارنة وللبطريرك الماروني الذين بدد نداؤهم كل السحب التي كان التمديديون نفخوها في الفضاء اللبناني.
فالذي يطلع على القرار 1559 ويتمعن فيه جيدا، من مسودة المشروع الى النص النهائي للقرار الذي أزيلت منه كل اشارة الى سوريا و حزب الله وهو مفصّل أساسا على قياسهما ولا قيمة له بدونهما يجد انه ترجمة للنداء الخامس للمطارنة الموارنة الذي صدر في الاول من ايلول، وللعظة التي القاها (الأحد) البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير قبله بأيام.
لذلك لا مبرر للهيصة الدائرة منذ اقرار القرار الدولي، بانه قرار صهيوني يخدم أغراض اسرائيل، وانه جزء من مؤامرة اميركية اسرائيلية لفك المسار الموحّد اللبناني السوري، ولعزل سوريا مجددا، وانهاء دور المقاومة، واقامة صلح منفرد مع اسرائيل، مما يوحي استطرادا ان معارضي التمديد للرئيس اميل لحود، هم خونة و عملاء لاسرائيل وللاستخبارات المركزية الاميركية الخ...
يضاف اليها دفق التفلسف والعبقرية من كل من قرأ مقالا في القانون الدولي فأصبح مرجعا في هذا القانون، وهم من خبراء الامم المتحدة وعلمائها حول دور الامم المتحدة في حماية الدول الصغيرة المهددة بأمنها واستقلالها وسلامة أراضيها، وإن اعتبرت هذه الحماية بمثابة تدخل في شؤونها الداخلية تماما كما حصل في تيمور الشرقية، والآن في دارفور السودانية حيث يقال ان العالم كله يتدخل لانقاذ مجموعة قبائل افريقية غير عربية من نظام عربي في الخرطوم يضطهد هذه القبائل بواسطة ميليشيا يطلق عليها اسم الجنجويد وقد تسبّبت تلك في هجرة مئات الالوف في اتجاه الدول المجاورة... ومع ذلك لا تحتج حكومة الخرطوم، بل تتعاون مع الامم المتحدة التي منحتها شهرا لنزع سلاح الميليشيات واعادة الامور الى نصابها في الاقليم المنكوب.
ماذا قال المطارنة في ندائهم الخامس، لا وجود لمثله في قرار مجلس الأمن؟
كذلك ماذا قال البطريرك الماروني أخيرا، لا صدى له في القرار المذكور؟
قال المطارنة ما موجزه:
-- تعديل الدستور يتم خلافا للدستور.
-- دمشق استعملت الاكراه والتهديد والوعيد مع النواب لاتخاذ مواقف لا يريدونها.
-- أدى افساد النظام الديموقراطي الى عجز الشعب عن المجيء بمن يريده لتمثيله في مجلس النواب.
-- ثمة من يفرّق بين المسلمين والمسيحيين بالتهديد والوعيد.
-- الكلمة الاولى في لبنان ليست للبنانيين، بل للسوريين.
-- دمشق تتعامل مع لبنان على أنه اقليم سوري.
-- سوريا هي التي تأمر وتنهى في لبنان. هي تعيّن الحكام، وتنظم الانتخابات، وتأتي بمن تشاء، وتتدخل في جميع مرافق لبنان، من ادارة وقضاء واقتصاد، وخصوصا سياسة، وتساوم على المصلحة اللبنانية في المحافل الدولية.
- الشعب اللبناني، ولا سيما الشباب من أبنائه يهاجر بأعداد كبيرة.
وإذ يسأل النداء من المسؤول عن كل ذلك، يأتي الجواب: نقولها ببساطة، ان سوريا مسؤولة وحدها عن لبنان منذ دخلته عام 1976 .
ان قراءة سريعة للقرار 1559 توحي ان المجتمع الدولي لا يستطيع الوقوف مكتوفا أمام الصورة البشعة لوضع اليد السورية على لبنان المستقل والعضو المؤسس للأمم المتحدة والمشارك بواسطة واحد من كبار مفكريه الدكتور شارل مالك في الميثاق، وكذلك في شرعية حقوق الانسان. وان القرار المشار اليه هو أقل المطلوب لبلد قال أحبار كبار فيه ويؤيدهم رجال دين كبار آخرون من طوائف أخرى كبرى كريمة: ان ما أوصلنا الى هذه الحال المزرية هو افساد النظام الديموقراطي الذي يتميز به بلدنا. فالشعب لا يقوى على المجيء بمن يريده لتمثيله في مجلس النواب، ولا يستطيع محاسبته او مساءلته اذا أساء الامانة. ومن جاهر برأي يخالف الرأي الرسمي لوحق وقُبض عليه، وناله ما يكره، والانقسامات باعدت بين الصفوف... .
فماذا يفعل المجتمع الدولي لانقاذ لبنان من براثن سوريا، وخصوصا بعدما تخلى عنه العرب، وطردت دمشق قوات الردع منه، وأزاحت كل المقاومات الوطنية غير المنتسبة اليها والى حزب الله ، بعدما كان العرب وافقوا على سلخ جزء من أرضه الجنوبية ومنحوها للفلسطينيين تحت اسم فتح لاند ؟
هل يُترك لبنان يموت، وأهله في الشتات الذين يزيد عددهم على ستة ملايين، ينتظرون بفارغ الصبر العودة اليه؟
لقد قال هؤلاء اللبنانيون: لا، لبنان لن يموت . وهذه المفاجأة تجاهلها مصارعو طواحين الهواء الدولية. فالقرار 1559 هو قرار لبناني ، صيغ بأيد لبنانية، وأُقنعت الدول الكبرى في مجلس الأمن بتبنيه.
وهذا انقلاب حصل، وهو حقيقي.
فقد استطاعت مجموعة مؤمنة باستقلال لبنان وسيادته وقراره الحر، الوصول الى الكونغرس الاميركي، والى البيت الأبيض والامم المتحدة، وخصوصا الى مجلس الامن، وشارك أفراد منها في الجلسة التي أقر فيها القرار 1559، وكان لهم رأي في عدم الاشارة الى سوريا و حزب الله في القرار، على أساس انه البداية في العمل لاستعادة السيادة، واخراج القوات غير اللبنانية من الاراضي اللبنانية، تمهيدا لعودة مهجري الشتات الى أحضان الوطن.
وهذا دليل دامغ على ان صرخة الراعي الكبير لم تذهب في برية، وأنه عندما قال صباح الاحد 30 آب ان لبنان يبدو كأنه أصبح كرة قدم تتقاذفه المصالح الاقليمية والدولية، وكأن أبناءه باتوا غرباء عنه لا رأي لهم ولا شأن في أمورهم الوطنية، وكأن المعنيين بهذا الحدث مباشرة قد صودروا ليدلوا برأي مفروض عليهم، فأطاعوا صاغرين ، عندما قال هذا كان العالم يصغي اليه.
أما موقع الرئاسة الذي واظب البطريرك على المحافظة عليه، فوفّر رئيس الجمهورية في انتقاداته، فها هو ينحدر الى أدنى درجاته، بالغاً اقصى حالات التبعية، والرضوخ حتى عدم القدرة على رفض التمديد اذا صح ما يقال ان التمديد قد فُرض هو الآخر على الرئاسة الاولى، ولم تكن لها القدرة على رفضه، فاذا بها هي ايضا مشمولة بوصف الراعي بأنها تحولت كرة قدم تتقاذفها الأرجل، ويا للأسف، استناداً الى قواعد اللعبة !
وثمة ما يعزّي في هذا المأتم الكبير للديموقراطية، ان اللبنانيين لم ييأسوا من امكان انتصار وحدتهم على اللاعبين الكبار والصغار. وهم لم يكونوا يوماً موحّدين أكثر مما هم اليوم، رغم الضغوط الهائلة التي تتعرض لها قياداتهم، الدينية والسياسية.
ويزيد من توحدهم تمسكهم بالدستور الذي هو رمز لتلاحمهم وعيشهم المشترك، أكثر مما هو ناظم لعمل مؤسساتهم.
ولا يخيفهم تهديد بإحصاء او استفتاء، وهم الذين غلبوا التقسيم بجماجم الشهداء!














التعليقات