حازم صاغيّة: «الاستقلال اللبناني الثاني»
مظاهرة الاثنين الماضي في بيروت وجدت من يصفها بالاستقلال اللبناني الثاني وبتجديد الوطنية اللبنانية. وهي أوصاف لا تجانب الصواب كثيراً، ولا يطغى الفولكلوري فيها على الواقعي، ولا المبالغة على الواقع.
فالاستقلال اللبناني الأول، في 1943، كان تسوية بين زعماء الطوائف وقادتها، من دون أن يكون الدور الذي لعبته المشاركة الشعبية حاسماً. أما اليوم، وكما رُدّد كثيراً، فإن الزعماء والقادة هم من يلهث وراء الحركة الجماهيرية الضخمة. وهي حركة يمكن ردّها الى مواقع اجتماعية ومهنية حديثة (طلاب، نقابيون، تجار...) كما إلى مرتكزات واضحة في المجتمع الأهلي (قرى، مناطق، عائلات...). وهذا جميعاً ما يجنّبها الرثاثة والاقتلاع مما اتسم به غالب، بل كل، الحركات الجماهيرية في مجتمعات غير مصنّعة وغير مؤطّرة مهنياً. وتحت وطأة الرثاثة والاقتلاع هذين كانت الحركات المذكورة تنساق إما الى العنف الأعمى أو الى الاستبداد.
أما التحالف الطائفي الذي وسم الاستقلال الثاني فأوسع من ذاك الذي ارتبط بالاستقلال الأول وأعرض. وهو، تبعاً لسمته تلك، تحالف مفتوح لا يُخفي عدم اكتماله. وهذا تحديداً ما تنمّ عنه المناشدة الدائمة لـ«حزب الله» بالتحول حزباً سياسياً تتسع له الحياة السياسية والمؤسسية بعد زوال الأسباب التي أوجبت حمل السلاح. فهنا، يلوح في سلوك المعارضة اللبنانية، وآخر تجلياتها خطاب السيدة بهية الحريري، شيء من سلوك «المؤتمر الوطني الافريقي» وقائده مانديلا في محاولتهما دمج «حركة حرية إنكاثا» وزعيمها بوثيليزي في الحياة السياسية لجنوب افريقيا ما بعد العنصرية.
وإذا كان الاستقلال الأول في 1943 عملاً وطنياً بحتاً، بمعنى أنه نتاج خطوتين من الابتعاد عن دائرتي التأثير الخارجي في لبنان، فالاستقلال الثاني، الى وطنيته، تقدمي. فهو، بالتالي، ينطوي على إشكالية أعقد. وهي سمة تنجم عن طبيعة التناقض الذي يتصدى الاستقلال الراهن لحلّه. ذاك أنه في صدوره عن مناهضة «الدولة الأمنية»، وفي صدامه مع نفوذ عسكري خارجي هو امتداد لنظام استبدادي، يصبغ وطنيته بلون تقدمي وبديموقراطية مؤكدة. وهذا ما قد يميّزه طويلاً عن الحركات التي نشأت وطنيتُها عن رفض الاستعمار الغربي، ثم انقادت تدريجاً الى رفض الديموقراطية والمؤسسات التمثيلية، والى تمجيد ما هو «أصيل فينا» من قيم بائدة وعلاقات متخلفة. وتشير، في المقابل، المطالبة الحالية بإجراء تحقيق دولي الى أن هذا الاستقلال الثاني محكوم بأن لا يكون شوفينياً وبألاّ يغالي في الإعجاب بما هو «وطني» حتى لو كان قضاءً فاسداً. وليس من الصعب أن نلاحظ أن الاشارات العنصرية وشبه العنصرية التي تحفّ بالمناسبات الوطنية التي من هذا النوع، سريعاً ما تجد في لبنان من يتصدى لها ويحاول ردعها، بين المثقفين كما بين السياسيين أنفسهم. وهو ما يشير الى يقظة مدنية ونقدية غير معهودة في المناسبات الوطنية عموماً.
لقد حصل الاستقلال الأول في ظرف تاريخي محدّد هو انتهاء الحرب العالمية الثانية والتمرين على الدخول في الحرب الباردة. وقد توازى هذا السياق عربياً مع قيام دولة اسرائيل وانبعاث الراديكاليات العسكرية العربيّة، ما فتح أعرض الأبواب لتعريب الحرب الباردة. وهذه، على العموم، صراعات انتهى معظمها فيما يؤول بعضها الى الانتهاء. أما المعارك الراهنة، خصوصاً منها ما تعلق بمكافحة الاستبداد والإرهاب، فتتشارك في خوضها جبهات أعرض من الجبهات السابقة، وهي جبهات قوية في العالم العربي نفسه بما لا يعرّض وحدة اللبنانيين لامتحانات قاسية.
وهذا جميعاً يقوّي حجة القائلين بأن الاستقلال اللبناني الثاني يملك طاقة تمكّنه من الاندراج في سياق ثورات أوروبا الوسطى والشرقية التي كانت قضيتها الأم إنهاء التوتاليتارية.















التعليقات