قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

غرائب وتناقضات تنافس قوائم المرشحين
ممثلو العراق يقودون الحملة والسياسيون اختفوا

أسامة مهدي من لندن: تبدو الحملة الانتخابية لعملية الاقتراع المقررة الأحد المقبل واحدة من الظواهر التي تحمل في طياتها غرائب أصبحت إحدى سمات المشهد السياسي العراقي الحالي إذ يظهر على شاشات التلفزيونات العراقية والعربية ممثلون ومغنون عراقيون يروجون للعملية ويدعون للتصويت لهذه القائمة الانتخابية أو تلك من دون خوف من انتقام إرهابي في وقت يتخفي فيه آلاف المرشحين ويمتنعون عن نشر صورهم أو حتى أسمائهم التي ظلت طي الكتمان بالرغم من أن أربعة أيام فقط تفصل العراقيين عن يوم الانتخابات.

وفي غياب حملات انتخابية حقيقة عامة للاتصال بالجمهور مباشرة، فإن العراقيين يتبعونها من على شاشات التلفزيون التي بدأت تظهرعليها اليوم مقاطع دعائية لأحزاب جديدة بعدما انفردت القائمة العراقية لتحالف رئيس الوزراء إياد علاوي بالدعاية خلال الأيام الماضية بدخول مباشر من علاوي نفسه الذي عادة ما يظهر بنفسه وأعد العراقيين بقيادة قوية ووطن أمن.

وعدا عن ظهور علاوي بنفسه في أفلام دعائية عن بناء جيش قوي ومحاربة البطالة وتقديم رعاية صحية وتعليمية ناجزة، فإن قادة القوائم الأخرى اختفوا عن الظهور، إذ دشن علاوي ظاهرة عربية هي الأولى من نوعها، يظهر فيها كمسؤول بهذا المنصب الكبير للدعاية لقائمة مرشحيه من على شاشات التلفزيون.

ويؤكد علاوي في إحدى هذه الإعلانات "من أهم أولوياتي إعادة الأمن والاستقرار إلى العراق وتعزيز حماية الحدود لمنع تسلل الإرهابيين إلى داخل وطننا العزيز" فيما تؤكد أم سعد في الإعلان ذاته وهي سيدة تقطن في بغداد وظهرت واقفة خلف إبنها الذي كان يحمل كرة بيده ونظراته زائغة "هذا هو السبب لاختيار القائمة 285" التابعة لحركة الوفاق الوطني بقيادة علاوي.

ويقدم علاوي في دعايته الانتخابية العديد من الوعود مثل "سنعمل علي خفض معدلات البطالة من خلال توفير 250 ألف فرصة عمل جديدة في القطاعين العام والخاص عن طريق استثمار عائدات النفط". ويردد ساجد وصالح اللذان يقدمهما الإعلان على إنهما من سكان الكوت صوتًا واحدًا "هذا هو السبب" في التصويت لعلاوي.

وبدأت تظهر على التلفزيونات العربية خاصة قائمة عراقيون للرئيس العراقي غازي الياور التي ترفع شعار "الكرامة .. الأمن .. العدل" ثم تظهر طفلة تضع العلم العراقي في صندوق التصويت.

كما أن القنوات العربية بدأت تبث إعلانات لقوائم انتخابية أخرى بينها اللائحة 169 المنافس الرئيسي لعلاوي "الائتلاف العراقي الموحد" المعروفة بالقائمة الشيعية التي تضم أحزابًا وشخصيات شيعية تحظي بدعم المرجع الشيعي آية الله العظمي علي السيستاني.

وتقول سيدة عجوز شيعية ترتدي عباءة سوداء "آه آه من ظلم الظالم. يا ناس نريد صياغة دستور يضمن حقوقنا ومستقبل أطفالنا . . يضمن لنا أمان أكثر إذ عجز البقية". وتتقدم العجوز إلى صندوق اقتراع أضيء رمزيًا بشمعة وتضع فيه ورقتها الانتخابية. وتركز الكاميرا علي علامة قاطع ومقطوع حمراء تشير إلى قائمة الائتلاف. وقائمة الائتلاف العراقي الموحد التي يطلق عليها القائمة الشيعية والتي تتخذ من الشمعة شعارًا لها تعد بعراق ديمقراطي فيدرالي دستوري موحد مزدهر للشباب نصيب كبير منه ويقول المذيع خلال عرض صور مشوهة لصدام حسين ومقابر جماعية وتظاهرات ضخمة "إمنحوا صوتكم للائتلاف العراقي الموحد".

ثم ظهرت اليوم للمرة الاولى قائمة التحالف الكردستاني التي رفعت شعار العراق وطننا ومشهد لطفل تضعه والدته في فراشه ليحلم باللهو بمدينة للألعاب بهدوء وسلام ترافقه عبارة "العراق وطننا مستقبله الزاهر يهمنا".

وتوزعت الدعاية الإنتخابية على منشورات يتم إيصالها إلى البيوت في المناطق الآمنة نسبيًا ورفع اللافتات والملصقات الملونة التي تحمل صور قادة القوائم الانتخابية التي وصل عددها الى 111 قائمة وأرقامها وشعاراتها وهي تقدم وعودًا للناخبين بالأمن والاستقرار والإعمار وتوفير فرص العمل والخدمات العامة وهي شعارات تلامس احتياجات العراقيين الحياتية اليومية أكثر من الوعود بالديمقراطية والتعددية وحرية الرأي.

وقبل هذه الحملة الانتخابية بستة أشهر، باشرت هيئة غير رسمية يطلق عليها "مجموعة عراق الغد" شعارها "العراق: طن واحد .. مستقبل واعد" والتي يملكها الطبيب ورجل الأعمال العراقي حاتم مخلص حملة إعلامية محايدة اتصفت بالحرفية العالية على صفحات الصحف وشاشات التلفزيون تتضمن صورًا وشعارات ومقاطع فلمية تدعو "لمستقبل واعد" وتؤكد على وحدة العراقيين ونبذ الخلافات فيما بينهم .. واشتهر بين العراقيين فيلم مؤثر قصير يصور أربعة فصائل عراقية مختلفة تتجه للصدام فيما بينها لكن صبيانًا صغارًا يخرجون من بين صفوفهم يبدو أنهم أصدقاء فيتصافحون ويتعانقون ليظهر الخجل على وجود الكبار فيضطروا لحذو حذو صغارهم فيتبادلوا القبلات متصالحين.

ومع اقتراب موعد الانتخابات باشرت هذه المجموعة حملة واسعة رفعت شعار "انتخب العراق" وتظهر مصوتين يضعون في صناديق الانتخابات شعارات مثل الأمن والعدالة والمستقبل والازدهار وحقوق الإنسان والحرية .. وبالرغم من أن مخلص يقود كيانًا سياسيًا يطلق عليه "الكتلة الوطنية" إلا أنه لم يعرض أي دعاية لقائمته الانتخابية.

وأبلغ عراقيون يتابعون الحملة الانتخابية "إيلاف" أن هذه المجموعة تضم إداريين ومتخصصين عراقيين ولبنانيين وتقوم بإنتاج موادها الإعلامية في لبنان إضافة إلى قيامها بتوزيع ربع مليون حقيبة تحتوي على قمصان طبع عليها علم العراق وأقلام ودفاتر حيث تنتشر ملصقاتها الضخمة في شوارع المدن وساحاتها العامة في طول العراق وعرضه باللغات العربية والكردية والتركمانية لكن هؤلاء العراقيين نفوا علمهم بالجهة التي تعاقدت معها هذه المجموعة لإنجاز حملتها الإعلامية وفيما إذا كانت أميركية أو عراقية رسمية.

أما المفوضية العليا المستقلة للانتخابات فقد تعاقدت مع شركة "كوديا" العراقية لإنتاج فقرات دعائية تلفزيونية اتخذت من ميزان العدالة شعارًا لها وتقدم معلومات تعرفية بأهداف المفوضية وإنجازاتها وتشكيلاتها.

وإذا كانت التلفزيونات العربية تقدم الفقرات الدعائية المدفوعة، فإن تلفزيون العراقية وصحيفة الصباح وراديو العراق الممولين من الحكومة العراقية بقدمون فقرات دعائية مجانية للقوائم الانتخابية ومرشحيها العاجزين عن تمويل حملاتهم الانتخابية ماديًا.

ويبدو أن قناتي "العربية" السعودية ومقرها دبي و"إل بي سي" اللبنانية ومقرها بيروت قد حصلتا على نصيب الأسد من مردود هذه الحملة الانتخابية للأحزاب الكبيرة القادرة على الدفع وفي مقدمتها أربع قوائم هي القائمة العراقية لعلاوي وقائمة الائتلاف "الشيعية" وقائمة عراقيون للرئيس الياور ثم قائمة التحالف الكردستاني للحزبين الكرديين الرئيسيين بقيادة مسعود البارزاني وجلال الطالباني.

ولاحظ المتتبعون للحملة الانتخابية ظهور ممثلين وفنانين مخضرمين معروفين في مقاطع فلمية تدعو لهذه القائمة أو تلك وتحظ العراقيين على المشاركة في الانتخابات، ويظهر في واحدة منها الممثل المعروف خليل الرفاعي وهو يحدث حفيده عن أهمية المشاركة في الانتخابات وتفويت الفرصة على الإرهابيين من منع العراقيين ممارسة هذا الحق الأساسي من حقوقهم ويتساءل قائلًا "مستقبل بلدي لايتقرر من دوني" .. كما يظهر الممثل الشهير راسم الجميلي يقلب صحفًا يقرأ فيها البرامج الانتخابية وإلى جانبه صديق له يتفقان فيما بعد للتصويت لقائمة علاوي لما تقدمه من وعود.

وفي مقاطع أخرى تقدم إرشادات للتسجيل وتدقيق المعلومات يظهر الممثلان المخضرمان شكري العقيدي وازادا دوهي في مشهدين يحثان على التسجيل والانتخاب ويظهران للمشاهدين الاجراءات المطلوبة لتدقيق المعلومات الشخصية ومراجعة مكاتب مفوضية الانتخابات لتصحيحها إذا حملت أخطاء معينة.

كما يشارك الفنان العراقي المعروف الهام المدفعي بترديد أغنية "موطني" مع عزف على العود يصاحبه عرض لأشهر المعالم الأثارية والمعمارية العراقية. عراقيون علقوا على هذا بالقول إن الفنانين يبدون أكثر شجاعة من السياسيين المرشحين للانتخابات والذين بلغ عددهم 7471 مرشحًا لايعرف العراقيون شيئًا عن غالبيتهم الساحقة ناهيك عن وجوههم خوفًا من عمليات انتقامية تقوم بها الجماعات المسلحة التي تحشد قواها لإفشال العملية الانتخابية فيما يظهر الفنانون من دون خوف وهم المعروفين من ملايين العراقيين الذين يتتبعون أعمالهم الفنية للترويج لعملية الانتخابات.

ويؤكد نخله الحاج مدير الأخبار والبرامج في "العربية" أن القناة "محطة إخبارية وكذلك تجارية هدفنا تجاري كل الاعلانات مدفوعة". ويضيف في تصريح صحافي "لرفع كل التباس نضع على الشاشة عبارة (مادة إعلانية)، العربية ليس لها هدف سياسي المحطة لها معايير مهنية". وقال "اعتقد أن إقبال اللوائح الانتخابية علي العربية ناتج عن الانتشار الواسع للمحطة في العراق" مشيرًا إلى أنه "كل يوم نتلقى اتصالات من قوائم جديدة".

أما قناة الجزيرة القطرية والتي تحظى بنسبة مشاهدة عالية في العالم العربي غير أنه تم إغلاق مكتبها في بغداد في آ (أغسطس) الماضي من قبل الحكومة العراقية بعد اتهامها بالتحريض علي العنف فهي في وضع مختلف. وقال الناطق باسم الجزيرة جهاد بلوط لوكالة الصحافة الفرنسية إن "سياستنا العامة تقتضي بألا ندخل طرفًا في أي عملية سياسية بحد ذاتها" من دون الإشارة إلى ما إذا كان مرشحون اتصلوا بقناته. وأضاف "ننظر لكل طلبإاعلاني على حدة، ننظر إلى كل إعلان تجاري يعني إعلان مسيس علي حدة. ندرس كل طلب وفقًا لمقوماته".

وتنشر إعلانات انتخابية مماثلة علي تلفزيون المؤسسة اللبنانية للإرسال (إل بي سي) اللبنانية التي يملك الملياردير السعودي الوليد بن طلال 94% من أسهمها منذ كانون الأول (ديسمبر) عام 2003.

ويرى المحلل العراقي علي عبد الأمير علوان أن "الإعلانات في العالم العربي خاضعة لقرارات سياسية ولا يمكن أن تتجاوز القرار السياسي". ويوضح "الحكومات العربية خاضعة تمامًا للإدارة الأميركية. الحكومات العربية تدفع كلها باتجاه إجراء الانتخابات وفي مؤتمر شرم الشيخ وفي القاهرة وعمان دعت الحكومات العربية الى إجراء الانتخابات في وقتها". ولم يستبعد علوان تمويلًا أميركيًا لهذه الإعلانات وقال إن "التمويل قد يكون أميركيًا لأن أميركا رصدت للانتخابات مئات الملايين من الدولارات".