الحلقة الثانية من حوار مع/
الناقد التونسي د. حسين الواد

&
تونس إيلاف من حكمت الحاج: في هذه الحلقة، يواصل د. حسين الواد، أستاذ المناهج الحديثة في دراسة الأدب, بجامعة تونس، حديثه إلينا عن علاقة حركة الطليعة التونسية بالجامعة، بعد أن حدثنا في الحلقة السابقة عن ملابسات نشوء واندثار أهم حركة رجت سواكن الأدب التونسي المعاصر. والدكتور الواد، الى ذلك، ناقد وباحث له اسهاماته المهمة على المستوى النقدي في الحقل الأكاديمي وكذلك الحر. وكنا التقيناه بتونس العاصمة للحديث عن النقد والتراث والجامعة و"حركة الطليعة" وإشكاليات الأدب التونسي الحديث، من موقعه كمساهم فعال في كل ما تقدم ذكره من معطيات، فكان هذا الحوار الذي نقدمه على حلقات:
&
"الطليعة" والجامعة
&
- من موقعك، وقبل الخوض في موضوع العلاقة بين حركة الطليعة والجامعة التونسية، هلا حدثتنا عن ذاك الصرح الأكاديمي العتيد؟
- البحث عن موقع قدم في الجامعة أعسر من البحث عنه في الشارع الثقافي. فالجامعات، خلافا لما يعتقده كثير من الناس، من أشد المعاقل تمسكا بالمحافظة. والأساتذة الجامعيون، في معظمهم من أكثر أهل المعرفة تشبثا بالقديم وأقربهم إلى التحجر والجمود. ألا ترى أنهم في كليات الآداب مثلا، وإلى زمن قريب جدا من أيامنا، لا يدرجون في المسائل التي يدرسونها إلا الأعمال التي مات أصحابها. ثم أن الجامعات قلما تخلق جديدا، بل أنها، في جلها، عندما يظهر جديد تظل تنظر إليه بعيني الريبة والتوجس، فإذا فرض الجديد نفسه أو أصبح قديما أقبلت على درسه فهي في العالم المتأخر مؤسسات متأخرة عن زمانها. وهذا رغم أن النصوص القانونية التي تنظم التعليم العالي، تجعل الأستاذ الجامعي مدرسا وباحثا في نفس الوقت. إلا أن الذين يقومون بالبحث العلمي من الجامعيين قلة قليلة. أما السواد الأعظم منهم فيكتفي بتلقين الطلبة معارف أخنى عليها الدهر، يتم نقلها في الغالب، نقلا غيبيا من هذا المؤلف أو ذاك. وحتى إذا رغب الأستاذ الجامعي في البحث فإنه لا يجد متوفرا من الوثائق إلا القديم أو المتقادم، فضلا على أن مؤلفات ووثائق أخرى كثيرة تمنعها الرقابة من الوصول إلى المكتبات العامة أو المكتبات الخاصة. وإلى جانب ان الجامعات معاقل محافظة، فإن هنالك عوامل موضوعية وذاتية كثيرة تحول دون اضطلاع الجامعيين بمهامهم وتحجر عليهم أن يقيسوا قامتهم على قامة نظرائهم في البلدان الأخرى، وتحرم شعوبهم من الاستفادة من عطاء فكري أصبحت مع الثورات المعرفية المشاهدة، تحتاج إليه احتياجا كبيرا.
- معنى كلامك ان الجامعات فقدت ريادتها، أليس كذلك؟
- لم تخسر الجامعات موقع الريادة، إذ أنها لم تكن يوما رائدة، ولكنها ارتدت إلى معاهد ثانوية كبرى تلقن فيها معلومات مكرورة أكثرها مهترئ بال. وهذه الحالة وصلت إليها شيئا فشيئا من جراء الوفرة في الإقبال عليها وقلة الموارد المخصصة لها، وسوء الفهم للدور الذي تقوم به، وشدة انشغال المتحركين فيها بالهموم اليومية.
- وكيف كان الحال عند انبثاق حركة الطليعة بتونس؟
- كانت كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجامعة التونسية، عندما انبعثت حركة الطليعة سنة 1968 تعيش تناقضا صعبا. فهي من ناحية أولى كلية يافعة حديثة عهد بالإنشاء، واعدة بإمداد البلاد بالكوادر وبإنجاز البحوث والدراسات. ولكنها من ناحية ثانية، امتداد لمؤسسة هرمة هي "العربونة" ولنوع رث من التعليم والبحث فيها هو الاستشراق، ومعظمه سيئ السمعة والأثر.& وإلى حداثة السن والمحافظة الملازمة للتعليم الجامعي وعيوب المؤسسة الأم التي تنضوي فيها كلية الآداب، تنضاف بطبيعة الحال، العوائق والتناقضات الأخرى التي كانت تهز المجتمع التونسي، أعني عاهات الجهل والتخلف والتذبذب في الاختيارات وغموض معالم المشروع المعرفي الذي ينبغي أن تتم بلورته في سياق مشروع مجتمعي واضح الملامح. ويبدو أن النخب التي قادت الحركة الوطنية أو أسهمت فيها نحو الاستقلال لم تكن مهيأة لما سمي وقتها بـ "الجهاد الأكبر" في سبيل تحقيق التنمية وبناء المؤسسات ونحت الكيان الاجتماعي العصري. فقد تغلب مثلا الولاء على الكفاءة في احتلال المواقع القيادية، ورمى تحميل المسؤوليات إلى ترضية رفقاء الكفاح أكثر مما روعيت فيه القدرة على إدراك الأهداف.& وفي الحقيقة فأن مضي حوالي خمسين عاما على الإستقلالات السياسية كاف لتناولها بالتحليل الهادف إلى الوقوف على الحقائق بعيدا عن الإدانة وإلقاء التبعات على الآخرين أو التنصل منها. حاجتنا اليوم أكيدة لتقويم ما جرى حتى لا تظل سفائننا تتقاذفها متلاعبة بها، الأمواج. كان ممكنا مثلا مكافأة رفاق الكفاح بغير تقليدهم مسؤوليات لها تأثير عميق في مصائر الشعوب.
- نعود الى حديث الجامعة. ماذا حصل وقتها؟
- في سنة 1968 كانت أصداء "النقد الجديد" و"الحركة البنيوية" و"الشكلانية الروسية" و"علم اللسانيات" قد وصلت إلى تونس. فمجلات من قبيل "بويتيك" و"كومينيكاسيون" و"لانغ فرانسيز" كانت شديدة الرواج لدى طائفة من الطلبة. وبعض المواكبين من الأساتذة للحركات الجديدة كانوا يعرجون، في الأقواس التي كانوا يفتحونها في دروسهم المتقادمة، على "النظريات الأدبية". وعن طريق شهادة الآداب الأجنبية، وكان يضطلع بالتدريس فيها أساتذة فرنسيون متعاقدون، تعرف طلبة العربية إلى أعمال أعلام من قبيل "بارط" و"تودوروف" و"غولدمان" و"لوكاتش" و"ماشيري". وكانت أصداء دروس "ميشيل فوكو" مازالت تتجاوب في أرجاء الكلية، فالمعروف أن أقساما من كتابه "الكلمات والأشياء" كان قد ألفها في تونس عندما كان يدرس بقسم الفلسفة من كلية الآداب والعلوم الانسانية. فكان من المتوقع، إذ انه من طبيعة الأشياء، أن يحدث الإطلاع على النظريات الحديثة في ممارسة الأعمال الأدبية صدعا في علاقة طائفة من الطلبة بأساتذتهم فمعظم الأساتذة كانوا ينشرون معارف تلقوا معظمها بدورهم على أساتذتهم بالعربونة. كانت هذه المعارف مشدودة إلى منهجية فقه اللغة وإلى المنهج التاريخي. وطائفة من الطلبة كانت تطلع يوميا على النقد الصارم الذي أصبح يسدد إلى المعارف وإلى ذينك المنهجين. لم يعد الطلبة يرضون عن دروس أساتذتهم، ولم يعد الأساتذة يرضون عن الأعمال الموجهة التي ينجزها طلبتهم، أصبحت العلاقة قائمة على كثير من سوء التفاهم والشك.
- وماذا بالنسبة اليك؟
- بالنسبة لي، عندما بدأت أبحث عن أستاذ يشرف على الدراسة التي أتأهل بها لشهادة البحث العلمي، إعتذر بعض الأساتذة الذين خاطبتهم في موضوع العمل، عن الإشراف عليه. أعددت البحث بإشراف الأستاذ توفيق بكار، وكان قد بدأ يتمكن آنذاك من المناهج الحديثة. وتمت مناقشته سنة 1972. لم أكن اعرف وقتها أنه أول بحث ينجز بالمناهج الحديثة على نطاق العالم العربي. نشر البحث سنة 1975 تحت عنوان "البنية القصصية في رسالة الغفران" ولقي رواجا كبيرا. ثم ارتكبت، وارتكب الطلبة من الجيل الذي انتمي إليه، الإثم الأكبر الذي لا يغتفر في الأوساط الجامعية، وفي الأوساط الجامعية المتخلفة على وجه الخوص، وهو إثم الاعتراض جملة وتفصيلا على المعارف التي يقدمها الأساتذة. وعندما تجاوزت الحركة النقاش إلى مقاطعة بعض الدروس والجهر بأنها ضحلة فارغة تافهة ومتقادمة، حصلت المواجهة. وكان لا بد من أن يدفع أحد الثمن. ولكن كلية الآداب كانت أقدمت على الاستقلال عن العربونة، ففتحت إلى جانب شهادة التبريز، شهادة المرحلة الثالثة، ولما كان الشيوخ المؤسسون أو بعض منهم، يتعالون على هذه الشهادة، أوكل التدريس فيها، في صيغة ندوات، إلى الذين كان هواهم مع المناهج الحديثة. وتوالت الدراسات التي استعملت "البنيوية اللسانية" و"البنيوية التوليدية" وكانت في معظمها، دراسات طريفة متسمة بالصرامة في سياق التبشير بإدراك المستوى الذي وصل إليه باحثون كثيرون في الجامعات الأوروبية.
- وهل تراكمت حصيلة جيدة من الأبحاث؟ وكيف كان الموقف منها؟
- أنجزت الدراسات التي استعملت المناهج الحديثة في مجال الآداب فتناولت نصوصا فذة من& الأدب القديم وأعمالا مشهورة من الأدب الحديث، وفي مجال الدراسات اللغوية. واتخذ من هذه الدراسات موقفان، أحدهما كان ينتصر لها والآخر كان يعاديها ويعترض عليها. وأقدم أساتذة من غير قسم العربية على وضع تآليف بالعربية تعرف بالطرائق الحديثة في درس الأدب. وعندما تخرجت الأفواج التي تعرفت إلى هذه المناهج والتحقت بالتدريس دخلت المناهج الحديثة إلى التعليم الثانوي وأحدثت فيه هزة، فمن المشرفين التربويين من عاداها ومنهم من شجع عليها. ودفع أشد المتحمسين للمناهج الحديثة الثمن أيضا.
- كم دام هذا الصراع من الوقت؟
- إلى بداية الثمانينات اتسمت المرحلة في الجامعة، في الدراسات العربية، بخصومة المناهج. وبرزت الحاجة، مع انتقال الخصومة إلى التعليم الثانوي، إلى الخروج إلى الشارع الثقافي وتحريك النشر حتى تصبح المراجع متداولة. لم تفض الاتصالات التي أجريناها في سبيل إصدار دورية خاصة بالمناهج الحديثة إلى أية نتيجة. لم يفطن أصحاب المال بعد إلى أهمية التوظيف في القطاع الثقافي. أما الساهرون على القطاع العام فإن هذا الموضوع لا يدخل في اهتماماتهم. وعندما نشأت مجلة "فصول" كتب فيها كثير من التونسيين.
- تقصد تلك المجلة الفصلية التي تصدر في القاهرة؟
- نعم، تماما.
- وعلى مَ ركزت الدراسات الجامعية الجديدة من حيث المنهج؟
- لقد اتسم أخذ الدراسات الأدبية بالمناهج الحديثة في كليات الآداب منذ سنواته الأولى بالتركيز على أمرين: أما الأول فتمثل في الاعتماد على تلك المناهج في دراسة الأعمال الأدبية، واتسم بسمة علمية تطبيقية. يطلع الباحث على هذا المنهج أو ذاك في اللغة التي وضعت بها نصوص المؤسسة ويطلع على تطبيقاته على الآداب الغربية، ويستلهمه في دراسة العمل الذي يدرسه. لم يمر بالترجمة ولم ينشأ نقاش نظري حول مسلمات تلك المناهج وطرق الإجراء فيها والنتائج الموفية عليها. وأما الثاني فتمثل في الاحتفاظ بحيز من الحرية إزاء المنهج المستعمل، كان الحرص شديدا على تجنب الإسقاط، إسقاط النظريات على النصوص، ففي هذا خطر لا بد من تجنبه هو خطر الانزلاق في اعتساف الظواهر وتغيير المعطيات.
- أكيد انه سينتج عن هذه السمة المميزة إشكال ما، أو ربما عائق ما؟
- نتج عن هذه السمة أمران: الأول سلبي، في اعتقادي، لتمثله في أن من مستعملي هذه المناهج نفسها من كان غير عارف بالمسلمات الابستيمولوجية التي تقوم عليها. غاب على كثير من الباحثين أن ما يعرف بالمناهج الحديثة اتجاهات تختلف في الحقيقة التي تطلبها وفي المسلمات التي تنطلق منها وفي الإجراء الذي تقوم به. وعدما غابت هذه المعطيات ارتفعت بعض الأصوات داعية إلى التوفيق بينها، وهو توفيق، في نظري، مستحيل لأن المنهج ينفي، في الحقيقة، المنهج.
- والأمر الثاني؟
- أما الثاني فقد تمثل في اختبار المناهج بالنصوص، وقد تجسم في عبارات من قبيل: "جعل النظرية في خدمة النصوص لا النصوص في خدمة النظرية" وعلى هذا الأساس فإن قيمة استخدام المنهج تصبح متمثلة في الإضافة التي يمكن منها سواء في إنارة النصوص نفسها بأضواء جديدة في قيمتها أو في تحويل النظرية وتهذيب المنهج. غير أن هذا الأمر الثاني سرعان ما سقط في التطبيق الآلي فلم تدرك به الأهداف المنتظرة منه إلا فيما ندر.
- والآن، بعد حوالي ثلاثين عاما من الأخذ بالمناهج الحديثة واصطناعها في دراسة الآداب واللغة، ماذا كانت الحصيلة؟
- بالنسبة إلى دراسة اللغة تحدثت عن الحاصل من استعمال المناهج الحديثة في درسها في المقالة التي صدرت بالمجلة العربية للثقافة العدد 42 لسنة 2002. وفيها بينت أن اللغويين في تونس قد أدركوا في دراسة اللغة الحيز العلمي الذي تلتقي فيه وتتقاطع المكاسب المعرفية (المستقاة من التراث) والمكاسب المعرفية الحديثة (المشتقة من العلم المعاصر ) لتكون أرضية يتم الانطلاق منها للإسهام& في الحركة العلمية العالمية من موقع الإسهام في إنتاج المعرفة لا موقع الاكتفاء باستهلاكها. ومما يؤسف له أن الأعمال الجادة التي ألفها اللغويّون لم تقابل بما تستحقه من عناية...وعلى أية حال فهي حديثة عهد بالصدور، ولا أستبعد، عندما يطلع عليها أهل المعرفة، أن يقوم حولها نقاش. وأما بالنسبة إلى الدراسات والأبحاث الأدبية فينبغي التذكير بأن الأخذ بالمناهج الحديثة قد انطلق، أول ما انطلق، في الجامعات التونسية، عملا طلائعيا يهدف إلى إحداث الصدمة والرجة أولا حتى تستيقظ الأذهان مما أخلدت إليه من ركود، ثم، أو في الآن نفسه، يتم البناء. لهذا اتسم الأخذ بالمناهج الحديثة بشيء من التبشير بها وبشيء من النقد للمناهج السائدة. وفي هذه المرحلة الأولى جاءت الأعمال جادة صارمة على حظ كبير من الطرافة والجودة. ثم جاءت مرحلة ثانية، في بداية الثمانينات، كثر فيها الحديث عن محدودية المناهج الحديثة وعن عجزها عن الإجابة على أسئلة كثيرة. وفي هذه الفترة هجر أساتذة متميزون الدراسات الأدبية إلى الدراسات اللغوية، والتحق بالدراسات الأدبية المحدثة أساتذة لا يميزون كثيرا بين المناهج نفسها. وأصبح اصطناع المناهج الحديثة عملا أكاديميا مقلم الأظافر باهت الصوت.& والفرق واضح جدا بين الموقفين مثلما هو شاسع بين الممارستين.
- لم أفهمك. فأنت من جهة تمتدح ما حصل في الجامعة التونسية من الأخذ بالمناهج الحديثة، ومن جهة، فأنت تتحفظ على المنجز؟
- أستطيع أن أجزم، بشيء من المرارة، أن الدراسات الأدبية تراوح، منذ عشرين عاما، في مكان واحد. أصبحت الأعمال تقوم على كثير من الإجترار والتكرار والتعاود للمكاسب النظرية وتعجز عن النفاذ إلى خاصيات الأعمال أو الموضوعات المدروسة. ولقد ذهب في كثير من الأذهان ان المناهج الحديثة لم تأت بشيء أو أنها فشلت في ما كانت قد وعدت به، حتى طلعت بعض من دور النشر بمؤلفات متشنجة مرعدة ومرتعدة ينعى أصحابها على الباحثين العرب استعمال المناهج الحديثة في دراسة الأدب العربي. وهذا في رأيي طرح مغلوط للقضايا. فالباحثون العرب لم يبتدعوا البنيوية ولم يحدثوا التفكيك أو المنهج الأسطوري، مثلما لم يبتدع من سبقهم، في النصف الأول من القرن العشرين، المنهج التاريخي. ولكنهم استعملوا هذه المناهج في دراسة المسائل والظواهر وتحليل النصوص مثلما استعمل السابقون المنهج التاريخي في دراستها. ومن هنا فإن الذي تقيم به الدراسات الأدبية ليس الأخذ بهذه الطرائق أو عدم الأخذ بها، بل هو مدى الإضافة والطرافة والفائدة من الأخذ بها. ماذا يغنم الأدب العربي من اصطناع هذا المنهج وذاك في درس نصوصه، لولا للوصل بينها وبين& الجمهور.
- أي ان المنهج ليس غاية في حد ذاته؟ هل هذا ما تريد قوله؟
- أعتقد أنه من المعارك الزائفة أن يختصم المختصمون في آراء عبد القادر الجرجاني مثلا أو حازم القرطاجني وما إذا كانت أصلح بدراسة الشعر القديم من آراء الشكلانيين الروس، أو البنيويين أو أصحاب جمالية التلقي. فالمنهج في حد ذاته ليس غاية، كما قلت، بل هو إلى الأداة أقرب. وما نصنعه بالمناهج هو الذي نحتاج إلى التحاور فيه. لقد بات معروفا اليوم أن النص هو الذي يستدعي المنهج لا العكس. انطلاقا من هذا المقياس يمكن أن نقر بأن أي بحث لا يكسب العمل الذي يدرسه أو المسألة التي يعني بها جديدا أو طريفا أو إضافة يظل بحثا محدودا جدا. وإذا أخذنا بهذا المقياس في معظم ما ينشر اليوم في مجال الدراسات الأدبية العربية ألفينا أكثره تافها ينبغي لأصحابه أن يستحوا من وضع أسمائهم عليه. المطلع على واقع الدراسات الأدبية في العالم العربي (والاطلاع في حد ذاته أمر عسير جدا) يصاب بالحيرة والفزع. فنحن إزاء حالة من الفوضى مرعبة، حتى كأن تحقيق التراث هو المكسب الوحيد الذي يمكن أن يحصل عليه إجماع. أما الأبحاث فهي، في الغالب تافهة، وإذا كانت جيدة كانت عديمة الأثر. والأمر الخطير ان المثقفين العرب لا يقرأ بعضهم أعمال بعض، وإذا قرؤوها فبعين البحث عن الأخطاء وتعقب المزالق. وأذكر أني قرأت مرة لأحد المثقفين الولعين بالحديث عن حركاتهم وسكناتهم وعما يختلج في ضمائرهم من انطباع في حالتي السكون والحركة، ذكرا لقائمة الكتب التي حملها معه ليطالعها في مصيفه، فلم أره ذكر كتابا عربيا واحدا. ذكر كتبا بالفرنسية والإنجليزية وبعضها قديم يتحدث عن تاريخ فرنسا وأنجلترا القديم، ولم يذكر أي كتاب ألفه إي عربي في أي موضوع. إذا كان أهل الثقافة لا يقرأ بعضهم لبعض، إلا ما ندر، فكيف بالآخرين؟ مازالت أنظارنا مشدودة إلى الغرب عمياء عما يجري في ديارنا.
- باختصار، هل أنت مع الأخذ بالمناهج الحديثة على الدوام في الدراسات الأدبية، أم لا؟
- رغم المراوحة في المكان الواحد ورغم حالة الفوضى المريعة التي نعيشها ثقافيا وفي مجال الدراسات الأدبية، ورغم القحط الفكري على النطاق العالمي منذ عشرين عاما، وفي هذا القحط عادت إلى البروز أسماء كانت، لعشر سنوات مضت، لا يلتفت إليها أحد، رغم هذا كله وما إليه، أعتقد أن الدراسات الأدبية قد أفادت من المناهج الحديثة فوائد جمة. فلأول مرة في التاريخ برز لها موضوع خاص بها وتكون لها إجراء وتكونت لها مصطلحات. وهذه المكاسب هي التي يبنى& عليها، أما التنكر لها والإعراض عنها فلا يسلمان إلا إلى الانكفاء على الذات والتقهقر. إذا كانت جميع الأبقار تبدوا في الليل الدامس كلها سوداء فذلك يرجع إلى انعدام الإنارة لا إلى الأبقار نفسها أو إلى الليل الدامس نفسه. ومن مزايا المناهج الحديثة أنها توقر في الأذهان أن الأعمال الأدبية الفذة هي فذة بما تنطوي عليه من أسرار التفرد من خلال& شبهها بما ليس منها فذا. وقديما قال الآمدي فيما أذكر: "خص الأدب (أو الشعر) بأن يتكلم فيه جاهل وعالم "، ولا أستبعد أن يكون ابن خلدون قد نظر إلى هذا القول عندما قال: "علم الأدب علم لا موضوع له" يعني فيما أفهم، أنه يعتني بما ليس منه ليصل إلى ما هو منه، وهذا إذا أضأناه بالمناهج الحديثة موطن من مواطن الالتقاء التي ينبغي أن تبنى عليها المعرفة في محاولتها العسيرة، في الأدب، للجمع بين "المفهومي" و"الجمالي". وعلى سبيل الخلاصة يمكن أن أقول أن اصطناع المناهج الحديثة في دراسة الأدب العربي مفيد بما فيه من ممارسة علمية أولا، هي ممارسة صالحة جدا للتدريس، ثم أنه مفيد لأنه يردنا إلى التراث الأدبي لننظر إليه نظرة جديدة تكشف عما يسهم به في التراث العالمي، وهذا سيتم، لا بتقديسه، وإنما باقتحامه بعقول عصرية تدرك علميا قيمته، لأنه يوقر في الأذهان أن حاضرنا الإبداعي لا يمكن أن يكون استنساخا للتراث، ولا لـ "الآخر". فالإسهام في الحركة الثقافية عالميا يتم على أساس ما يمكن أن يضاف إليها مما ليس فيها. وأستبعد أن يكون هذا ممكنا في ما أصبحت عليه الجامعات من سكون للرداءة ومن تهافت.
حاوره: حكمت الحاج
[الحلقة القادمة: الأعمال العلمية]
&
من مؤلفات الدكتور حسين الواد:
ـ البنية القصصية في رسالة الغفران للمعري 1972.
ـ في تاريخ الأدب, مفاهيم ومناهج& 1979.
ـ في مناهج الدراسة الأدبية 1982.
- المتنبي والتجربة الجمالية عند العرب 1987.
ـ دراسة في شعر بشار (تدور على غير أسمائها) 1990.
ـ اللغة/ الشعر في ديوان أبي تمام 1999.
ـ جمالية الأنا في شعر الأعشى& الكبير 2001.

&
&
الحلقة الثانية
&
&