من المناسب أن يتساءل المرء، بعد أحد عشر أسبوعاً من إصدار مجلس الأمن الدولي بالإجماع قراراً يطالب العراق، مرة أخرى، بالكشف عن جميع برامج أسلحته النووية والكيميائية والبيولوجية والتجرد منها، "هل قرر صدام حسين أخيراً نزع أسلحته بصورة طوعية؟" والمؤسف هو أن الجواب: كلا واضحة مدوية.
وليس هناك من سر يغلف نزع التسلح الطوعي. فالدول التي تقرر نزع أسلحتها تقود المفتشين إلى مواقع الأسلحة وإنتاجها، وتجيب عن الأسئلة قبل أن يتم طرحها، وتعلن على الملأ وبصورة متكررة عزمها على نزع التسلح وتحث مواطنيها على التعاون. ويعرف العالم كيف يبدو الأمر حين تقرر حكومة ما أنها ستتخلى عن أسلحة الدمار الشامل التي تملكها بشكل تعاوني من الأمثلة التي قدمتها كل من دولة اتحاد جنوب أفريقيا وأوكرانيا وكازاخستان. وتشمل العناصر الحاسمة المشتركة في هذه الجهود التزاماً سياسياً رفيع المستوى بنزع التسلح، ومبادرات قومية لتفكيك برامج الأسلحة، وتعاوناً وشفافية تامين.
لقد اتخذت جنوب أفريقيا في عام 1989 القرار الاستراتيجي بتفكيك برنامجها السري للأسلحة النووية. فقامت بإتلاف مخزونها المؤلف من سبعة أسلحة ثم خضعت لعملية تثبت صارمة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ومنح المفتشون حرية تامة في الوصول إلى جميع المرافق النووية (العاملة منها والمتلفة) وإلى العاملين فيها. كما قُدمت لهم آلاف الوثائق التي تعرض بالتفصيل، على سبيل المثال، العمليات اليومية التي تقوم بها مرافق تخصيب اليورانيوم، علاوة على تركيب وتفكيك أسلحة محددة.
وأظهرت كل من أوكرانيا وقازاخستان نمطاً مماثلاً من التعاون عندما قررتا التخلص من الأسلحة النووية، والصواريخ البالستية العابرة للقارات، وقاذفات القنابل الثقيلة التي ورثتاها عن الاتحاد السوفيتي. وتم نزع التسلح في البلدين، بمساعدة كبيرة من الولايات المتحدة تقبلها البلدان برضى، بشكل منظم ومكشوف وسريع. وأُعيدت الرؤوس النووية لروسيا. ودُمرت مخازن الصواريخ وقاذفات القنابل الثقيلة أو تم تفكيكها، وقد حدث ذلك مرة في احتفال حضره رئيسا المؤسستين الدفاعيتين في الولايات المتحدة وروسيا. وفي إحدى الحالات، كشفت قازاخستان عن وجود طن من اليورانيوم الشديد التخصيب وطلبت من الولايات المتحدة إزالته (من أراضيها) خشية أن يقع في أيد لا يؤتمن أمرها.
أما السلوك العراقي فمختلف إلى أقصى حدود الاختلاف. فلدى العراق، بدل الالتزام بنزع التسلح، التزام سياسي رفيع المستوى بالمحافظة على أسلحته وإخفائها، بقيادة صدام حسين وابنه قصي الذي يسيطر على منظمة الأمن الخاص التي تدير نشاطات الإخفاء العراقية. وبدل تطبيق مبادرات قومية لنزع التسلح، يحافظ العراق على مؤسسات لا هدف لها سوى إعاقة عمل المفتشين. وبدل التعاون والشفافية التامين، رفع العراق بياناً غير صحيح إلى الأمم المتحدة هو بمثابة كذبة يبلغ طولها 12 ألفا ومئتي صفحة.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، أخفق البيان في تقديم تعليل كما أخفق في تقديم إيضاح لجهود العراق للحصول على اليورانيوم من الخارج، ولصنعه وقوداً محددا لصواريخ بالستية يقول إنه لا يملكها، وللثغرات التي حددتها الأمم المتحدة في وقت سابق في إيضاحات العراق بشأن أكثر من طنين من المواد الخام الضرورية لإنتاج آلاف الغالونات من الآنثراكس (جرثومة الجمرة الخبيثة) وغيرها من الأسلحة البيولوجية.
وقد لجأ البيان العراقي حتى إلى الانتحال دون خجل، ناسخاًً فقرات كاملة من تقارير الأمم المتحدة بصورة حرفية (أو بصورة منقحة لإسقاط أي انتقاد للعراق) وقدمها على أساس أنها نص أصلي. وليس المقصود من البيان التزويد بالمعلومات، بل هو على العكس من ذلك، التعتيم وتشويش الصورة الحقيقية للترسانة العراقية. إنه انعكاس لسمعة النظام المستحقَّة بعدم الأمانة ويشكل خرقاً مادياً (جوهرياً) لقرار الأمم المتحدة رقم 1441، الذي أنشأ برنامج التفتيش الحالي.
كما أن العراق، وبخلاف الدول الأخرى التي تجردت من أسلحتها بصورة طوعية، ودون اعتبار للقرار 1441، لا يسمح للمفتشين "بوصول فوري وغير معاق أو مقيد" إلى المرافق والأشخاص المرتبطين ببرامج تسلحه. وكما أثبتت عملية تفتيش تمت أخيراً في منزل عالم نووي عراقي، وأكدت مصادر أخرى، ما زال يتم نقل المواد والوثائق من مكان إلى آخر في لعبة تحريك أصداف سخيفة (أي في ألعاب شعوذة تتطلب خفة اليد كلعبة الثلاث ورقات). كما أعاق النظام استخدام عمليات الاستطلاع الجوي بشكل حر غير مقيد.
أما لائحة الأشخاص المشاركين في برامج أسلحة الدمار الشامل، والتي فرضت الأمم المتحدة على العراق تقديمها، فتتوقف عند أسماء أولئك الذين عملوا في تلك البرامج في عام 1991، رغم أن الأمم المتحدة كانت قد أثبتت في وقت سابق أن البرامج استمرت بعد ذلك التاريخ. ولم يتم إجراء مقابلات مع العلماء والمسؤولين عن الأسلحة الذين حددهم المفتشون إلا بحضور عملاء النظام. ونظراً لسجل النظام من المخاتلة والتصرف المزدوج، لا يمكن اعتبار وعوده الحديثة بتأدية أفضل إلا محاولة للمراوغة والحصول على مزيد من الوقت.
ويشكل عثور المفتشين في الأسبوع الماضي على 12 رأساً حربية كيميائية لم يتضمنها بيان الأسلحة العراقي مصدر قلق خاص. فقد ملأ العراق في الماضي مثل هذا النوع من الرؤوس الحربية بغاز السارين، وهو عامل أعصاب مُهلك استعمله الإرهابيون اليابانيون في عام 1995 لقتل 12 من ركاب قطارات الأنفاق وإصابة آلاف آخرين بالمرض. ويقدر رتشارد بتلر، رئيس لجنة التفتيش عن الأسلحة السابقة التابعة للأمم المتحدة، بأنه إذا ما تم ملء نوع أكبر من الرؤوس الحربية التي كان العراق قد صنعها واستخدمها في الماضي بغاز في إكس (وهو عامل أعصاب حتى أكثر إهلاكا) وإطلاقها ضد مدينة رئيسية، فسيمكنها أن تقتل ما يمكن أن يصل عدده إلى مليون شخص. وقد أخفق العراق أيضاً في تزويد مفتشي الأمم المتحدة بالوثائق حول ما يدعيه من أنه قد أتلف مخزونه من الفي إكس.
وما زال هناك الكثير من الأسئلة بشأن برامج وترسانة الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية العراقية، ومن واجب العراق تقديم أجوبة عليها. وقد أخفق (في ذلك) بصورة مذهلة. إن العراق يثبت، عبر إجراءاته وعبر عدم اتخاذه أي إجراءات، لا أنه بلد مصمم على نزع تسلحه، بل أنه بلد لديه ما يخفيه. إن العراق ما زال يتعامل مع عمليات التفتيش على أنها مناورة. وينبغي عليه أن يعرف أن الوقت بدأ ينفد.
بقلم : كوندوليزا رايس*
مستشارة البيت الأبيض لشؤون الأمن القومي