د. شاكر النابلسي
&

&
نشرت مجلة "فوربس" الأمريكية المتخصصة بالمال والأعمال قبل أيام تقريرها السنوي عن أثرياء العالم. وهي أسماء أصبحت معروفة وتتكرر كل عام، ويضاف اليها المستجدون من أصحاب الثروات الطائلة. وفي كل سنة يبحث القارئ العربي عن أسماء الأغنياء العرب لكي يعرف مكامن الثروة العربية. وفي هذا العام كانت دهشة القارئ العربي كبيرة عندما قرأ أن جزءاً من الثروة العربية تكمن في الثورة العربية. وأن من بين أسماء أثرياء العالم الثوار العرب، وعلى رأسهم صدام حسين وياسر عرفات، وغياب اسم الثائر الفاتح والزعيم الجانح معمر القذافي الملياردير السري، والثائر الفوري، وأبو زيد الهلالي (كما أطلق على نفسه مؤخراً) ، ومحيى الليالي (وما طعم ليالي القمة بدونه؟) ، لسبب لا نعرفه، وسوف نحاول معرفته لاحقاً من جهاز تحرير مجلة "فوربس"!
فالقذافي من أغنياء العالم ومن الأغنياء العرب الثوار. فهو صاحب امبراطورية مالية ضخمة، كشفت عنها مجلة Bloomberg Markets&& الأمريكية في عددها الصادر في نوفمبر 2001 من خلال ريبورتاج صحافي من عشر صفحات. وقالت المجلة المالية المتخصصة أن القذافي يملك امبراطورية شخصية قوامها ستة مليارات دولار يديرها الليبي محمد علي العويج الذي تخرّج من إحدى الجامعات الأمريكية. ولها استثمارات في مالطا وايطاليا والبحرين والمغرب والسعودية. ولها في السعودية 13 بالمائة من رأسمال "شركة فنادق الشرق الأوسط". ولهذا السبب تراجع القذافي عن هجومه على السعودية واعتدل واعتذر بسرعة، عندما ذهبت السَكْرة وجاءت الفكرة!
ولم يكن مستغرباً ومستهجناً أن نعرف أن صدام حسين، فرعون الرافدين، يملك شخصياً مليارين من الدولارات المُعلنة على أقل تقدير، وأكثر منها بكثير ما هو مخفي، والمخفي أعظم. فهو الزعيم الثائر الذي يغرف من بئر ذهب لا تنضب، ولا أحد يحاسبه عما يملك وعما يفعل غير ربه وشعبه لو أفاق وانتفض في يوم من الأيام. وهو وإن كان قد سرق هذه الأموال في وضح النهار من جيوب الشعب العراقي، فالخير في العراق كثير، والخميرة في العراق مباركة، وتكفي لسرقات الثوار وأهل الدار كيفما شاءوا وبالكمية التي يقدرون عليها.
صحيح أن الشعب العراقي يجوع وصدام يشبع، وصحيح أن الشعب العراقي يعيش في العراء وصدام يعيش في قصور باذخة، رأينا جانباً منها في مشاهد تلفزيونية مختلفة. وصحيح أن الشعب العراقي يلعق التراب وصدام يأكل الأعناب. وصحيح أن الشعب العراقي يبحث عن طعامه في حاويات الزبالة وصدام يأكل الكافيار ويدخّن السيجار . وصحيح أن الشعب العراقي يجلس على (التنك) وصدام يجلس على عروش مذهبة.. صحيح كل هذا، ولكن ما زال في العراق خير عميم يكفي ألف حاكم كصدام لكي يسرق ما يشاء، ويكفي شعبه أن يعيش أيضاً لو عَدَلَ النظام.
أما الدهشة الكبرى فهي خبر امتلاك ياسر عرفات الذي يعيش على الفُتات والحسنات والصدقات والزكوات، أبو عمار رمز الثورة والثوار،، القابع تحت الحصار، والمقاوم للحديد والنار، 300 مليون دولار عداً ونقداً باسمه شخصياً، وهو فقط ما أحصته مجلة "فوربس" وما استطاعت الوصول اليه، ولكن المخفي دائماً أعظم. والغريب أن وزير المال الفلسطيني سلام فياض أكد هذا الخبر، ولكنه قال من موقع المسؤولية وتبرئة ذمته أمام الله ! -& إن هذه الأموال ليست مُلكاً لياسر عرفات وانما هي مُلك للسلطة الفلسطينية. فمعاذ الله أن يكون الثائر الأول في العالم العربي يملك هذه الأموال الطائلة، والتي هي أموال الفقراء والشهداء واليتامى والأرامل والقاصرين والمشردين والعاطلين عن العمل في فلسطين المحتلة.
حسناً!
نحن نصدّق السيد وزير المال الفلسطيني.
فأبو الثوار في العالم العربي مُنـزّه عن امتلاكه الشخصي لهذه الأموال، علماً بأننا نسمع في الشارع الفلسطيني داخل فلسطين وخارجها، ومن مسؤولين في منظمة التحرير الفلسطينية، وأولهم المرحوم عمر الخطيب في مقالاته في جريدة "القبس" الكويتية في الثمانينات، وآخرهم شفيق الحوت في (شهادته على العصر، 9/3/2003) في قناة "الجزيرة" ماذا يفعل ياسر عرفات بالمال الفلسطيني وكيف يمسكه ويصرفه. كما نقرأ تقارير من وكالات أوروبية وأمريكية عادلة وظالمة عن الهدر والتسيب والفساد المالي المستشري في السلطة الفلسطينية، والذي لا يستطيع أحد من أركان البيت وأصحاب الكراسي والقابضين على المراسي في داخل فلسطين وخارجها أن يعلنه أو يفضحه جهاراً نهاراً.
ولكن وزير المال الفلسطيني المحترم لم يقل لنا بأي حق وبأي قانون يحتفظ السيد الرئيس والقائد النفيس بهذه الأموال الطائلة في المصارف باسمه شخصياً، ولا يحتفظ بها باسم السلطة الفلسطينية الشرعية التي يمثلها ويقودها؟
ومن هو الرقيب على السيد الرئيس في تصرفه بهذه الأموال ؟
ومن الذي يحاسبه في آخر النهار على ما يملك وما يصرف؟
ووزير المال الفلسطيني لم يقل لنا كيف يمكن لرئيس دولة أن يكون ناظراً أوحد وخازناً أفرد لبيت مال الفلسطينيين، بيده الختم وأدوات الرسم ؟
تقول أوساط فلسطينية رسمية أن يد الرئيس القائد ياسر عرفات يد بيضاء، وفرجه نظيف، وجيبه خالية، وأنه يأكل القديد، ويعضّ على الحديد، ويلبس أخشن الثياب، ويفتح الباب، وأنه زاهد، قنوع، خشوع، ولكنه يحرص أن يكون كل المال الفلسطيني باسمه حتى يبعده عن أعين اللصوص الآخرين المتربصين به في السلطة الفلسطينية، وليستطيع من خلاله وبقوة هذا المال وسلطته التحكم باللعبة السياسية الفلسطينية كيفما يشاء، والتي لا يجرؤ أحد من لاعبيها على الخروج عن الخطوط الحمراء التي يرسمها الرئيس القائد باعتباره القابض الأوحد والصارف الأوحد، وبيده قوت أعضاء السلطة الفلسطينية التنفيذية والتشريعية والأمنية من كبيرهم لصغيرهم، إن شاء وهب، وإن شاء أمسك. وهو وحده الُمطعم المُكسي المؤوي. وهو من أجل هذا كله يتمسك بالسلطة ويعضّ عليها بالنواجذ. وهو القائل أنا على هذا الكرسي لن أتزحزح، من القصر إلى القبر. وقد شاهدنا فعلاً في كل مرة نرى فيها القائد في أخبار التلفزيون كيف تتكوم على مكتبه تلال من المعاملات والأوراق والملفات التي تنتظر توقيعاته الكريمة، باعتبار أن لا قرش فلسطينياً واحداً يُصرف دون توقيع الرئيس القائد، حاجب بيت مال الفلسطينيين.
ربما نُصدّق وزير المال الفلسطيني فيما يقوله عن أن المالك الحقيقي لهذه الملايين من الدولارات من مال فلسطين هي السلطة الفلسطينية، حتى لا يتخذ شارون وخصوم القائد الرائد من هذه التهمة وسيلة أخرى للمطالبة بتنحي الرئيس النفيس.
ولكن السؤال الكبير المهم والخطير هو:
لو أن السيد الرئيس والقائد النفيس رحل فجأة لا سمح الله وكلنا لها وجاءت السيدة زوجته سُهى عرفات وابنتها واللتان تعيشان في باريس الآن، وطالبتا شرعاً وقانوناً بهذا المال الهائل كوريثتين شرعيتين وحيدتين للرئيس القائد، فما هو حكم الشرع والقضاء؟
&
كاتب أردني، ورئيس الرابطة الجامعية الأمريكية بدينفر