قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

&
لا يدعو صراحة للعنف لكنه يهيء الأرضية عن طريق الإقصاء
المطالبة بقراءة جديدة للدين ومراجعة للمنهج لصياغة خطاب متطور
تحقيق- ايلاف: أجمع عدد من المفكرين والباحثين السعوديين على أن الخطاب الديني في المملكة العربية السعودية يعيش حالياً أزمة حقيقية بسبب طبيعته الأحادية التي لاتقبل المخالف أكان من " حظيرة " أهل الإسلام أم كان مؤمناً بأي دين سماوي آخر فضلاً عن نظرته المفرطة في السلفية تجاه المتغيرات العصرية في شتى شؤون الكون والحياة والتي جعلته يعيش تقوقعاً وعزلة يصعب معها استمراره بصيغته الحالية.
وقد بحثت " إيلاف " في تحقيق موسع ومعمق مع نخبة من الباحثين والمفكرين السعوديين سمات الخطاب الرئيسة ومنطلقاته وواقعه مروراً بالإشكالات التي يتضمنها وانتهاءً بتلمس سبل التجديد والتطوير في شكل الخطاب ومضمونة.
بنية الخطاب وسماته الرئيسة
فقد وصف المفكر والباحث في الفكر الإسلامي الدكتور عبدالله الحامد الخطاب الديني في السعودية بأنه يمتاز بتهميش الجانب المدني والحضاري ويركز على الجانب الروحي كالصلاة والصيام والعبادات المحضة. ويؤكد الدكتور الحامد أن هذا العيب جوهري لكنه ضارب اطنابه في الجذور وليس وليد العصر الحالي فجذوره التاريخية مستمدة من بعض المذاهب وخاصة المذهب الحنبلي. ويرى أن فكرة العمران أو الدولة أو التقنية وهي القيم التي تنهض بها المجتمعات والموجودة في كل زمان ومكان، وفي كل ملة ودين، وكل لغة وقطر، " مهمشة " من قبل هذا الخطاب. وذهب إلى أن الإسلام وعلى مدى تاريخي ليس بالقريب، كاد أن يتحول على أيدي المحافظين إلى خطاب " رهباني " يحث على الدار الآخرة وينسى قول الرسول (ص) " الدنيا مزرعة الآخرة ".
وبين الدكتور الحامد أن الخطاب الديني السائد غير قادر على الربط بين سعادة الدنيا وسعادة الآخرة فهو إما أن يفصل بينهما وإما أن يصور للناس أنه لكي يسعدوا في الآخرة عليهم أن يحتملوا " النكد " في الدنيا. ويضيف، أن هذا يحدث بينما نص القرآن الكريم في أكثر من آية على أن الدين يكسب صاحبه في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة.
ويمضي الحامد في تشخيصه للخطاب الديني الإسلامي وخاصة في السعودية ليؤكد أنه أكثر الخطابات الإسلامية حفاظاً على السائد الموروث وتنتفي من الخطاب الأفكار الحضارية المدنية كفكرة المجتمع الأهلي المدني ومسائل الثقافة السياسية، مشيراً إلى أنه يعيش " فقر " شديد في الأفكار وتقليد في الغالب وضعف في فرز الثوابت من المتغيرات.
الخطاب الديني الرسمي وغير الرسمي
المفكر والمحلل السياسي الدكتور تركي الحمد حاول الإشارة إلى أن المراقب والمحلل للشأن السعودي قد يتبادر إلى ذهنه أن ثمة اختلاف بين الخطاب الديني الرسمي، وغير الرسمي( ما يطلق عليه سعودياً خطاب الصحوة)، لكن الحمد يرى أن هذا الاختلاف ماهو إلا اختلاف ظاهري وأن العلاقة بين الخطاب الديني الرسمي وغير الرسمي عميقة، ومنطلقاتهما النظرية واحدة، وأن الخطاب الغير رسمي ( الصحوي ) في بداياته كان أبن شرعي للخطاب الديني الرسمي ثم مالبث أن أصبح أبناً غير شرعياً وبدأ ممارسة " العقوق ".
ويقول المفكر تركي الحمد، الذي يشن عليه المتشددون حملات ضارية عبر منتديات الإنترنت الأصولية تحديداً، أن الخطاب الديني الرسمي لاينكر مفهوم الولاء والبراء لكن الخطاب يتوقف عند هذا الحد ولايحدد منهم الكفار ومنهم المشركين إلا أنه في ذات الوقت أرسى الأساس حول وجود ثنائية المسلم والكافر، المسلم المشرك والمسلم غير المشرك، وبالتالي يجب أن لاتكون العلاقة بين هذين الطرفين علاقة حميمية ويجب البراءة من المشركين وعدم موالاة غير المسلمين. ثم يمضي الحمد في شرح الاختلاف بين الخطابين موضحاً أن الخطاب الديني غير الرسمي يدفع بمنطق الولاء والبراء وغيره من المفاهيم إلى نهاياتها ويبدأ في إطلاق الأحكام على منهو الكافر ومنهو المسلم ومنهو المشرك إلى آخر تلك المفاهيم. ويعترف الدكتور الحمد أن تحديد المفاهيم شيء منطقي " فأنت لاتستطيع أن تقول مشرك أو كافر ثم تسكت، دون أن تحدد منهو هذا المشرك ومنهو هذا الكافر "، لكن المشكلة عندما يوظف ذلك تجاه الخصوم والمختلف معهم سياسياً.
الرؤية الأحادية
من جهته يرى الكاتب في القضايا الإسلامية عبدالله بجاد العتيبي والذي طرح مؤخراً عدد من المقالات الناقدة لكيفية التعاطي السعودي المحلي مع الأحداث الإرهابية التي شهدتها البلاد عبر تاريخها ابتدأ من تمرد " الأخوان " على المؤسس عبدالعزيز بن سعود، ومروراً باحتلال جهيمان العتيبي وأتباعه للحرم المكي الشريف في نهاية العام 1979م وانتهاء بتفجيرات العليا 1995م، والخبر 1996م، وأخيراً تفجيرات 12 مايو 2003 في الرياض التي يطلق عليها أتباع ومناصري شبكة القاعدة " غزوة الحادي عشر من ربيع "، يرى عبدالله العتيبي أن الخطاب الديني في السعودية مكث ردحاً من الزمن غير قليل يعبر عن موقف واحد في رؤيته للكون والحق والحياة، " متذرعاً بكونه الناطق بحجة الله، ومستخدماً لسيف السلطان " وأن هذا الخطاب لايسمح بمخالطة غيره له إطلاقاً ويأخذ بما فهمه من منهج أهل السنة والجماعة وبقراءة أبن تيمية له ويضيف إلى ذلك مذهبية حنبلية في الفروع الفقهية والأحكام القضائية، ومسائل الخطاب الأساسية هي مسألة التوحيد والعقيدة والتي يتفق معه عليها أكثر المسلمين لكن هذا الخطاب- بحسب العتيبي- يضيف إلى ذلك تكفير المخالفين من المسلمين واستباحة قتلهم وأخذ أموالهم دون التعرض للنساء للحساسية الاجتماعية من ذلك، أي أن الأمر ليس ورعاً ولا خُلقاً أو أدباً!!.
ويشير الباحث العتيبي إلى أن " الخط الديني " المحلي في السعودية شابه تأثر عندما " استقطبت " البلاد وآوت الكثير من رموز الأخوان المسلمين إثر تعرضهم للقمع الناصري في مصر الستينات الأمر الذي أدى إلى تغير كبير من حيث ترتيب الأولويات فتقدمت السياسة على العقيدة لدى الخطاب الديني السعودي، ونقصت أهمية العقيدة المحليّة لحساب التسامح الديني النسبي ودخل التنظيم على الخط.
البيئة ومراحل الخطاب
ولأن الإنسان أبن بيئته كما يقول علماء الاجتماع. وبما أن الخطاب الديني هو في المحصلة النهائية نتاج ثقافي يتأثر بظروفه وشروط وجوده فأن الكاتب السعودي عبدالعزيز الخضر رئيس تحرير جريدة المحايد الأسبوعية يبين بأن الخطاب الديني الإسلامي في كل منطقة يحتفظ ببعض السمات التي تميزه عن غيره من الخطابات الدينية في العالم العربي نتيجة الظروف الثقافية والسياسية والتراكمات التاريخية وبهذا فأن الخطاب الديني في السعودية يتميز ببعض الفوارق التي تشكل بنيته الخاصة رغم أن العوامل المشتركة بين الخطابات الدينية العربية كبيرة. ويقسم الخضر المراحل التي مر بها الخطاب الديني السعودي إلى مرحلتين رئيستين، لكل واحدة منها شخصيتها، وهما مرحلة ماقبل المد الديني " الصحوي " والتي كانت تحتفظ بعدة سمات أهمها خلوها من التنظير الزائد في نشر التعاليم والمواعظ الدينية واحتفاظها الشديد بالمفردة والنصوص التراثية إضافة إلى أن الفعل الاجتماعي والممارسة الحياتية مع بداية التحديث والتنمية غير محاصرة بتنظير يلاحق جميع التفاصيل في حياة الفرد. ويشير عبدالعزيز الخضر إلى أن رموز تلك المرحلة المتقدمة نسبياً لم يكونوا يعيرون اهتماماً يذكر لبعض المخالفات التي تحدث في أساليب حياة بعض الناس من وجهة نظرهم ولا تأخذ حجماً كبيراً من الحديث. فالخطاب في المرحلة تلك كان مشغولاً بأصول الدين وتفاصيل الشعائر التعبدية.
لكن الخضر يبين أنه مع مجيء مد " الصحوة " وهي المرحلة الثانية من مراحل الخطاب الديني في السعودية احتفظت الرموز القديمة بلغتها السابقة، لكن بروز أعداد كبيرة ومتنامية من الدعاة الجدد والذين تجاوزا النمط الخطابي السابق أضاف للمرحلة " الجديدة " طابعها الخاص مع وجود شيء من التداخل بين المرحلتين.
ويوضح أن قادة المرحلة الجديدة فعّلوا بعض أفكار وفتاوى المرحلة السابقة خاصة في بعض القضايا الاجتماعية والإعلامية لافتاً إلى أن ذلك لم يكن تحديثاً فكرياً أو فقهياً ما يخلق حالة من التعايش مع المتغيرات التنموية، بل أن كل ماتسلح به خطاب المرحلة " الجديدة " هو المهارات اللفظية دون التعمق الفكري والحضاري في رؤية الإسلام. ثم يستعرض الخضر منزلق خطاب (الصحوة) قائلاً " بدلا من أن يقوم بمهمة التجديد والتغيير لأفكار لن تتماشى مع عصر التغيرات الكونية، ويرفع من مستوى العقل الجماعي الذي بدأ يغادر حياة الريف والصحراء إلى حياة المدن الكبيرة، إذا به يدخل نفق مثاليات متراكمة أفسدت الضمير الاجتماعي في قضايا ليست من أصول الدين وإنما من فروعه في أحسن الأحوال ". ويضيف حول ما أتى به " شيوخ " المرحلة الجديدة " لقد كان التجديد في استعمال مفردات جديدة وزيادة المهارة الفقهية واستحداث مؤثرات خطابية فعالة في الوعظ والإقناع لإغلاق أي منفذ متسامح مع تعدد الآراء الفقهية والتعايش معها، لخدمة الخيار ( الأحوط ) أو كما يرى البعض الخيار ( المتشدد ) في مسائل وسلوكيات اجتماعية متعددة ".
هيمنة وإقصاء
أحد أبرز الناشطين في نقد التجربة الحركية " الإسلاموية " والتراث الديني الباحث منصور النقيدان، الذي تعرض في فترة قصيرة لسيل عرم من فتاوى التكفير، شدد على أن مشاكل كبيرة نتجت عن الخطاب الديني في السعودية - القائم على مذاهب السلف والمدرسة الوهابية - خاصة في تعامله داخلياً مع الطوائف والمذاهب الأخرى بمافيها الشيعة الأثني عشرية، والإسماعيلية، والصوفية ومن عداهم. ولفت إلى أن الخطاب الديني السائد قد أقصى وحجّم فقهياً المدارس الأخرى من داخل المذهب السني كالمالكية والشافعية والحنفية وتضاءل حضورهم حتى طال ذلك الإقصاء أقرب الأقربين، وهم بعض الحنابلة الذين يختلفون مع بعض آراء وتوجهات المؤسسة الدينية الرسمية.
ويقول النقيدان " أننا نتفاجأ دائماً حينما نكتشف أن هيئة كبار العلماء مكونة من أكثر من 16 عالماً لكن الصوت الأعلى هو لأربعة أو خمسة منهم والذين يسمون باللجنة الدائمة للإفتاء ". ويشير إلى أن المؤسسة السياسية في البلاد تحاول خلق توازن داخل المؤسسة الدينية عبر إدخال بعض العلماء الأكثر انفتاحا إلى هيئة كبار العلماء، لافتاً إلى وجود الشيخ عبدالوهاب أبو سليمان الذي يذكر عنه النقيدان أنه عالم من علماء الحجاز وأصولي وفقيه وهو حليق الذقن ويلبس العقال السعودي ما أحدث لدى الناس مفاجأة وتساؤل عندما نشرت جريدة الوطن قبل عامين صورته وتعريف له ضمن أحد البحوث الدينية، لكن النقيدان يعود ويؤكد أن المؤسسة الدينية كان يستأثر بها وبقراراتها أسماء معينة ومحددة وبرأيه أنها تعاني من خطاب " مهترىء " مدللاً على ذلك بالبيانات التي تصدر عقب الأزمات الكبرى التي يمر بها البلد أو التي يعيشها المجتمع داخلياً.
التفاعل مع الأحداث والمستجدات..
يرى الدكتور عبدالله الحامد أن تفاعل الخطاب الديني في العالم الإسلامي بعامة وفي السعودية بخاصة مع المتغيرات المستجدة في شؤون الحياة " متأخر" جداً، ويعزو ذلك إلى نقص في إدراك المتغيرات بسبب ركون الخطاب إلى ترداد آراء السابقين " وبما أن آراء السابقين لم تعاصر العصر الحديث بمجالاته التكنولوجية وتنظيماته المختلفة فأن الخطاب غير قادر على فهم الأشياء من حوله ".
ويدلل على ذلك بالنظرة القاصرة تجاه الإجراءات والتنظيمات السياسية كالانتخابات والشورى والديموقراطية، ونعتُ كثير من علماء الخطاب الديني للديمقراطية بـ " الكفر " رغم أن الديمقراطية هي الآلية التي تنظم أخذ آراء الناس وتقنن حكمهم، وهذه يراها الدكتور الحامد من صلب المباديء الإسلامية وأصول الدين.
ويدعو الحامد إلى استخدام الأدوات المعرفية الهائلة التي توفرت في هذا العصر والتي كان يفتقد إليها من عاشوا في العصور السابقة الأمر الذي انعكس على المفاهيم التي تشكلت في عصرهم وانتقلت عن طريق الاجترار التاريخي إلى عصرنا الحالي ويشدد على أن " في العصر الحديث أدوات معرفية جديدة ولذلك أصبحت قراءة القرآن وتفسيره في هذا العصر أفضل ووسائلها أسرع وكذلك في تصحيح الأحاديث..".
ويقول الدكتور عبدالله الحامد " عندما تسأل عن الخطاب الديني أسأل ماذا يدرس في الكليات.. أنها كتب ألفت في عصور الانحدار الإسلامي وهي غير قادرة على حل مشكلات الناس في العصر الحالي "، ويتابع حديثه في إطار نظرته الشاملة لما جاء به التراث من مفاهيم لم تعد تتماشى مع العصر المعرفي الذي يعيشه العالم اليوم " عندما تقرأ في كتب تفسير أبن كثير وغيره من التفاسير وكتب التاريخ الإسلامي تجد أن هؤلاء قد فسروا بأدوات معرفية في عصر معين بينما الآن تتوفر أدوات معرفية أدق وأعمق وأشمل "، ويرى الركون إلى تلك الكتب كونها كتب أكاديمية دليل على العجز عن الإبداع " نحن عاجزون عن الإبداع لأن الذين يبدعون هم الذين يفكرون، والتفكير لايوجد عندما يكون الجو أو المناخ ذا ضباب كثيف "، مشدداً على أن حرية الرأي والتعبير هي أساس صلاح المجتمعات.
مثالية الخطاب المفرطة
في لمحة تحليلية دقيقة يشير الكاتب عبدالعزيز الخضر إلى أن الخطاب الديني السعودي في شقه " الصحوي " وبعد مرور أكثر من عقدين على تشكله وتسيده للساحة انتهى إلى " ورطة " نتيجة تضييقه على الناس وتسببه في كثرة الانشقاقات داخل المجتمع " بل وداخل التيار الإسلامي نفسه "، حتى أن فئات اجتماعية بدأت تترحم على مرحلة ماقبل " الصحوة " مما شاهدوه وساقته إليهم أقدارهم الصحوية " نلمس شيئاً من الحنين عند بعض كبار السن من العامة للمرحلة السابقة.. حيث التلقائية والبساطة والردع الفطري.. بعيداً عن التوجيهات الصارمة التي قتلت العفوية فيهم..!".
الخطاب الديني في مرحلته " الصحوية " وفقاً لتحليل الخضر أثقل على الناس بشروطه وخياراته المتعالية على الواقع " تورط هذا الخطاب دون أن يعلم وبحسن نية غالبا في رفع سقف المثالية، وأصبح المجتمع مثقل بالحد الأعلى من التوجيهات والأحكام الفقهية، ولم يستفد من انفتاحه على خطاب الحركات والتيارات الإسلامية الأخرى في الوطن العربي إلا في الجانب الذي يخدم خياراته المحافظة جدا، وتخلص من آراءها المتسامحة اجتماعيا ".
ورغم أن رموز تلك المرحلة وقادتها وشيوخها قد أطلقوا على ذلك الخطاب وصف " الصحوة " التي قد تشي بالتطور والانفتاح وشيوع روح التسامح الاجتماعي إلا أن مايقوله لنا عبدالعزيز الخضر أمر آخر " برؤية استقرائية تكاد تنعدم المسائل التي اختار فيها خيارا يحسب خارج نطاق المحافظة الشديدة خاصة في مسائل الحياة الاجتماعية، واستطاع أن يخلق مناعة من امتصاص الآراء المرنة عند بعض الحركات الإسلامية، مع أنه امتص أفكار دعوية ورؤى سياسية منها،& فأصبحت الحالة السعودية نادرة في التاريخ الاجتماعي من حيث تراكم الرأي الأكثر حيطة.. في كل أطياف الخطاب المحلي فما قد يمارسه الرجل ( الداعية ) أو المرأة المحسوبة على تيار أو حركة إسلامية في بعض المجتمعات العربية، قد يحسب في المعايير المحلية انحرافا أو فسقا.. وليس اجتهادا إن لم يتهم بالعلمنة ".
أزمة الأزمة
يؤكد الدكتور تركي الحمد على أن الخطاب الديني في السعودية يعيش أزمة. وتكمن أزمته في أنه إذا قبل الانخراط في المتغيرات العصرية مثل النظام الاقتصادي العالمي بما في ذلك من معاملات تعتبر في تنظير الخطاب الديني في السعودية معاملات غير إسلامية، أو مايختص بالتنظيم السياسي العالمي الذي يقوم على الديمقراطية والتعددية في الداخل والعلاقات السلمية التبادلية في الخارج، فأن كل ذلك سيوقعه في أزمة مع منطلقاته ومرتكزاته النظرية. ويشرح الحمد إشكالية الخطاب هذه قائلاً : إن حاول استيعاب هذه المسائل فهو أمام خيارين إما أن يتنكر لمنطلقاته السابقة حتى لايكون في حالة تناقض وإما أن يطور من خطابه بحيث يصبح خطاباً جديداً لا علاقة له بالخطاب الماضي. وفي كلا الحالتين هو في أزمة. لأنه إذا كان أميناً مع منطلقاته النظرية السابقة ومرتكزاته أصبح معادياً للواقع الحالي، وإن طور من نفسه وحاول استيعاب المتغيرات العصرية بإيجاد تأويلات وتفسيرات وقراءة مختلفة حتى يخرج بخطاب جديد فسيجد نفسه مع صدام مع أبنه غير الشرعي وهو الخطاب غير الرسمي " الصحوي ".
الموقف من المرأة
أجمع الباحثون والمفكرين المشاركين في هذا التحقيق، وأن كان بصيغ مختلفه، على أن موقف الخطاب الديني في السعودية من المرأة موقف يتداخل فيه الشرعي بالاجتماعي بل أنه يتم تكريس عادات اجتماعية بحتة تتعلق بالنظرة الدونية للمرأة وقيمتها الاجتماعية وتُلبس تلك النظرة لبوس الرأي الديني عبر بعض الفتاوى. وأخذ الخطاب الديني يضيق على المرأة في لباسها وتفاصيل حياتها وحضورها الاجتماعي حتى رسخ في الأذهان أنها الخطر الذي يهدد المجتمع ولابد من محاصرتها في كل زاوية من زوايا الحياة العامة حفاظاً على الفضيلة والعفاف ودرء للرذيلة.
الخطاب الديني والعنف
وفيما يختص بعلاقة الخطاب الديني بالعنف فأن الباحث منصور النقيدان يرى أن " الخطاب الديني كان دائماً غير متسامحاً مع الآخر المسلم وبالضرورة مع الآخر غير المسلم "، وكان الأمر دائماً عبر تاريخ الفكر الإسلامي أن الآخر الداخلي " أشد خطراً من الآخر الخارجي "، وهذا هو العنف الحقيقي كما يقول النقيدان. بينما يرى الدكتور تركي الحمد أن الخطاب الديني بصيغته الحالية يهيئ التربة للعنف لكنه لايدعو إليه بشكل صريح ومكشوف، إلا أن النتيجة المنطقية لمنطق هذا الخطاب " تدعو للعنف " ويهيئ الساحة لذلك.
من جانبه ينفي الدكتور عبدالله الحامد أن يكون العنف قضية دينية " أعتقد أن العنف قضية اجتماعية، بمعنى أن الضغط يولد الانفجار"، ورغم اعتقاده بأن العنف قضية اجتماعية صرفة إلا أنه يعترف بأنها ذات خطاب ديني. أي أن الخطاب الديني ماهو إلا وسيلة.
ويشدد الباحث عبدالعزيز الخضر على أن الإسلام كدين فوق تهمة التسبب في العنف ويؤكد أن مسألة العنف مسألة بالغة التعقيد والتشابك إلا أنه يرى عدم تبرئة الخطاب الديني بشكل مطلق من هذا الأمر إلى جانب العوامل السياسية والاجتماعية الأخرى.
الخروج من الشرنقة
ويبقى توصيف حالة الخروج من المأزق الذي يعيشه الخطاب الديني في السعودية اليوم من خلال معالجات وأفكار مختلفة ومتعددة. إذ يرى المفكر السياسي الدكتور تركي الحمد أن الكيفية التي يمكن من خلالها إصلاح الخطاب تتركز عبر قراءة جديدة للدين ومراجعة للمنهجية التي يسير عليها الخطاب الديني، ويقول " بصراحة.. نحن نحتاج إلى ثورة في الخطاب الديني ".
الدكتور عبدالله الحامد يدعو إلى فتح الأجواء أمام حرية التفكير والتعبير حتى يمكن مراجعة وتجديد الخطاب الديني وهو الخطاب الذي يحتاج، في اعتقاده، إلى إعادة بناءه على الكتاب والسنة والعودة إلى الأصول ووضعها في مصفاة الكتاب والسنة وفرز ماهو قطعي منها وماهو اجتهادي.
ولا يبتعد منصور النقيدان كثيراً فهو يطالب برفع سقف الحرية في وسائل الإعلام ووسائل التعليم وتعريف الطلاب والتلاميذ في المدارس من أن هناك مذاهب فقهية أخرى في الإسلام، حتى يتأسس وعي حقيقي بالتعددية وقبول الاختلاف.