محمد عبد الله

&
&
&
هناك حضارة أمّة تختص بفئة معينة من البشر في مرحلة معينة من الزمن و هي عرضة للشيخوخة و من ثم الزوال. و هناك الحضارة الإنسانية الكبرى التي هي عبارة عن تراكم الخبرات و المعارف الإنسانية منذ كان الإنسان يخاف من الطبيعة حتى بلوغه هذا الزمن الذي يسيطر فيه على الطبيعة و يروضها. بالنسبة للحضارة الإنسانية الكبرى و ما هي عليه اليوم من تقدم و رفاهية لبني البشر فلم يشارك العرب في بنائها البتة و ذلك بناءاً على عدة أمور، منها أنهم اليوم لا ينعمون بهذا التقدم و الرفاهية حيث لو أنهم ساهموا في الحضارة الإنسانية الكبرى لأصابهم شيء من خيراتها، الأمر الآخر هو لو أننا حذفنا الأمة العربية من تاريخ و حاضر المسيرة البشرية فسوف تبقى الحضارة الإنسانية على ما هي عليه دون أن تتغير قيد أنملة بكل ما فيها من تقدم و ازدهار و رفاهية لبني البشر.
خرج لنا على مر الزمن شخصيات توازي بلداً كاملاً في انتشار شهرتها و ثقلها على مستوى العالم بل أن شهرتها تفوق درجة شهرة البلد الذي تأتي منه، فعندما تذكر النمسا مثلاً لا بد و أن يتبادر إلى ذهنك سيغمنت فرويد و من لا يعرف فرويد و مدرسته لا يعتبر يتمتع بأدنى درجات الثقافة العامة، و كذلك الحال مع كارل ماركس و الأب بولس يوحنا الثاني و غيرهم. أما العرب و بعد طول انقطاع إمدادهم الثقافي و جفاف منابعه حتى كاد أن ينسى العالم أن هناك شيء اسمه عرب لولا امتداد تلك البقعة الكبيرة و الكبيرة جداً- على الكرة الأرضية، بعد كل ذلك خرج رجلان ليعيدا المشهد العربي إلى الواجهة و يصبحا أشهر عربيان على الإطلاق، و هما أسامة بن لادن و صدام حسين و صار من لا يعرفهما في جميع أرجاء العالم يوصم بالتخلف.
أما بالنسبة لحضارة الأمة فإن بعض الحضارات التي شاخت و ماتت لعصور خلت، كالفراعنة و الإغريق على سبيل المثال لا الحصر- ما زالت أزهى حلة و أكثر تحضراً من الحضارة العربية التي تعتبر نفسها ما تزال حية. لو ادعينا جدلاً أن جميع الأنظمة العربية ستتغير غداً فكم من الوقت سيحتاج العرب لإعادة البناء؟ فالعرب يحتاجون إلى قوانين، يحتاجون إلى مراكز أبحاث و دراسات جديدة و مستقلة تعمل عليها شخصيات مهنية غير مؤدلجة، يحتاجون إلى وضع سياسات و استراتيجيات تبدأ من الصفر لاستغلال الموارد الطبيعية و المالية و البشرية، يحتاجون إلى تغيير ذهنيات زرعتها الدولة في المجتمع على مدى أجيال، كما انه لا يوجد عدد كاف من الجامعات في أغلب هذه البلدان و إن وُجد فهي لا تغطي جميع التخصصات و أحياناً تحتاج إلى تغيير مناهجها، كل هذا سيكون من البداية و كأن دولة ظهرت فجأة من رحم الأرض.
&تقوم حضارة الأمة على أربعة عوامل. أولاً: حركة التجارة و الاقتصاد: الأمم المتحدة في أحد تقاريرها صنفت جميع الدول العربية ضمن الدول المتخلفة اقتصادياً ما عدا الكويت، و لك أن تقيس و تحكم على الأداء الاقتصادي للدول العربية و مستوى الدخل القومي لكل منها و نسبة تجارة الدول العربية مجتمعة من إجمالي التجارة العالمية و الكثير الكثير من العجز و الانخفاض و التردي بما في ذلك نسبة التجارة البينية.
العامل الثاني: النظم السياسية و المؤسساتية: الأنظمة السياسية و المؤسساتية في البلدان العربية رأساً على عقب، لا يوجد فيها شيء في مكانه الصحيح، البلدان التي من المفترض أن تكون محكومة من قبل فرد مثل سوريا تحكمها عائلة و البلدان التي من المفترض أن تحكمها عائلة مثل عُمان يحكمها فرد، بلدان قائمة بلا برلمانات و أخرى مبنية على تداخل سافر و صريح بين السلطات، جميع الأمور تجري بالرغبة و الاجتهاد فلا من قانون يحكم، فساد في الاتحادات الرياضية دس و تزوير في النقابات العمالية و المهنية، كذب و نفاق و ازدواجية في السياسات الخارجية فضلاً عن الداخلية، الأنظمة العربية ليست جزءاً من هذا العصر بأية حال من الأحوال و لا يمكن للإنسان المتحضر إلا أن ينظر إليها بعين الاحتقار.
العامل الثالث: تقاليد الأمة و أعرافها: تسود الطبقية و الوجاهة و العنصرية و تقديس الفرد و عدم تقبل الرأي الآخر و الإرهاب في حين تغيب القيم الحضارية كالديموقراطية و تقديس الوقت و تقديس مشاعر الآخر و العمل بروح الفريق سواء على مستوى الأسرة أو المدرسة أو العمل أو الحزب علماً أن نسبة الأمية (أمية القراءة و الكتابة) تبلغ 50% عند العرب، أضف إلى ذلك العقلية المتخبطة بين القوانين المدنية و القوانين الدينية و نذكر هنا بعضا من نماذج التخبط، ففي الكويت لا يسمح للمرأة بالترشيح أو الانتخاب حفاظاً على المشاعر الدينية بينما يسمح لها بالغناء و التمثيل و الخروج على الشاشة بملابس النوم مستلقية على سريرها. و في مصر التي تطبق سياسة الإحلال Localization على مهنة الرقص الشرقي تُمنع مغنية لبنانية من الغناء في مصر حفاظاً على المشاعر الدينية.
العامل الرابع: العلم و الفن: يبلغ عدد سكان العرب حوالي 270 مليون نسمة قد حصل هذا العدد من السكان على جائزة نوبل في الآداب مرة واحدة فقط و في العلوم مرة واحدة، مقابل حصول دولة مثل كندا عدد سكانها 27 مليون نسمة على جائزة نوبل في العلوم ثماني مرات، و يلعب المثقفون العرب أيما دور في التضليل و التعتيم بمساندة و مباركة سلطتي الدين و الدولة و ذلك في ضوء غياب مراكز الأبحاث و الدراسات الليبرالية المستقلة و قلة المتخصصين و المحترفين في العديد من المجالات، هذا بالإضافة إلى أن مخرجات الفن العربي، بمختلف ألوانه و تخصصاته، لا تساهم في الانفتاح على الحضارة الإنسانية الكبرى بقدر ما تصب في المستنقع العنصري الصغير لتعزز الروح الانعـزالية و تغذيها لدى المتلقي و المتذوق العربي.
هذه أربعة أسباب يجب أن تتوفر حتى تقوم حضارة الأمة و لكن المشكلة في العرب أنهم ينشدون الحضارة دون الأخذ بالأسباب و هذا أشبه بحالة أحلام اليقضة. لا يمكن للعرب أن يكوّنوا لأنفسهم أي صوت أو صورة في هذا العصر عصر المعلوماتية و هم على هذه الحال المزرية فالعرب بسبب تخلفهم عن العصر الذي يعيشون فيه خسروا حتى قضيتهم الإنسانية الساطعة سطوع الشمس في فلسطين و استطاعت إسرائيل على حداثتها أن تضع نفسها في مصاف الدول المتقدمة و بقت فلسطين العتيقة المكلومة تزداد عتقاً و كلما ازدادت عتقاً زاد الجهل و التخلف و صغرت خارطتها على الكرة الأرضية.