نصر المجالي من لندن: في مقال غير مسبوق منذ أكثر من عشرين عاما في الصحافة الليبية فإن صحيفة "الزحف الأخضر" القريبة من الحكم الليبي تحدث عن عودة الدولة مرحبة بها وبرئيسها التي قالت أنه معمر القذافي لا غيره، كما بشرت الصحيفة بانهيار المؤسسات واللجان الثورية التي قام عليها النظام الليبي ونظر لها طيلة ربع القرن الماضي.
وعلقت مصادر ليبية معارضة في لندن أمام "إيلاف" الليلة على المقال الرئيسي الذي نشر اليوم 22 يناير 2004 في صحيفة "الزحف الأخضر" الناطقة باسم حزب اللجان الثورية، قائلة أنه لا يمكن أن يتصور أن ينشر مقال من هذا القبيل من دون علم أو موافقة العقيد معمر القذافي".
وفي المقال، أقرت الصحيفة بانهيار الدولة الليبية طوال العقود الماضية من جراء نتائج الثورية الجماهيرية، وهي دعت في المقال إلى التحول من الثورة إلى الدولة بإعادة بناء مؤسساتها وإسناد مسؤولياتها لأصحاب الكفاءة والخبرة.
وقال المعارض الليبي المقيم في لندن عاشور الشامس رئيس تحرير موقع (أخبار ليبيا) الالكتروني الذي ينشر من العاصمة البريطانية أن أجهزة الثورة والنظام في ليبيا مهدت لهذا الأمر خلال السنتين الماضيتين بإشاعة القول ان النظام الحاكم سيبدأ في تسمية الامور باسمائها الحقيقية، وأنه سوف يعلن "رسميا" عن تغيير اسم ليبيا الرسمي وعن رئاسة العقيد معمر القذافي للدولة الجديدة، وسيتخلى عن ما يسمى "النظام الجماهيري".
وأضاف الشامس أنه بدأ التمهيد لذلك بتغيير أسماء بعض الشوارع والمؤسسات، ومن ذلك تغيير اسم شارع الجماهيرية في طرابلس إلى شارع الجمهورية، ومصرف الجماهيرية، إلى مصرف الجمهورية. كما تلا ذلك تلميحات وإشارات هنا وهناك حول التغيير القادم، وسمح للإعلام بذكر أسماء المسؤولين بدلا من ذكر مناصبهم فقط.
وقال الشامس المنخرط في حركة معارضة للتغير في ليبيا على نحو سلمي "والآن نحن أصبحنا نسمع كلمة "وزير بدلا من أمين لجنة شعبية، وكلمة "سفير" بدلا من أمين مكتب شعبي".
وأشار الإعلامي والسياسي الليبي إلى أن المسموح لهم من أركان النظام إلى عراقيل نتجت عن تطبيق مقولات الكتاب الاخضر. ولم يعد أعوان النظام يمارسون الكذب بوصف الحاضرين لجلسات المؤتمرات الشعبية بـ"الجموع الغفيرة" و "الأفواج الآتية من كل فج عميق"، وأقر أعوان النظام بعزوف المواطنين عن المشاركة في مهزلة المؤتمرات الشعبية وأكذوبة الديمقراطية المباشرة.
وفي مقال جريدة الزحف الأخضر لوحظ أنها تتحدث صراحة عن القذافي رئيسا الدولة، وقال الشامس "ولقطع الطريق على من (قـد) يتساءل عن المخرج لهذا الأمر ـ بعد الآف الخطب والتصريحات للعقيد، التي أكد فيها انه ليس رئيسا ولا ملكا، حتى ذهب به الحال إلى القول انه لا يحكم إطلاقا، وانه مجرد مواطن عادي (بل هو أكبر معارض للسلطة في ليبيا) ـ لقطع الطريق أمام هؤلاء& أكد المقال على أن "قائد البلد هو رئيسها.. ولا يرأس ليبيا غير قائدها والقائد هو رئيس.. والرئيس هو القائد.. شئت أم أبيت.."".
وفي الآتي النص الحرفي لمقال صحيفة (الزحف الأخضر) من غير تصرف:
وجاء زمن الرئيس الليبي!!
..هناك وقت للحب... وهناك وقت للكراهية
..هناك وقت للحرب.. وهناك وقت للسلم
..هناك وقت للكفاح.. وهناك وقت للبناء
..هناك وقت للثورة.. وهناك وقت للدولة
ليبيا مثلها مثل بقية العالم قطعة أرض وحكومة وشعب.. حيث كان العالم في الستينيات في ثورة ضد الامبريالية وضد الظلم الاجتماعي.. وضد التفرقة العنصرية.
كانت الشعوب تسعى لاستقلالها وتقرير مصيرها فكان لابد لليبيا وفي خضم هذه الظروف الدولية والمحلية أن تتحول من دولة& ضعيفة لا يعرفها أحد إلى ثورة يهاِبها الجميع.
كان لا بد أن يأتي الفارس ويقلب الأوضاع ويقوم بالثورة.
كان لا بد لهذا الفارس الآتي على جواده الأخضر أن يشعل النار في الدولة المهترئة ويحولها إلى ثورة خاف منها الأعداء.. وفرح بها الأصدقاء.. وواكبها الرفاق والشرفاء.. وامتد شعاعها إلى نيكاراغوا، وإلى إيران وحتى جنوب أفريقيا.. ومروراً بالكرملين.
أيدت المظلوم في كل مكان وأعطت المحروم حقه.. وسعت إلى تحقيق العدالة.. ونصرة الحرية.. فاستقلت من خلالها دول وتحرر أبطال وخرجوا من سجونهم ووقف الاستعمار مكانه لا يتقدم.
وقد ارتعدت فرائس عروش الملوك فانهارت في "إيران" وفي "إثيوبيا" وغيرها.
وتكالب الأعداء على هذه الثورة ورمزها.. وتوالت المؤامرات وأسقطت الطائرات حممها على بيته وتوالت محاولات اغتيال الرمز.
وفي خضم هذا كله يستمر الصراع المرير بين الشرق والغرب اللذين اتفقا وتكالبا ضد هذا الرمز.. ولكن الجانب الأضعف سقط في هذا الصراع وسقطت نظريته البائسة لأنه لم يستطع أن يتكيف مع متطلبات الصراع فسقط النظام الشيوعي بكل ما فيه بعد سبعين عاماً فقط.. واستمرت الثورة بلا توقف ونجحت وحققت في الداخل بعد الخارج نجاحات كبرى: من ديمقراطية مباشرة.. إلى بيت لساكنه.. وشركاء لا أجراء.. ونادت بأن لا مغبون ولا مظلوم.. ولا سيد ولا مسود.. واكتمل نضوج ثمار تلك الثورة وتحررت دول في العالم في& شرقه وغربه وحتى شماله وجنوبه فأصبح يقيناً واضحاً أن الثورة قامت بالثورة وأدت دورها وبات من الضروري إعادة توزيع وترتيب الأوراق والمهام، وأمسى من الضروري أن تتغير قواعد اللعبة!!.
تتغير لتواكب تطورات العالم على أرضية الواقع.. وإذا كان ذلك هو زمن الثورة.. فقد جاء زمن الدولة وحان الوقت للفارس المحارب الذي قاد الثورة أن يترجل ليبني الدولة... يبنيها دولةً ليس مثل غيرها من الدول بخصوصيتها المتميزة.. دولة يسودها القانون المتفق عليه بعد أن أدى قانون الشرعية الدولية دوره.. ويسوقها النظام والمؤسسات المحكمة.. فالمرحلة تستدعي شيئا من قلب المعايير.. لغةً ومواصفاتٍ مع ثباتٍ على مبادئ وقيم تتوافق مع زمنيّ الثورة والدولة.
لقد آن وقت البناء بعد أن مُهدت وأُعدت الأرضية اللازمة للانطلاق.. وبعد أن حققت الثورة في الداخل العدالة فوضعت الجميع في صفٍ واحد وجاء وقت تنافس المتنافسين.. وأصبح مقياس الوطنية هو العمل والكفاءة.. والحِكمة والموضوعية.. فقد أخلصنا للدولة حتى النخاع.. وجنّدنا كل مانملك من مال ورجال وطاقات من أجل مبادئها ونشر أفكارها في الخارج.. قبل الداخل.. وكان ذلك على حساب أشياء عدة.. حتى أننا لم نستطع أن نخلق الكوادر الوطنية اللازمة لتسيير أمورنا اليومية وللضرورة المعيشية فاضطررنا للاستعانة بالأجانب في كل شيء وفضّلنا الثورة على متطلبات الحياة اليومية وفضّلنا أن نخصص مواردنا وجهدنا وكل وقتنا للثورة وأهدافها حتى أننا لم نُعر جامعاتنا ومعاهدنا ومراكز تدريبنا ومستشفياتنا وحتى سجوننا الإهتمام اللازم فانهارت الخدمات التي تقدم للمواطن.. والذي قَبِلَ أن يُضحي هو الآخر في سبيل الثورة وأهدافها.. فأصبح علاجنا في الخارج في دول تقِل إمكانياتها العلمية والمادية عن إمكانياتنا وأصبح قمحنا يطحن في الخارج.. والطماطم الذي نحتاجه يُعلب خصيصاً لنا في الخارج.. والزيت يستورد لنا من الخارج.. وحتى ملابسنا الداخلية تأتينا من وراء البحر!!
وحينما أنشأنا شركات وطنية وقلاعاً صناعية كانت الثورة دائما في فكرنا فأعطيت إدارة هذه الإنجازات للثوريين الذين كان تركيزهم على الثورة وليس على الإدارة أو الانتاج فلم تستطع كثير من هذه القلاع أن تؤدي مهامها وعجزت عن تحقيق بعض أهدافها وتحولت إلى شبه نزيف للإقتصاد الوطني.. وأصبح الجميع يتساءل ماذا دهى هذه البلاد؟!..
وهل هذا الوضع يرتضيه أي ثوري؟!.. وضعٌ يجعلنا نأكل من الخارج ونعالج في الخارج ونعتمد على الأجانب في معاشنا.. لذلك كان لا بد أن يكون هناك زمن للثورة وزمن للدولة التي تقيمها الثورة.
وآن الآوان لأن يأتي زمن الدولة ولم يكن سهلاً وبسيطاً أن يأتي هذا الزمن لكنه جاء بعد أن حققنا الكثير للعالم على حساب شعبنا وتنميتنا الوطنية وأحوالنا المعيشية لذلك حقا آن الآوان لصنع دولة.
وآن للمحارب أن يستريح ليواصل المشوار ويصنع دولة.. وتكون لهذه الدولة مؤسسات ويكون لهذه المؤسسات قوانين وقواعد ونظم.. أساسها المساواة بين الجميع لا مغبون ولا مهضوم حتى تنتظم نُسق وقواعد العمل الوطني.
دولة شامخة قوامها العدل والمساواة تركز على الداخل وتصلحه وتبنيه.. خاصة بعد أن قامت بهذا الدور في الخارج.. حينما تحررت تلك الدول ونالت استقلالها بثوارها الذين دعمتهم الثورة في ليبيا فاستقلت واستلم الثوار مقاليد الأمور فيها وباشروا في بناء دولهم تلك.
عالمياً: أدت الثورة دورها كثورة متميزة فأصبحت ليبيا نِبراساً ومنارة أضاءت وستبقى مثابة تضيء للآخرين الضوء نحو عصر الجموع ومثالاً يحتذى به من يريد.
وفي الداخل: استطاعت الثورة أن تضع الجميع في صفٍ واحد تمهيداً لمرحلة الإنطلاق.. وتمهيداً لكي تأتي الدولة والتي جاء وقتها ودورها لتنظم عمل هذه الجموع.. وليأخذ كل ذي حقٍ حقهُ وفقاً لكفاءته وقدرته وإخلاصه وحُبه لأم الجميع: ليبيا الحبيبة.
حقاً لقد آن للفارس المحارب أن يستريح قليلاً ليسترد أنفاسه ويُعيد بناء بيته.. ويستمر.
إنه آوان دولة لها جنودها وموظفوها وجيشها النظامي المنتظم وشعبها المتساوي أمام القانون ومدراؤها المخلصون والأكفاء الذين سيعتمد عليهم وعلى خبراتهم وليفصل بين الجميع قانون متفق عليه أو مرجعية "إن شئتم" ومنطق سليم يُبنى عليه هذا القانون ليكون حكماً بين الناس.. فالقانون ليس إملاءات تُكتب.. أو أوامر تُصدر.. أو ملاحظات تحتية أو فوقية.. فالجميع أصبح بفعل الثورة سواسية كأسنان المشط.. لا مدّعٍ للحرص أكثر من الآخر.. ولا متهم بالرجعية.. لا ليبرالي يزايد.. ولا ثوري يصطاد في ماء عكر.. ولا صامت& يفتئت عليه بل أخوة أحرار..& فأكرمكم عند الله أتقاكم.. وأنصحكم لليبيا من يعمل لأجلها ويخلص لها.
كان زمن الثورة جهاداً صغيراً وجاء وقت الجهاد& الأكبر وهو بناء الدولة.. دولة أفضل من كل الدول تكون مثالاً ونموذجاً للدولة كما كانت نموذجاً ومثالاً للثورة في العالم.. دولة صادقة مخلصة.. لها شعبها العامل وعَلمُها الخفاق.. وعاصمتها المتميزة وحكومتها الشعبية ورئيسها المميز بين كل الرؤساء ومَنْ غيره يكون رئيساً للدولة الليبية؟
فكما كنا نخاطب في زمن الثورة "القذافي" بأنه قائد الثورة وهي تسمية لا تتكرر سيكون في زمن الدولة "معمر القذافي" رئيس الدولة الليبية.. فأهلاً وسهلاً سيدي رئيس الدولة الليبية ومرحباً أيتها الدولة التي يرأسها ويقودها معمر القذافي.
فقائد البلد هو رئيسها.. ولا يرأس ليبيا غير قائدها والقائد هو رئيس.. والرئيس هو القائد.. شئت أم أبيت.. فأنا لم أستشرك فيما كتبت.. فوداعاً لزمن مضى وأهلاً بالقادم الذي يشع فرحاً وزهواً ليبني "دولة ليبيا".
* إلى هنا انتهى مقال (الزحف الأخضر)