جيرساند رامبورغ من واشنطن: سعى رئيس وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي ايه) جورج تينيت الى تجنيب الهيئة التي يرئسها ان تكون كبش فداء في الجدل الدائر حول اسلحة الدمار الشامل العراقية وحرص في الوقت نفسه على حماية الرئيس جورج بوش الذي دافع بشدة عن قرار غزو العراق.
وفي واحدة من مداخلاته النادرة، دافع تينيت الذي يرئس منذ سبع سنوات تقريبا وكالة الاستخبارات عن هذه المؤسسة، مؤكدا منذ بداية كلمته انها لم تؤكد يوما ان اسلحة الدمار الشامل العراقية تشكل "خطرا وشيكا". لكنه لم يبلغ حد انتقاد دخول الولايات المتحدة الحرب على العراق على اساس هذا التأكيد الذي صدر عن ادارة بوش، وهو ما كان يرغب فيه الديموقراطيون او غيرهم ممن ينتقدون الحرب.
&فقد حاول تينيت في كلمته في جامعة جورج تاون الدفاع عن ادارة بوش ونفى تعرض وكالة الاستخبارات لاي ضغوط سياسية للمبالغة في الحديث عن التهديد الذي تشكله اسلحة الدمار الشامل العراقية. وقال "لم يقل لنا احد ما علينا ان نذكره وكيف نذكره".
واضاف "اؤكد لكم ان رئيس الولايات المتحدة يتلقى معلوماته من مجموعة واحدة ومن شخص واحد هو انا شخصيا وقال لي بحزم وبوضوح انه يريد الحقائق الخالصة وليس معلومات موجهة". ومع ذلك، بتأكيده انه لم يتعرض لاي ضغط ولم يقدم استنتاجات تفيد بان العراق يشكل "خطرا وشيكا"، يلمح تينيت الى ان السلطة السياسية هي التي فسرت المعلومات الاستخباراتية بهذه الطريقة.
ورأى زعيم الاقلية الديموقراطية في مجلس الشيوخ توم داشل ان هذا الخطاب "يثير شكوكا جديدة في صحة التصريحات التي ادلى بها كبار المسؤولين في الادارة لاقناع الكونغرس بالسماح بالحرب".
وذكر الباحث في مركز معلومات الدفاع ماركوس كوربين بان ادراة بوش "تحدثت بوضوح عن خطر وشيك" واستخدمت ذلك لتبرير الحرب على النظام العراقي. واضاف ان "المعلومات حول اسلحة الدمار الشامل في العراق تم تحريفها، هذا لا شك فيه وسواء كانت تنذر او لا بالخطر، دفعت ادارة بوش بها الى اقصى الحدود".
واضاف "اذا اردنا تحديد المسوؤليات" في هذا الخطأ الظاهر في تقدير مدى خطورة الاسلحة العراقية "فان الادارة الاميركية تتحمل تسعين بالمئة منها واوساط الاستخبارات عشرة بالمئة".
واوضح كوربين ان "المسألة ليست مسألة ممارسة ضغوط سياسية"، واضاف "عندما تقول حكومة انها لم تتلق معلومات جيدة فهذا يعني بشكل عام انها لم تصغ اليها. عندما يكون هناك من ينتظر جوابا محددا ايا تكن الرسالة التي يتم توجيهها اليهم، فانهم سيسمعون ما يناسبهم".
لكن تينيت اعترفت بوجود بعض الثغرات في جمع المعلومات حول العراق، وخصوصا نقص "عناصر الاستخبارات البشرية" اي الجواسيس على الارض. كما اقر بان بعض المعلومات الاستخباراتية التي تبين لاحقا انها خاطئة، ابقت عليها وكالة الاستخبارات. كما اقر بان الوكالة بالغت في تقديرها للقدرات النووية لنظام صدام حسين.
ورأى فينسنت كانيسترارو المسؤول السابق في مكافحة الارهاب في وكالة الاستخبارات المركزية ان "الاعتراف بان معلومات خاطئة صادرة عن اجهزة استخبارات اجنبية ادرجت في تقرير سي آي ايه، امر خطير جدا". لكن هذه الثغرات وحدها لا تفسر على ما يبدو الاختلاف بين الصورة التي قدمتها الادارة الاميركية عن الوضع قبل الحرب وعدم العثور على اسلحة دمار شامل في العراق.
جورج تينيت رجل المخابرات المحنك الباقي من عهد كلينتون
مدير وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية (سي.اي.آيه) جورج تينيت (51 عاما)، رجل مخابرات محنك صاحب خبرة متينة في هذا المجال، عينه في هذا المنصب الرئيس الديمقراطي السابق بيل كلينتون وابقته فيه ادارة الرئيس الجمهوري جورج بوش. فتينت الذي يرأس "سي آي ايه" منذ آذار/مارس 1997 عرف بمهارته في التفاوض والمامه بخفايا الامور في عالم الاستخبارات وقد دافع عن اجهزته امس الخميس بشان الملف العراقي كما قام ايضا بمساع حميدة في النزاع الاسرائيلي الفلسطيني لاسيما في المجال الامني.
ومنذ سبع سنين تطلق على جورج تينيت الذي خط الشيب رأسه وصاحب القامة المربوعة في واشنطن تسمية "كبير الجواسيس" هو المعروف بحبه للمرح وبانه رياضي ومنفتح تروق له صحبة الفتيات ويعشق احداث الساعة. لكنه اجتاز مراحل عاصفة في حياته المهنية وتخطى دعوات كثيرة لاستقالته لاسيما غداة اعتداءات الحادي عشر من ايلول/سبتمبر 2001.
ففي العام 1997 واجه قضية جون دوتش سلفه على رأس سي اي ايه الذي خزن في كمبيوتره الشخصي معلومات سرية جدا لم يخبر تينيت الكونغرس عنها الا في وقت متأخر. وفي ايار/مايو 1998 وجه اليه مجددا اصبع الاتهام فيما كانت الادارة الاميركية تشهد تنافسا بين الهند وباكستان في مجال التجارب النووية عجزت "سي آي ايه" عن توقعها. وفي اب/اغسطس من العام نفسه ضربت شبكة القاعدة السفارتين الاميركيتين في كينيا وتنزانيا وهنا ايضا عجز الجواسيس عن توقع الامر والتحسب له. وفي ايار/مايو 1999 تكررت الغلطة الدامية مع قصف سفارة الصين في بلغراد اثناء حرب كوسوفو.
ورغم هذه المسائل فان تينيت عرف كيف ينال اعجاب الجمهوريين كما نال من قبل اعجاب الديمقراطيين. فقد احتفظ به الرئيس جورج بوش في منصبه رئيسا لوكالة الاستخبارات المركزية في كانون الثاني/يناير 2001. وبحسب صحيفة شيكاغو تريبيون فان جورج تينيت يبقى احيانا في المكتب البيضاوي الرئاسي في البيت الابيض بعد عرض تقريره الصباحي اليومي فيما درجت العادة على ان يغادر سيد السي آي ايه المكان عندما تأخذ المناقشات منحى سياسيا.
وفي الواقع فان تينيت اكثر من تحذيراته قبل مدة من اعتداءات الحادي عشر من ايلول/سبتمبر 2001 من برامج اسلحة الدمار الشامل في دول تعتبرها واشنطن خارجة عن السيطرة، ومن الشبكات الارهابية وخصوصا تنظيم القاعدة الذي يتزعمه اسامة بن لادن. واليوم يؤخذ عليه خداع المسؤولين السياسيين عبر تقديمه معلومات خاطئة عن الترسانة العراقية ما دفع بهم الى شن الحرب على العراق.
وجورج تينيت هو من مواليد الخامس من كانون الثاني/يناير 1953 في نيويورك من والدين يونانيين غادرا البانيا مسقط رأسهما بسبب الشيوعية، واصبح شقيقه التوأم طبيبا اخصائيا في امراض القلب. لاحقا نال شهادة في القضايا الدولية من جامعة جورج تاون في واشنطن التي تخرج منها في 1976 ثم جامعة كولومبيا في نيويورك في 1978.
واعتبارا من تموز/يوليو 1995 تولى منصب مساعد لمدير وكالة الاستخبارات جون دوتش. وعمل بين عامي 1993 و1995 في مجلس الامن القومي في البيت الابيض الذي كان يراسه حينها انتوني لايك. وكلف التعليمات الرئاسية حول الاولويات في مجال الاستخبارات وتنسيق العمليات السرية لوكالة الاستخبارات المركزية.
وفي وقت سابق امضى تينيت القسم الاكبر من حياته المهنية في الكونغرس. فلمدة اربع سنوات كان مدير الموظفين في لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ. وبوصفه المدير المركزي للاستخبارات، فان مدير "سي.اي.آيه" ونحو 17 الفا من العاملين فيها، ينسق تحت رقابة البنتاغون نشاطات وكالات تجسس اخرى على غرار "ان.اس.اي" (تجسس وتنصت) او "ان.ار.او" (اقمار اصطناعية لاغراض التجسس).