حجاج أدّول

&
&
&

التكبر والعنصرية بالأصل العربي نلاحظ أن أسماء النوبيون كانت مزدحمة بأسماء هي أقرب إلى المسيحية، مثل إسحاق وإلياس وبنيامين وعيسى وموسى ومريم وسُفْرة وغيرها. وأيضاً أسماء بعض القرى، الواضح منها أن مرجعها مسيحي. الاسم واضح القبطية رغم أن له قراءات أخرى. قرية المحرّقة، واسمها يقارب اسم دير المحرّق بالصعيد المصري. وقرية ماريا. وفي قريتنا توماس نجد نجع ماريا. ونجد نجع "بهجورة" بتعطيش الجيم. وفي صعيد مصر قرية "بهجورة" بدون تعطيش الجيم. ومن هذه القرية الأديب السكندري الصعيدي نعيم تكلا رحمه الله، ايضاً جورج البهجوري الفنان الشهير. وقال لي نعيم أن في قريته بهجورة توجد عائلة سمراء. ولا نعلم لا أنا ولا هو، هل الأصل من قرية بهجورة الصعيدية وهاجر أحد من هناك إلى قريتي توماس، أم أن الهجرة من نجعنا إلى قريتهم؟ لكن من المؤكد إن الصلة موجودة. ونلاحظ أن لاسم توماس جرس مقارب لاسم توماس المسيحي، رغم أن هذا له أكثر من قراءة. مثلاُ "تو" أي الابن أو الأرض، و"ماس" أي الطيب، فيكون اسم القرية الابن الطيب أو الأرض الطيبة، لكن اسمها المسيحي لا يمكن إغفاله. وقرية أمباركاب، أي الأنبا ركاب. رغم أن ناس القرية حالياً يقولون أن الاسم من مبارك، أي اسم عربي. ونعلم كيف دخل في العالم الإسلامي هوس ساذج، فتحاول كل مجموعة بشرية لتاريخها وأصولها لتربطه ببيت الرسول عليه السلام، أو على الأقل تربطه بالجزيرة العربية، ووهمهم بذلك هو جلب الاحترام لأنفسهم بملاصقتهم للرسول الكريم! حدث في المغرب وفي مصر وفي السودان، فنجد سوداني ملامحه أقرب للزنوجة ولونه أسود تماماً، لكنه يتفاخر بأن أصله عربي وأن ليس في دمائه أي قطرة من أفريقيا! وأدعى صاحب ثورة الزنج في العراق، أدعى النسب العلوي رغم سواد لونه! لماذا؟ ليضفي على نفسه طابعاً روحياً ويكسب حركته سنداً شرعياً للحكم. وكانت المفاجئة أن بعضاً من نوبيي المَحَسْ وهم من أصول نوبية عريقة ونعتبرهم نحن نوبيين مصر مرجعاً لنا مع غيرهم من نوبيي السودان، إذا ببعض المحس يدعون أن جدهم عربي! يأتون بسجلات كاذبة مليئة بالأسماء العربية ليؤكدوا لأنفسهم ولغيرهم أنهم عرب أقحاح! ونفس الشيء في النوبيين المصريين، الوجه أسمر وأسود والملامح نوبية ويدعي أنه عربي ومن بيت الرسول ذات نفسه! صحيح أن بعض الأصول العربية دخلت النوبة كما دخلت كل بلاد الشرق، لكنهم بالنسبة للسكان الأصليين أقلية ضئيلة، فلماذا ينسى الناس أصلهم الحقيقي العميق ويبحثوا عن نقطة دم عربية سواء كانت حقيقية أم كاذبة؟ إنه إحساس بالعجز أو الضعة، ومع الإحساس بالضعة شعور عنصري تفاقم بعد دخول العرب البلدان وبث الفخار بالأصول وكأن الأصول العربية هي الأفضل في العالم، رغم أن دور عرب الجزيرة في التاريخ القديم ليس من أهم الأدوار في التاريخ البشري، فنرى مثلاً قبائل البشارية تدّعي أنها من سلالة بشّار بن كاهل من قبيلة الكواهله التي تنحدر من نسل الزبير بن العوام، ومقولة أخرى.. أنهم من نسل بشر بن مروان بن اسحق بن ربيعة. وقبائل العبابدة يدّعون أنهم من سلالة عبّاد الثالث وهو من حفدة الزبير بن العوّام "أيضاً!" مع أن البشارية والعبابدة أصولهما من قبائل البِجّة التي وازت الفراعنة والنوبيين في بدايات سلم الحضارة، وتداخل نسبهم من النوبة قديماً. والبجة لهم شبه بالمجموعة ما قبل الأسرات المصرية. ولهم تاريخ مرصود وأطلقوا عليهم قديماً اسم البليميين، وقبائل ميجاوي وهي كلمة فرعونية تعني الرجل المحارب، وهذا فخر كبير. وهم حاميون ويقال أنهم من سلالة أولاد كوش بن حام مثل النوبيون. لكنهم يتناسون هذا ويتمسكون بأنهم عرب لمجرد أن بعض الدماء العربية دخلت فيهم، وتزييفهم هذا واضح، لأن همهم الأول الانتساب إلى عائلات أهل البيت، لكن تاريخهم أصلاً قبل ظهورالإسلام بآلاف السنين. الهجرات العربية أتت من الجزيرة العربية لتعبر بوغاز باب المندب ثم إلى وادي النيل المصري والسوداني وشمال أفريقيا، وبعض الهجرات عن طريق شبة جزيرة سيناء. وتوجد في مصر جمعيات تدّعي انتمائها للعرب، وتعطي شهادات لبعض الناس سواء داخل مصر أو خارجها ليدعون أنهم أشراف، وبقية الناس حثالة ليس لهم لزوم. وثبت بأكثر من دليل أنها تعطي شهادات كاذبة لمجرد تلقي بعض الأموال أو لتضم شخصيات لها مراكز كبيرة، أو لمجرد المجاملة. والحكاية كلها تجارة وشطارة وبكش وتهليب فلوس باسم النبي صلى الله عليه وسلم. ومثل هذا حدث ويحدث في السودان، بعض النسّابة يحوروا النسب لأحدهم ويرسلونه إلى حضرة النبي العربي مقابل شوية فكّة. على رأي المثل المصري الدارج.. ومشي حالك حالك يمشي. وفي التاريخ القريب حادثة (الحراس) وحكايتها أن قوماً من القبط اتخذوا نسباً عربياً مدعين أنهم من بني حوتكة من قبيلة قضاعة. وأتوا بالشهود وثبت لهم ذلك القاضي العمري. وهنا ثار وفار عرب مصر، كيف يدخل القبط في نسبهم؟! عرب مصر المحتلين لمصر والآكلين الشاربين من خيرها، يثورون ويتكبرون ويتعنصرون على القبط أصحاب البلد التي آوتهم في حضارتها من بعد بداوة السلب والنهب والفقر. تقدم شاعر اسمه الخولاني، وهجا القبط والقاضي والشهود بشعر منحط. دعنا من جماعة من القبط هانت عليها نفسها فذهبوا يتوسلون بالنسب العربي فيما يقال عنهم حوتكة وقضاعة! ربما لفتح باب الرزق، وقد نالوا من التحقير ما يستحقونه، لكني هنا أبين أن الشهود ومعطيي الشهادات بالنسب العربي، أعطوا النسب حتى لأبعد الناس عن العرب! لماذا؟ في سبيل الرشاوى.
وتقف حكومات مصر وغيرها من حكومات غير آبهة بهذه العنصرية المفضوحة وهذا الكذب التافه. وقد وجدنا من يعطي هذا الصك للملك فؤاد ملك مصر الأسبق وفشل ومن حاول هذه البذاءة مع الملك فاروق آخر ملوك مصر. وقرأنا أن نسب الدولة الفاطمية الذين انتسبوا فاطمة الزهراء كانوا نسباً مكذوباً. ثم الطاغية صدام. ووفد مخصوص ذهب للقذافي ليعطيه هذا النسب، وبالطبع مقابل شئ والشئ لزوم الشئ! وغيرهم. الحكاية عندهم حكاية سياسة فقط لا غير. ومن يعطونهم تلك الصكوك، الحكاية عندهم حكاية رشاوى والله والرسول منهم بريئان. فالقرآن الكريم يعلمنا (إن أكرمكم عند الله اتقاكم. صدق الله العظيم) والرسول قال الكثير، منها.. لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى. والناس سواسية كأسنان المشط. وغيرها. ثم أن أغلب العلماء والفقهاء والشخصيات البارزة عربية اللسان وأصلهم من خارج الجزيرة العربية، أي أنهم عرب لساناً.
ونفس هذا الكذب نجده مثلاً في جزيرة المنصورية شمال أسوان مباشرة، حيث تجد السكان نوبيي اللون والملامح. ويدّعون أنهم عرباً، وأن جدهم الذي جاء من الجزيرة العربية أشار بسبابته إلى جموع كافرة تقترب من الجزيرة فتحولت تلك الجموع إلى مساخيط معبد كوم أمبو! والأديب الكبير عبد الوهاب الأسواني من هذه الجزيرة، ويحكي هو عن إدعاء ناس الجزيرة ضاحكاً، لكنه هو نفسه لا يقول عن نفسه أنه نوبي. رغم أنه لو جلس بين النوبيين لن يستطيع مخلوق أن يفرزه عنهم. هو نفسه لا يفكر في نوبيته رغم ثقافته الواسعة، بل ينكرها ويقول أنه من أسوان. وعبد الوهاب الأسواني من أنبل أدباء مصر -هذه معلومة على الماشي-. علماً بأن العرق النوبي ليس محصوراً فيمن يتحدثون النوبية جنوب أسوان، بل يمتد العرق النوبي حتى شمال أسوان، بل تجد نثرات منه حتى الأخميم والأقصر. وسوف يثبت العلم الحديث عن طريق فحص الجينات، سوف يثبت حديثي ويتم كشف المدعّين.
والتقرب من الدم الحاكم، الدم الأزرق تقرب تاريخي في مصر وغير مصر. ففي عهود الفراعنة لم يحترم الشعب الفرعون "أمازيز". والسبب أنه من عامة الشعب. وبعد حكم العرب لمصر ولغيرها، صارت قريش أولاً وعامة عرب الجزيرة بديلاً عن الدم الأزرق. فبدلاً من احترام أنفسهم خنعوا للغازي العربي، مثلما فعلوا مع المستعمر الأوربي ثم التركي فيما بعد. ربما لأن الشعب المصري صار أغلبه بزرميط وليسوا مصريين حقيقيين. لهذا أحبوا أن تكون المرجعية الفخرية من الخارج لأنهم جاءوا من الخارج. ولكي يطمسوا ناس مصر الحقيقيين مثل النوبيين وجداول من الأقباط.
والمحزن أن قبيلتي اسمها "المراداب" أي منتسبة إلى جدها مراد. ومراد هذا حفيد عبد الجليل صاحب المقام الموجود حتى الآن في بلده إسنا التابعة لمحافظة قنا. وعبد الجليل من الجزيرة العربية، ومن بيت سيدنا علي كرم الله وجهه. هكذا يقال. وحفيده مراد ترك إسنا وساح في بلاد الله جنوباً وتزوج من قرية بالقرب من أسوان وترك ذرية سميت بالمراداب. ثم تزوج في أسوان وترك ذرية سميت بالمراداب أيضاً وبأسوان شارع اسمه شارع المراداب. ثم واصل مراد صعوده إلى قرى النوبة وفي قرية توماس تزوج من عائلة "فقير" واسم فقير يدل على الفقيه، أي الفقير إلى الله المتفقه في الدين. ومن التي تزوجها كانت سلالة المراداب التي منها أنا. وبعضنا يضع في بيته ورقة أنساب تصل بنا إلى سيدنا علي، لكن عن نفسي والكثيرين مثلي، نقول.. إن كان هذا النسب صحيحاً وهو ليس صحيحاً بالقطع- فأهلا وسهلاً. لكن لن نتمسك به أكثر من تمسكنا بنوبيتنا. فمراد تزوج نوبية، وانجب منها بنينا وبناتا. ومن أنجبهم تزوجوا نوبيين وهكذا. إذن الدماء النوبية فينا هي الأغلبية والأصل، فكيف نتركها لنشيد بنقطة واحدة ونغلب هذه النقطة على كل هذا النيل النوبي؟! هذا غباء. ليس غباء فقط، بل جهل وقلة أدب. وأحد الذين يروجون لهذه البلاهة في قبيلتنا، معلوم أنه نصب على أخوته الصغار وأكل حقوقهم في بطنه الواسعة، ثم يطلق ذقنه الطويلة ويمسك بسبحته الهائلة ويتمحك في بيت على كرم الله وجهه. وأنا احتقر كل من يتعنصر ويتمحك في العرب وفي قريش ليتعالى على خلق الله في بلاد الله. احتقرهم حتى لو كانوا من المراداب.. قبيلتي.
والسؤال الذي سأله صديقي الأستاذ حَمَدون محمد عبده..
-هم كلهم من نسل النبي صلى الله عليه وسلم، ومن علي كرم الله وجهه وأخاه جعفر وأبو بكر وبقية الصحابة، مفيش حد فيهم من سلالة أبو لهب ولا أبو جهل؟!
هذا التساؤل البسيط يفضح هؤلاء المفضوحين. وأنا أضيف.. مفيش حد منهم من البدو اللي دخلوا مصر عشان فلوسها ونسوانها؟ مفيش حد من اللي جه قبل دخول الإسلام جه عشان يجد ما يأكله وما يرتديه؟ أليس منهم من أتى هارباً من مجاعة ومن فقر مدقع؟! خلال مناقشة مع أحد النوبيين الذين يدّعون أنهم عرب.. واجهنى في كبرياء وصلف وقال..
-لقد جئنا لنعلمكم دينكم
قلت له
-شكراً. لقد تعلمنا ديننا، فلماذا لا تعود لصحرائك إذن؟
بهت الذي تعنصر. أقول لهم خاصة النوبيين منهم.. من يدعي أنه عربي، ويتعالى على نوبيته ومصريته، يروح لموطنه الأصلي ويغور من بلادنا. لا يبقى معنا إلا من يفتخر بنوبيته ومصريته.
من كتاب (ينابيع الذات "مساحات من السيرة الذاتية") تحت النشر

أديب نوبي مصري
[email protected]