أعلم جيداً أن عنوان مقالتي هذه من شأنه أن يستفز الليبراليين، وقد تعمدت ذلك ليس من أجل تحريضهم على البحث في الموضوع والإشتباك معي في جدل طويل حول حسنات ومساوئ كل من الديموقراطية والتوتاليتارية بقدر ما هو من أجل فضح دوافع الليبراليين غير العادلة وغير النظيفة في وصف " التوتاليتارية "، الوصف الذي إبتدعوه بغرض تحقير الإشتراكية العلمية باعتبارها الشيطان الأعظم والخطيئة الكبرى متبنين بذلك موقف عتاة الرأسماليين والإمبرياليين القدامى.
يذكرنا فرانسس فوكوياما في مؤلفه الشهير " نهاية التاريخ والإنسان الأخير " (The End Of History amp; The Last Man) بتوعد خروتشوف لرهط كبير من الرأسماليين الأميركيين لدى اجتماعه بهم في واشنطن عام 59 حين خاطبهم بعد أن امتعض من خطاباتهم بالقول.. " أبشركم أيها الرأسماليون بأننا نحن الشيوعيين من سيدفنكم ". يقول فوكوياما بأن ذلك التهديد الخطير لم يكن تهديداً أجوفاً فمعدلات التنمية في الإتحاد السوفياتي كانت آنذاك تتراوح ما بين 4.6 ـ 6.3% سنوياً ـ وهذه الأرقام مأخوذة عن بيانات الإستخبارات الأميركية (CIA) بينما كانت هي في الواقع قريبة من ضعف هذه النسب دون اعتبار للمعايير السوفيتية الخاصة التي كانت تؤثر في تخفيض المؤشرات. ثم يشرح فوكوياما لماذا انتهى تهديد خروتشوف لأن يكون بلا معنى فيشير إلى أن نسبة التنمية في السبعينيات إنخفضت إلى 2% وفي الثمانينيات إلى صفر بالمائة.
أود أن أذكر الليبراليين هنا بتعهد خروتشوف أمام المؤتمر العام للحزب عام 56 بانتهاج الديموقراطية في أعمال الحزب والدولة، كما بتعهد بريجينيف عام 64 بانتهاج القيادة الجماعية للحزب وللدولة، أذكرهم بذلك كيلا يقولوا أن الإتحاد السوفياتي حين كان قادراً على دفن الرأسمالية والرأسماليين من خلال المنافسة السلمية وليس من خلال الحرب في الأربعينيات والخمسينيات لم يكن توتاليتارياً. لقد كان توتاليتارياً حتى العظم، وفق تعريفهم للتوتاليتارية، حين نهض وحيداً، نعم وحيداً، ليسحق النازية ويحمي العالم من غول الهتلرية.
يقول الليبراليون أن الخلاف الأساسي بين الديموقراطية من جهة والتوتاليتارية من جهة أخرى هو أن الدولة في نظام الحكم الديموقراطي تسمح لمواطنيها بحرية المبادرة وحرية الإختيار بينما تنعدم هذه الحريات في النظام التوتاليتاري. مثل هذا المنطق هو منطق شكلي ولا يصل إلى كبد الحقيقة. لئن كانت الحرية هي في الجوهر " وعي الضرورة " كما يعرفها كثير من الفلاسفة فلماذا لا تكون الدولة أكثر وعياً بضرورات شعبها من الأفراد وهي التي تتخذ قراراتها بناءً على دراسات متخصصة وإحصاءات عامة ؟ وقبل الإجابة على هذا التساؤل قد يعترض الليبراليون متسائلين عن أي دولة يجري الحديث. هم يعترفون فقط بشرعية الدولة التي يجري بناؤها بواسطة انتخابات شعبية ديموقراطية شفافة. لكن الحقائق على الأرض لا تساعد على إتخاذ مثل هذا الموقف، فأي دراسة موضوعية تشير إلى أن آلية الإنتخابات العامة ومهما كانت ديموقراطية وشفافة في بلدان الديموقراطية الليبرالية لا تفرز تمثيلاً شعبياً حقيقياً إلا بنسبة 10 ـ 15% أي أن 90% من الشعب تحكمه سلطة لا تمثله. وليس أدل على ذلك من أن شعوب تلك البلدان عافت الإنتخابات وأخذت تسخر من جدواها حيث لا يصل أكثر من نصف الشعب إلى صناديق الإقتراع. لم يجد البريطانيون فروقاًً ملموسة بين المحافظين من جهة والعمال من جهة أخرى، ولم يلمس الأمريكيون مثل هذه الفروق بين الديموقراطيين والجمهوريين كما لم يعد الألمان يميزون بين حكومة الديموقراطيين الإجتماعيين من جهة وحكومة الديموقراطيين المسيحيين من جهة أخرى. ولا أحتاج، هنا على الأقل، لأن أؤكد بأن الإنتخابات في البلدان التوتاليتارية، بالمعنى الدقيق الليبرالي للكلمة، أصدق تمثيلاً للشعب منها في بلدان الديموقراطية الليبرالية ؛ وهذا ما اعترف به، ولو بعبارات غير مباشرة، فرانسس فوكوياما، العدو الأشرس للإشتراكية والتي يسميها التوتاليتارية بهدف تشويه صورتها وتلطيخها.
الخطأ الجسيم الذي يقع فيه الليبراليون ويفسد خطابهم هو أنهم يفصلون فصلاً تاماً بين البناء التحتي للمجتمع، وهو نظام الإنتاج، وبين البناء الفوقي، والنظام السياسي هو أهم واجهاته. الحقيقة الثابتة التي لم تعد موضع جدال لدى مختلف علماء السياسة والإجتماع هي أن البناء السياسي إنما هو الإنعكاس التام والدقيق للبناء الإقتصادي. لا يمكن أن يضمن المجتمع، أي مجتمع، استمرار الحياة السهلة فيه دون أن يؤمن التناغم بين البناءين الإقتصادي والسياسي. لدى الليبراليين مرآة سحرية ليست لدى الآخرين بالطبع. إذا ما وقف قرد أمام هذه المرآة فسوف نرى صورة خروف !! وبامتلاك الليبراليين مثل هذه المرآة السحرية فقد باتوا يؤكدون أن المجتمعات البطريركية الرعوية والزراعية المتخلفة قد تأتي بحكومات ديموقراطية ليبرالية عن طريق الإنتخابات العامة الديموقراطية والشفافة. هل مثل هذه الإنتخابات، آلة الليبراليين السحرية، صعقة إلهية أم جنيّة أم سحرية لتأتي بأشياء للمجتمع ليست منه ؟ أم أنها تمرين ذاتي لا تضيف إلى المجتمع أي جديد وأنها كالمغرفة لا تخرج من القدر إلا مما فيه ؟
ورقة التوت التي استخدمها الليبراليون بنجاح ملحوظ لستر عوراتهم هي تمويه معنى التوتاليتارية حتى بات لا يختلف عن معنى الحكم التسلطي الفئوي المغلق (Authoritarianism) من مثل حكم صدام حسين في العراق وحكم الأسد في سوريا. فإذا ما كان الحكم هو علاقة الدولة بمواطنيها فإن أي محاكمة سريعة للدولة التوتاليتارية والديموقراطية والتسلطية (Authoritarian) ستبيّن لنا أن نقيض الدولة التسلطية ليس هو الدولة الديموقراطية بل الدولة التوتاليتارية ؛ فالدولة التسلطية لا تهتم إلا بمصالح العصابة الحاكمة، عصابة وافدة من خارج المجتمع ولا تنتمي إلى أيٍّ من طبقاته، أما الدولة الديموقراطية فإنها وبعكس إسمها لا تهتم إلا بمصالح الطبقة التي تمثلها وهي طبقة ضيقة تنحصر في مالكي أدوات الإنتاج وأما الدولة التوتاليتارية فهي الدولة التي تهتم بمصائر سائر مواطنيها وبصورة حثيثة حتى يصل الأمر بها إلى أن ترسم مصائرهم مسبقاً ـ نحن نحاكم هنا عمل الدولة وليس تمثيلها.
ما ينبغي الإشارة إليه في هذا السياق هو أن العرب بصورة عامة ومثقفيهم بصورة خاصة لم يمتلكوا أبداً المستوى الثقافي الذي يمكنهم من نقل الثقافة الغربية بحذافيرها وبمقاصدها، فمثلاً فرانسس فوكوياما أبو الديموقراطية الليبرالية وحامي حماها حتى أنه اعتبرها نهاية التاريخ أي أن التاريخ لن يبارح محطتها الأبدية، هذا الفوكوياما وهو شيخ وإمام الليبراليين الديموقراطيين قد تبرأ من التاريخ الإستعماري للدول الرأسمالية الكلاسيكية، وكذلك يفعل جورج بوش الإبن اليوم، باعتبار أنها لم تكن ديموقراطية ولا ليبرالية، إلا أن الليبراليين العرب القدماء والمستجدين سواء بسواء، وبالرغم من كل هذا، أخذوا يهاجمون جمال عبد الناصر بدلاً عن مهاجمة الإستعمار. للمرء أن يستغرب قصر نظر هؤلاء الليبراليين العرب الجدد. فالدول الإستعمارية التي شرعت بتطويق عبد الناصر منذ الأيام الأولى لاستلامه السلطة في مصر لم تكن دولاً ديموقراطية ليبرالية باعتراف بوش وفوكوياما كي يراها عبد الناصر مثالاً ليقلدها. من ساعده في مواجهة الإستعمار كان السوفييت فكان عبد الناصر أكثر ميلاً لتقليد نظامهم. إحتفلت الأمم المتحدة بنهاية الإستعمار في العالم بعد عامين من رحيل عبد الناصر المفاجئ لكن التاريخ سيسجل أن القائد العربي المصري جمال عبد الناصر قاد آخر حملة إنسانية عامة للقضاء على الإستعمار في الكوكب الأرضي.
كان أول من إبتدع مفردة " التوتاليتارية " في علم السياسة هو بنيتو موسوليني إذ شرح توتاليتاريته على أنها سياسة كل شيء في الوطن يجب أن يكون في خدمة الدولة. كان ذلك عام 1922 وفي عام 1933 ظهر هتلر في ألمانيا يتبنى ذات النهج التوتاليتاري وفي العام 1936 ظهر فرانكو في اسبانيا. نظرة سريعة الى هذه الدول تشير إلى أنها جميعها كانت قد جردت من مستعمراتها إن بالحرب أو بالتآمر من قبل الإمبراطوريتين الإستعماريتين الكبريين، بريطانيا وفرنسا. تجريد مثل هذه الدول من مستعمراتها من شأنه أن يضعها على مفترق طرق، إما الإستمرار في طريق التنمية الرأسمالية الإمبريالية وإلاّ فلا مفرّ من التحول إلى الطريق الإشتراكية. لقد ظهرت في الدول الثلاث بوادر قوية للتحول إلى طريق الإشتراكية وهو ما أملى على الإمبرياليين الإنجليز بشكل خاص وعلى اليمين الفرنسي تجنيد كل الطاقات لمنع التحول إلى الطريق الإشتراكية قبل أن يخرج الأمر من تحت سيطرتهم كما حدث مع روسيا. ما هو معلوم في الحقيقة هو أن الإنجليز أنفقوا أموالاً طائلة في ألمانيا والجزء الأكبر منها رشىً لقادة الحزب الإشتراكي ليأتوا برجل هامشي من الشوارع الخلفية، أدولف هتلر، وينصبوه زعيماً لا صنو له في أوروبا ثم يعطوه النمسا بحالها ومقاطعة السوديت من تشيكوسلوفاكيا ليضمهما نهائياً إلى ألمانيا ويغمزوه في مؤتمر ميونخ لاحتلال الإتحاد السوفياتي واستعماره. ويرجح أن الإنجليز كانوا قد فعلوا ذات الشيء في إيطاليا فأتوا برجل أحمق وفاشل في العمل السياسي وجعلوه زعيما يهابه الملك ورجال الدولة وسمحوا له بإعادة إحتلال ليبيا والقرن الأفريقي. ولعلهم فعلوا ذات الشيء مع فرانكو الذي ما كان لينتصر عام 1939 إلا بتآمر اليمين الفرنسي وعلى رأسه إدوارد دالادييه وبعض رجال الحزب الإشتراكي. كانت الخطة العامة للإمبريالية الأنجلو فرنسية تقضي بإلقاء بعض الفتات من المستعمرات الفقيرة لهذه الدول التوتاليتارية المجندة كل طاقاتها للتمدد خارج الحدود واستعمار شعوب أخرى. وهكذا فإننا نلمس تاريخياً أن التوتاليتارية كانت قد ظهرت في التاريخ الحديث لتحقيق غرضين رئيسيين هما : أولاً، إغلاق الطريق الإشتراكية أمام شعوب ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا. ثانياً، ممارسة التمدد الإستعماري الحيوي بالنسبة للنظام الرأسمالي.
التوتاليتارية في أوروبا قامت أصلاً ضد روسيا فلماذا روسيا أيضاً توتاليتارية ؟ روسيا كانت قد إختارت طريق الإشتراكية ولم تستطع كل قوى العالم ثنيها عن هذا الخيار. والسياسة الروسية عرفت عملياً بمساعدة البلدان المستعمرة على التحرر وبعدائها التام لكل السياسات الإستعمارية فلماذا يصر الليبراليون على وصفها بالتوتاليتارية وعلى تصنيفها بصنف النازيين والفاشيين وهي أبعد ما تكون عنهما. يبرر الليبراليون تصنيفهم لروسيا الشيوعية بسبب أن الدولة السوفياتية كانت تجند كل طاقات الوطن من أجل تحقيق أغراض الدولة. نعم هذا صحيح إلى حد بعيد لكن أغراض الدولة لم تكن إلا أغراض كل الناس البسطاء التي أولها قيام الدولة بحفر قبرها بنفسها، وإنهاء إستغلال الإنسان بصورة مطلقة وتوفير كل احتياجاته المادية والروحية في حياة رغيدة دون مقابل. لئن كانت هذه هي التوتاليتارية فنعم التوتاليتارية، وبئس الديموقراطية !
ما يضطرنا إلى التوقف متفحصين دوافع الديموقراطيين الليبراليين والبحث بجدية عن الخبيث منها هو أنهم نسوا تماماً توتاليتارية ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية ووقروا أسماعنا بتوتاليتارية روسيا السوفياتية ودكتاتورية ستالين بعد أن نسوا دكتاتورية هتلر وموسوليني. ومن هنا يمكن أن يكون لدينا كل المبررات لاتهام الليبراليين الديموقراطيين بأن دافعهم الخبيث لوصف الإتحاد السوفياتي بالتوتاليتارية تماماً مثلما توصف ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية ليس إلا تشويه تاريخ الإشتراكية وصورة الإشتراكية ومنجزات الإشتراكية ولا أحسب أن مثل هذه المهمة هي من المهمات المقبولة على الإنسان الإنسان.
فؤاد النمري
www.geocities.com/fuadnimri01




التعليقات