بدأت العمل في الصحافة منذ سبعة وثلاثين عاما كنت عندها في الرابعة عشر من عمري، فأصبحت أصغر صحفي في تاريخ الصحافة العراقية،ولكني باشرت الكتابة الصحفية منتصف الثمانينات وبدأتها في مجال الكتابة الساخرة باللغتين الكردية العربية في العديد من الصحف والمجلات التي تصدر في العراق، واتخذتها مهنة إضافية الى جانب العمل بالصحافة..وكنت بين حين وآخر أكتب المقالات السياسية كلما ملكتني أفكار محددة في ضوء الأحداث السياسية وإن كنت أذيلها في كثير من الأحيان بتوقيع مستعار اعتزازا مني بكتاباتي الساخرة.
وصادف أن عملت مع أحدى الصحف الحزبية في كردستان كمحرر فيها، ومن عادة الصحف الحزبية أن يعينوا عضوا في قيادتها رئيسا للتحرير. وبعد جهد جهيد مني ومن زملائي خصصت الصحيفة زاوية اسبوعية أكتب فيها مقالاتي الساخرة، وصال قلمي وجال في مجال انتقاد أداء الحكومة وإدانة الظواهر الإجتماعية، فأنا أعتقد أن المجال الوحيد للكتابة الساخرة هو نقد السلطة أيا كانت، سلطة الدولة، أو سلطة المدير على موظفيه، أو سلطة الفقيه على مريديه،أو حتى سلطة الأب داخل أسرته في بعض الأحيان، فإذا لم تكن هناك سلطة غاشمة أو مستبدة أو فاشلة لأفلس الكتاب الساخرون،فلا وجود لكاتب ساخر من دون نقد واقع سلطوي، ويمكن للقاريء أن يجول بناظره في جميع الصحف ليجد أن المهمة الوحيدة للكاتب الساخر أينما كان، هي انتقاد الأوضاع السيئة التي يعيشها الناس في ظل سلطة معينة.
بالعودة الى وضعي في تلك الفترة أود أن أشير الى أن كتاباتي الساخرة في تلك الصحف لاقت رواجا في السوق الكردستاني حيث لمست ذلك من خلال تعليقات ومداخلات القراء والأصدقاء الذين كانوا يشدون على يدي لتلك المقالات، وكنت بين حين وآخر أكتب مقالات سياسية أيضا للجريدة باسم مستعار باعتباري عضوا في هيئة تحريرها.وبعد أن تطاولت وتجاوزت خطوطا حمر بكتاباتي، استدعاني رئيس التحرير وقال ليquot; أنت كاتب ناجح في السياسة فلماذا تهدر وقتك وراء مقالات ساخرة لا طائل من ورائها، أنا من رأيي أن تنصرف الى الكتابة السياسية وتترك مقالاتك الساخرة فهناك مستقبل واعد ينتظرك إذا ما استمريت في هذا المجالquot;؟!.
كنت أعرف أنه والذين معه قد ضاقوا ذرعا بانتقاداتي للوضع وأنه يستحي أن يطردني من الجريدة لهذا السبب خاصة وأنهم يعلقون شعارا كبيرا أمام واجهة مقر الجريدة يدعو الى الديمقراطية وحرية الرأي.فأغلقت الصحيفة زاويتي وبقيت على الحديدة.
قبل أيام التقيت بأحد أصدقائي القدامى فبادرني بالقول: أنه يتابع مقالاتي شبه اليومية في موقع (إيلاف) وهنأني عليها، لكنه عاد ليقول لي: أنت يا شيرزاد ترتدي زيا لا يناسبك، فقد عرفناك كاتبا ساخرا وتابعنا مقالاتك،لا أدري ما الذي دفعك الى السياسة، فأنت تتقنع مثل الزورو وهذا أمر لا يعجبني، خاصة عليك أن لا تنسى أن في هذا الموقع يكتب المئات من الكتاب في السياسة وبشكل يومي وليسوا بحاجة لكتاب إضافيين مثلك، فهلا رجعت الى أصلك وفصلك وتركت لهؤلاء الكتاب أن يعتاشوا على أرزاقهم من دون أن تزاحمهم وتعود الينا كما عهدناك في السابق كاتبا ساخرا تضحكنا قليلا وتبكينا كثيرا على الواقع المر الذي نعيشه، وأنا أعلم أن (إيلاف) لا تبخل عليك بفتح أبوابها على مصاريعها أمام كتاباتكquot;.
هذا رأي أعتز به لأنه يصدر عن صديق صدوق. ورأي هذا الصديق ورأي رئيس التحرير الأسبق والقيادي المذكور يعبران تمام التعبير عن الواقع الراهن في العراق كما في السنوات السابقة.فأنا أعتبر رأي القيادي ورئيس تحرير الصحيفة السابقة هو رأي السلطة الذي من عادته أن يضيق ذرعا بانتقادات الصحافة والإعلام رغم أن معظم من يمثلونها يرفعون شعارات براقة خلف كراسيهم باحترام الرأي والرأي الأخر والنقد والنقد الذاتي، فقد إعتادت السلطة أن ترى زمارين وطبالين والبوقجيية وليس المشاكسين وأصحاب القلم الشريف، فيما رأي الصديق يعبر أيضا عن رأي الشارع والناس البسطاء المبتلون بحكوماتهم، فهم يريدون من الكتاب أن يشرحوا أوصال الحكومة بأقلامهم وهم ينظرون، وأن يوجهوا لها الكلمات اللاذعة وهم يضحكون على الواقع السيء الذي يعيشونه، وهذا ديدن الشعوب دائما مع حكوماتها سواء كانت في العراق أو جيبوتي التي انضمت أخيرا الى الجامعة العربية رغم تفرنسها.
وبعد أن فكرت ونجمت كثيرا لم أجد أحسن قولا من هذا الصديق.فالشارع والناس يرفضون الطبالين الزمارين وهم في النهاية ملاذي وملجأي فأخترت العودة الى صفوفهم ووسطيهم، فأنا أخاف أن أقع في النهاية بالمطب، مطب تمجيد الحكومات لقاء حفنة من الدولارات أو الدنانير المزيفة.وكما يقول الشاعر الكبير نزار قباني ( عندما يصبح المفكر بوقا، يستوي عنده الفكر والحذاء).
عليه قررت من الآن اعتزال الكتابة السياسية والعودة الى أصلي وفصلي إعتبارا من المقالة القادمة و أرجو أن يتسع صدر زملائي الكرام في موقع (إيلاف) لكتاباتي الجديدة بعد أن أكملت 50 مقالة سياسية منذ بدأت الكتابة فيها،وأن يتحملوا تطاول لساني وانتقاداتي للوضع المزري الذي نعيشه وهذا ظني بهم، فالى الملتقى..

شيرزاد شيخاني

[email protected]