كيف لي أن أكتب عن المرأة الجزائرية ؟،هذه المرأة المستحيلة كما تقول عنها الشاعرة الكويتية الكبيرة سعدية مفرح.هي امرأة من قوة وخير ومحبة.منذ البدء لم تجد الحياة أمامها سهلة أو في متناول القلب و في متناول الحلم أو حتى في متناول اللحظات المتتالية عبر تاريخها الطويل.. فمنذ وعت هذه المرأة على حقيقة قيمتها في هذا الوجود وهي تناضل من أجل هذا الوجود ومن أجل هذه القيمة ومن أجل تثبيتها في الحياة كنوع من التحقق الذاتي لها و للحياة التي تحياها.. وكان عليها أن تدفع باهظا وكثيرا وتماما حتى تصل إلى هذه الحياة اليقينية الحقيقية.فقد كان قدرها أن تكون حياتها دوما قاب قوسين أو
أدنى من العتمة والظلمة والموت والاغتيال.. نعم كان قدرها المتتالي أن تكون على تواصل وعلى صلة
مع الغبن والحزن على مدى العصور... ؟، فمن عصر الإستعمار إلى عصر الإرهاب، مسافة خاطفة لم يتسنَّ لها فيها أن تأخذ أنفاسها أو أن تعيد ترتيب بيت الفرح المحروق على جبين القلب منذ نبضـتـها البـِـكْــر ؟ أو أن تشعل شمعة إحـتـفاءٍ في حـضرة حياة لا تخلع عباءة زهوها ؟.
لكن قدر المسافات بين القلب والعين أن تـكـتـظ على مـدى العمر بما يـُوجع، وبما يـنـزف إلى حـدّ الإسـتـفـحال... هي التي على مدى عقود من الجراح مازالت مناديلها لم تجف بعد من ليل دموعها على شهداء الوطن لتفاجأ بليلٍ آخر يذرفها أكثر من دمعة في زمن الموت الأحمق الذي تفـنن في رسم تفاصيله الإرهاب الأعمى الفاحش حدّ اللعنة...
وكأنّ قـَـدر المرأة عندنا أن تدفع ثمن فاتورة أخطاءٍ لم تـرتكـبها، باهظا، وما أكـثـر الفـواتـير الباهظة التي دفعـت و تـدفع ثمنها على مدى أجيال الصراعات / و الجراحات المتعاقـبة..؟.
فهل يجـف دمعها الهاطل منذ شتاءات ؟
وهـل تـنـسى جـرحها الـمـشـتـعـل مـنـذ سـنـوات؟..
ومن تـراه يـنـسى صور النساء الجزائريات المذبوحات وكأنها لوحات فاقت زمن السوريالية والخيالية ؟، كلّ العالم مثلنا يستغربُ : هل حقا بلد الثورة العظيمة فيه أيادٍ آثمة بهذا الشكل..؟، وقلوب آثمة بهذا الشكل..؟، الذي حدث ويحدثُ على خشبة الواقع عندنا لم يحدث حتى في أفلام الخيال والرعب..في تلك الأفلام لا أحـد يملك الـقـدرة على تـصويـر مـشـاهـد وهـميّـة لذبح الأطفال والرُضَّع والنساء..أما عـنـدنا فالمـشاهـد واقـعـيـة تـتـم بـدنـاءة عـالـيـة، وبوحـشـيـّـة غـيـر مـشـكـوك في أمـرها..؟...المرأة عندنا أختطفتْ واغتصبتْ وذُبـِحتْ واغتيلتْ ونُـكـِل بها بأقـسى صور البشاعة وحتما شاهدت كلّ الدنيا في كل قنوات العالم، وعلى صدر جرائد ومجلات الكون صور الرعب الذي تعرضت له، سواء كانت مثـقـفة،أو بسيطة وبعيدة عن أي ضوء إعلامي وثقافي.. و مازالت إلى اليوم عرضة للخطف، للإغتصاب، والإغتيال.
المرأة عندنا كانت دوما ضحية الحروب والإرهاب و ضحية السياسات المتعاقبة والحكومات المتعاقبة والقوانين المتعاقبة التي تتغير بمزاجية أصحاب القرار مرة إثر مرة.
لكن كل هذا لم يثنها يوما عن مواصلة حياتها بأجمل ما تملك من حلم وخير ومحبة وفرح وطموح
لأنها عادة لا تستسيغ فكرة الركن على الهامش / هامش الحياة،هامش الفرح.
وكل ما حققته من أحلام و حياة أكيدة كان بنضال ومكابدة. كانت تتمتع بجهوزية كافية و متأصلة
للإستمرارية و مواصلة مسيرة الحياة /مسيرة الوجود. رغم كل المعيقات والمحبطات والطابوهات القبلية التي توضع أمامها ونصب خطواتها لتقول لها في كل مرة : هذا لا يجوز،هذا غير لائق
هذا ممنوع..والقائمة طويلة بهذا الشأن،إنها محاطة بأكثر من سلطة في الآن ذاته سلطة ذكورية، سلطة مجتمعية،سلطة قبلية، حتى أنها وفي بعض المناطق والأمكنة سلطة حريمية ؟، فالمرأة في كل خطواتها تجد الرقيب الذي أنتجته ذهنيات المجتمع القبلي يمارس سلطته وتسلطه عليها...وهذا ما أدى
بها( بعضهن طبعا وربما أغلبهن ) إلى الإنزواء أحيانا في ثياب الخوف والتردد والإكتفاء بما تمليه هذه
السلط من أوامر وقرارات وتعليمات. دون تحقيق نجاحات على الصعيد الشخصي أو الذاتي والتنازل حتى عن الأحلام والطموحات خضوعا لا قناعة. وهذا ما جعل الأوضاع الإجتماعية التي يعشنها سيئة أحيانا ومتردية أحيانا أخرى ومزرية في مرات أخرى. وهذا كله ضخم مساحة التردي في أوضاعهن.
حتى بعض العاملات والمثقفات وصاحبات المناصب حققن مكاسب على الصعيد العام كواجهة فقط لكن على الصعيد الفرداني أو الشخصي قلة من حققن نجاحاتهن الشخصية المكتملة أو حققن حريتهن اللازمة أو اكتفاءهن الذاتي منها.. فحتى هذه المرأة التي في ظاهر الأمر حرة مثقفة هي في حقيقة الأمر مغلوبة على أمرها،لأنها ليست سيدة نفسها أو أمرها في معظم الحالات،فهناك من يقرر عنها
ومن يحاسبها ومن يردعها ومن ينتقص من قيمتها كامرأة حرة كاملة الحقوق.
ربما هذه ميزة تتقاسمها معظم النساء العربيات،طالما المجتمعات هي نفسها وعلى درجة متقاربة أو متساوية في الذهنية القبلية المتسلطة،الذهنية الذكورية بامتياز.
لأن المجتمع العربي عموما بذهنيته الذكورية يفضل أن تكون المرأة مجرد مفعولة بها لا فاعلة في حياتها أوفي مجتمعها أوفي مسيرتها وفي كل الأمور الممكنة الحدوث.

لكن في كل هذه السلسلة المأزومة من حياة المرأة الجزائرية هناك عينات وان كانت قليلة لنساء حققن ذاتهن وشخصيتهن وأحلامهن وحياتهن وتواجدهن بجدارة وتميز.
ما يمكن أن أقوله في العموم هو أن حال المرأة الجزائرية لا يختلف كثيرا عن مثيلتها العربية في بقاع أوطاننا العربية من محيط الهيمنة إلى خليج السيطرة. وهي بهذا تظل دوما ضحية الذهنيات السائدة البليدة المتكلسة، وأيضا ضحية أحلام الذات المقموعة وكابوس الواقع.
ومع هذا فهناك الكثير من الإنجازات على صعيد الحياة الإجتماعية التي حققنها والتي تدعو رغم كل شيء إلى الفرح،ولو بعض الفرح.؟

الجزائر
[email protected]