يروى أن المأمون العباسي قال لعمه عبدالله بن الحسن وقد تقدمتْ به السن: ما بقيَ من لذائذك يا أبا علي.؟ فأجابه: إثنان، الأولى اللعب مع الحفدة والأسباط، والثانية الحديث مع الصم البكم العمي.!! فقال المأمون: عرفنا الأولى فماذا عن الثانية.؟ فأجابه: قراءة الكتب فهي لا تـزعجك بصوت، ولا تتجسس عليك بسمع، ولا تتطلع عليك ببصر!!

بما أنه ليسَ لديَّ أحفاد أبادلهم اللعب والتسلية، فابني البكر بالكاد قد تجاوز الآن عقده الأول من عمره بثلاث سنوات، فليس أمامي سوى أن أتمتع بواحدةٍ من تينك اللذتين، وهي قراءة الكتب، ولكن هل حقاً القراءة تجلب المتعة واللذة لنا وتضعنا تالياً على قيد التلذذ المعرفي والفكري، فمن واقع تجربتي مع القراءة، أستطيع أن أؤكد هذه الحقيقة الساطعة، فالقراءة كانت ولم تزل بالنسبة لي واحدة من أكثر المتع الحياتية التي لا تنفك أن تأخذني دائماً ومراراً إلى روابيها المضمّخة برحيق الألوان المعرفية والثقافية، وفي أحيان أخرى تقودني القراءة إلى الحفر في أرضيات صلبة لم أعتد أن أجوس طبقاتها من قبل، وفي أحيان ثانية تقذفني بين منزلقاتها الوعرة وعليَّ أن أجيد التوازن في السير بينها تحسباً من السقوط في تعرجاتها الحادة، وفي أحيان ثالثة تدفعني إلى السباحة فوق أمواجها المتلاطمة، وعليّ أن أصل في هذه الحالة إلى اليابسة بأقل الأضرار الممكنة، أو ربما بكثير من الأحمال المعرفية الممكنة، وفي كافة الأحوال تبقى القراءة فعل ممارسة معنية في الأساس بدفع القاريء نحو توسعة مداركه الفكرية والذهنية وبلورة آرائه وأفكاره من خلالها، ولذلك تبقى القراءة عبر كافة تنويعاتها وألوانها ومستوياتها تسير بنا ونسير بها أيضاً سفوحاً عالية وودياناً عميقة ومنحنيات حادة، وعليهِ فإن القراءة بالنسبة للكثيرين تعني تفعيل الحضور الذاتي بفاعلية شديدة، وتعني أيضاً ولوجاً تفاعلياً في المشهد الثقافي الكوني، وهذا الحضور لا يعني سوى أنه حضور مدعم بتقنية التواصل الثقافي مع الآخرين عبر الكلمة والحرف والفكرة والحوار، والتواصل أيضاً وبممارسة حضورية ذاتية جمالية مع الحياة عبر القدرة على محاكاة صورها وأشكالها واحتمالاتها الكثيرة..

وعادةً ما ترتبط القراءة بالساعات القرائية التي يتفنن القاريء بتهيئتها بمزاجية احترافية كلحظاتٍ زمنية مكثفة ومتفردة بطقسها الداخلي الخاص، ولكن لحظة القراءة ذاتها ليست منفصلة عن لحظاتها السابقة واللاحقة، بل تعتبر عملاً ثقافياً يتكامل جيداً وعميقاً في تصاعده التدريجي والواعي مع كل لحظاته القرائية الأخرى، ولذلك أعتقد شخصياً أن القراءة عالم ثقافي خاص يبنيه القاريء بممارسة ذاتية عميقة مع لحظاته وأوقاته القرائية، ويجد فيه بالتالي عالماً ذاتياً يحافظ عليه ويطوره ويبقيه بعيداً عن أية محاولة لهدمه أو تخريبه أو تشتيته، وفي النهاية يجد فيه عزلته اللحظية التي يتفاعل معها ممارساً حضوره الذاتي الثقافي، وعلى هذا النحو ربما يكون محقاً عبد الله بن الحسن حينما وجد في قراءة الكتب لذةً كبيرة، لأنها تمنحه مناخاً خاصاً يتصف بالرحابة والصفاء والهدوء والحوار الداخلي، وتبني في الوقت نفسه عزلتها المتفردة الكاملة مع صاحبها بعيداً عن مسرح الضوضاء والازعاج والتجسس والتطفل..

وإذا كانت القراءة في ثقافة القاريء بمثابة عالم جميل يرعاه ويبنيه ويمارس فيها حضوره الذاتي الثقافي بتفاعلية خلاقة مع ما يقرأ، فإن القراءة عموماً بالنسبة له في مقابل ذلك تبقى ربما أقلّ أهمية من قراءة الحياة بصورة عامة، فمن ينصرف عن قراءة الحياة بقراءة الكتب فقط يبقى رهن الأفكار والتصورات وربما رهن المثاليات والرؤى الطوباوية التي تحتويها اطروحات المؤلفين في كتبهم، ولذلك فإن الكتاب بالنسبة للقاريء الواعي ليسَ سوى الوقت المستقطع الذي يتفاعل فيه مع أفكار الكاتب سلباً أو ايجاباً، متطلعاً في الوقت نفسه لقراءة الحياة بكل جوانبها ومشهدياتها وصورها وأشكالها وفنونها الكثيرة، لأن الحياة ليست شيئاً جامداً وثابتاً بل مجموعة متنوعة هائلة من المواقف والعوالم الرحبة وتحوي بين جنباتها العديد من الممارسات الإنسانية التي تجعل القاريء لها يقف أمامها متفاعلاً ومتأملاً ومفكراً وتثير فيه بالتالي حاسة استحضار التذوق الذاتي مميزاً به بين طبيعة وتفاوت مستويات تلك الممارسات، وأغلب ما أبدعه الإنسان في مجالات الفكر والمعرفة وما أبدعه تبعاً لذلك في ابتكار الأنماط التفكيرية والمعيشية والتنظيرية كانت بفعل تداخله الالتحامي مع قراءته المستمرة للحياة المتنوعة والمتغيرة والمتحركة، بينما الكِتاب في الأغلب الأعم يبقى عاكساً لرؤية الكاتب وفكره وتصوره وعاكساً حتى في أحيان كثيرة للحالة الشعورية والمزاجية التي يكون عليها الكاتب، وكلما كان القاريء يمارس حضوره الذاتي بالقراءة التفاعلية للكتاب والحياة معاً، كانت قراءاته تلك تثير فيه مكامن الخيال وتشعل فيه جذوة التفكر وتبقيه قيد الإثارة الفكرية وربما في أحيان أخرى تستقريء فيه منابع الدهشة وآفاق التأمل..

وأمام الكثير من النصوص الكتابية بكافة أشكالها التعبيرية ومجالاتها المعرفية وتنوعاتها الفكرية التي يقف في مواجهتها القاريء المسكون بمتابعاته القرائية، عليه أن يكون متيقناً من أمر في غاية الأهمية تتعلق بمدى تمتعه بقدرتهِ الذاتية على التمييز بين تلك النصوص من خلال ادراكه العميق للأخذ بأهمية أن يكون مدفوعاً بانتهاجه فاعلية القراءة سبيلاً تمنحه القدرة على التمييز بين ما يرفع فيه درجة الوعي وما يبقيه على خط التشابك التفاعلي مع مكوناته الثقافية الفطرية وليست المكتسبة، أو بين ما يدفعه إلى رفض ما تحويه النصوص الداعية إلى تغييب العقل وإلغاء التفكير وسلب الاختيار الحر..

وتتجه أكثر القراءات فاعليةً وفائدةً وعمقاً للنصوص المُحرضة على التفكير والتأمل والاستنتاج إلى تعمّد الولوج في أعماقها وتفكيك مضامينها الثقافية والحفر في جوانبها المخفية في محاولةٍ للخروج بفكرةٍ موازية لها تتمتع بالقدرة على محاكاة النص الأصلي بمتعة فلسفية وفكرية، وعادة ما تتمتع بعض الروايات التي تختزل فلسفة ما في فكرة إنسانية عميقة بقدرتها على تحفيز الذات القارئة للدفع بها نحو بلورة بعض الأفكار وبعض التفاصيل وبعض جوانب الحياة في فلسفات تبعث على التفكير والاستنتاج والتأمل، وتبعث أيضاً على استقصاد جملة من الاحتمالات المفتوحة والممكنة وربما غير الممكنة أيضاً على الواقعيات المسلكية أو حتى على التخيلات الذهنية، ومن خلال هذه النوعية من القراءات المستفيضة بالتدفق الفلسفي والفكري تبقى الذات القارئة تتحسس حضورها التفاعلي في المشهد الثقافي، ولتبقى تبعاً لذلك متمسكة بواحدةٍ من أكثر استنطاقاتها الملحة لطبيعة وجودها على مسرح التحولات الفكرية، تسير بوعي للقيام بعملية الفرز بين كل ما يتماوج أمامها من تيارات فكرية واتجاهات تجديدية وطرائق في الممارسة الثقافية..

وإذا ما اتفقنا مع كل مَن يرى بأن القراءة فعلٌ ثقافي تراكمي تضع القاريءَ دائماً على قيد التواصل مع كافة لحظاتها وأوقاتها القرائية التي تتراسل فيما بينها ثقافياً ووجدانياً وحتى ربما شعورياً ونفسياً، بمعنى إنها تستدعي في القاريء ذاكرته الزمانية والمكانية التي ترافقه ربما لحظةً بلحظة وهو يعيش تفاصيل قراءاته الحالية واللاحقة، فإن ذلك يعني أن قراءاته التي تتراكم معرفياً وفكرياً تستند أساساً إلى استدعائه دائماً للخبرة القرائية التي يتمتع بها، فمن خلالها يصبح مسكوناً بهاجس الجديد الذي يضيف إليه تنوعاً فكرياً وزخماً معرفياً رحباً، وتضيف إليه الخبرة أيضاً احساسه التصاعدي بممارسته لحضوره الذاتي الثقافي بتلقائية مع ما يقرأ، وما يزيد من خبرته القرائية ويمدها تالياً بالتفتح الذهني والنمو الإدراكي انفتاحه الكامل على القراءات المفتوحة ذات الآفاق الرحبة المنطلقة والمتجددة والمنعتقة تماماً من أرصدة الافهامات الضيقة والمحدودة، والمنعتقة من ترسبات الثقافات الماضوية والغيبية، ولذلك كلما كان القاريء متحسساً بعمق وشفافية أبعاد نزعته الفردية في استثارتها لحضوره الذاتي الثقافي، كلما كان قريباً من فكر الانفتاح والحداثة والعقلانية، ومتحرراً بالتالي من كل ما يقيّد عقله وفكره وقراراته واختياراته وتوجهاته الحياتية واتجاهاته المعرفية..

وربما عليَّ أن أطرح تساؤلاً بعد كل ما ذكرته ولكن في اتجاه آخر، قد يبدو من الوهلة الأولى على الأقل بالنسبة لي، تساؤل لا فائدةَ ترجى من الإجابة عليه أو ربما لا فائدةَ من طرحه، سوى أنه يراودني في هذه اللحظة مفاده: لماذا نقرأ.؟ ربما هناك ثمة غموض يتوارى خلف القراءة بحد ذاتها كفعل يقترفه الإنسان منذ القدم، الغموض الذي ربما لا يفصح عن ماهيته كثيراً، أو ربما لا نستطيع أن نخوض غماره ببديهيات مسبقة ومعروفة، وربما هو الغموض الذي يرمينا بعيداً في لجة التساؤل مجدداً عن حقيقة القراءة وما يرافقها من احتمالات واستنتاجات وشكوك وتفكير وبحث وتأمل، وربما هو الغموض الذي يريد منا أن نتأكد من إننا نمارسه ذاتياً لكي نفكّ رموزه ونستجلي أبعاده ونعيش تأثيراته ومؤثراته ونحلق في عوالمه الفسيحة..


محمود كرم
كاتب كويتي
[email protected]