لا يمكن للباحث ان يرسم خطا فاصلا بين الناحية الدينية وغيرها من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية،في المجتمعات التي نشأت وفق القاعدة الدينية.لخضوعها للجانب الديني وتجميع كل السلطات بيد الخليفة،لذا فأن اي تغيير في مجال السياسة ولا يتلائم والمنطق الديني السائد يُعد خروجا،وبالتالي يعتبر صاحب السلطة السياسية منحرفاً عن الدين.فهو بنظر الاخرين المتمسكين بتلك العقيدة الدينية يستحق الوقوف بوجهه وعزله عن السلطة. او الثورة عليه وازاحته من ساحة الحكم بالقوة والعنف.ان سياسة الخلفاء الراشدين التزمت بهذا الاتجاه والذي كان متمشيا مع الظروف الزمانية لتلك الدولة. ولو ان رياح التغيير بدأت تهب على الخلافة الاسلامية منذ وقوع الفتنة في عهد الخليفة عثمان بن عفان(رض) لاستغلال الولاة سلطة الخليفة لصالحهم ولظلمهم الرعية في ولا ياتهم.

وبأنتهاء عصر الخلفاء الراشدين ومجيء الامويين للسلطة تغيرت الصورة تماماً.وخاصة بعد ان جعل الامويين الامر ملكا ًوأهملوا التمسك بسياسة السلف،لذا فنحن لا نستطيع الحكم على السياسة الدينية للدولة الاموية الا من خلال سياسة الدولة العامة،حيث اقتضى النظام الجديد الذي جاء به معاوية الاول ان يكون الخليفة رجلا ذا مرونة لا يتقيد بالتقاليد السابقة تقيدا تاماً، بل يأخذ من تلك التقاليد ما يناسب عصره ويترك ما عداها.وكان معاوية بحق هو الرجل الذي يستطيع ان يمثل ذلك العصر لما آوتي من ميكافيلية السياسة وغيرها من الصفات التي أهلته لحكم الدولة الجديدة.ومكنته من نقل الدولة من نظام الخلافة الذي يعتمد على الشورى والانتخاب الشكلي ويستند الى الدين،الى نظام الدولة الذي يقوم على اساس التوريث ويستند الى الرأي والدين في آن واحد.وبذلك اصبحت الخلافة الاموية اقرب الى السياسة منها الى الدين.وهذه نقلة نوعية لسلطة الدولة التي اسست على الشرعية الدينية دون سواها. لكن الشرعية الدينية ظلت رمادية التطبيق منذ وفاة الرسول(ص) وحتى مجيء الامويين.

من هنا بدأ الافتراق واصبحت تصرفات الخليفة الاموي مجافية للشرع بنظر الاخرين،مما جعل العامة تنفر عنها،لجرها سياسات جديدة كالعصبية القبلية مقابل ارضاء العامة بالجهاد ونشر الاسلام،ولقد حاول عمر بن عبد العزيز العودة لسياسة السلف دون جدوى..

ان اول مظهر من مظاهر التزييف في حكم الدولة هي ما سمي ببيعة عام الجماعة واخذالبيعة من الناس وان كانوا كارهين لها،ويتمثل ذلك في قول الاعرابي الذي دعاه معاوية في الكوفة اثناء زيارته لها لبيعته،فقال له الاعرابي(أبايعك يا معاوية وانا كاره لك،فقال معاوية له،بايع فقد خلق الله في المكروه خيرا كثيرا). وكلمة المكروه استقها من( سورة الحج آية 5) التي تحدثت عن النطفة التي اعتبرت بمقياس العرب من النجس.وبما ان الانسان قد خلق منها فهو شر جاء بمنظار الخير،فلسفة ابتدعها معاوية من القرآن لم يدركها الا قلة من العارفين.

ان استحداث نظام التوريث كان حديث عهد بالدولة الاموية ابتدعته ولم تحسب له حساب الزمن والتشريع الذي لازال هو الاخر حديث عهد عند الناس، فحتى تبرهن على نجاحه لابد من توفر المبررات الشرعية والقانونية له،فسلطة القوة لم تكن هي الوحيدة النافعة في التطبيق،لذا لابد من استخدام النص الديني لاقناع العامة بما تريد تطبيقة في وقت كان النص الديني يشكل المعيار الوحيد للسلوك السياسي بعد ان استطاع المسلمون ان ينشئوا لهم نظاما سياسيا واخلاقيا خاصا بهم يصعب اختراقه بالقوة.

ان الدولة الاموية واجهت مشكلة لا تعرف لها حلا،ولم تواجهها دولة ملكية من قبل،وهي حاجتها الى التعايش مع دستور شرعي لا يعترف بشرعيتها. والخليفة الاموي يريد ان يحكم بموجب وراثة االعرش،والقرآن يرفض التوريث بموجب اية الشورى( وشاورهم في الامر) وهي آية حدية ومبدأقرآني سياسي لا يمكن تجاهله او الالتفاف عليه فهي ملزمة لزوم بقية الاركان لا يجوز تجاوزها ابدا.والخليفة الاموي يريد حصر الثروة بيده والقرأن يقف موقف المعارض من حصر الثروة دون اشراك الناس بتوزيعها حين يسمي الميزانية للدولة بمال الله(والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم).والخليفة يستند الى فتاوى الفقهاء،والقرآن لايعترف برجال الدين ولا يخولهم حق الفتوى نيابة عن الناس.والخليفة يصفي خصومه السياسيين والقرأن يرفض قتل النفس الانسانية بغير فساد في الارض(من قتل نفساً بغير نفسٍ او فسادٍ في الارض فكأنما قتل الناس جميعاً).
.
لقد فشلت الدولة الاموية حين اهملت العلاقة الجدلية بين الانسان والبناء الحضاري ولم تدرك ان قمة الكمال الحضاري في الاسلام جاء متكاملا بنصوص الشريعة التي هي بحاجة الى تأويل زمني متحرك بين النص والمحتوى هنا أخطأت الدولة حين فهمت النص دون تغيير المحتوى فجعلت الدين أداة للسياسة بأضفاء القداسة عن طريق القراءة الحرفية وأنتقائية للكلام المنزل وحين جابهت اشكالية التطور ابتدع الفقهاء فكرة التفسير بوجب نظرية الترادف اللغوي الخاطئة دون التأويل لمحتوى النص لاخفاء الفشل في تحقيق الرسالة.

وعلى اي حال لم يكن امام الخليفة الاموي في ظروف هذا التناقض الشامل الا مصادرة القرآن واستبداله بنص شرعي جديد سماه الحديث والرسول يقول (لا تنقلوا عني غير القرآن)خوفا من الاختراق الذي حصل فعلا لصالح الخلافة وليس لصالح الدين والدولة.وكل خطأ يولد خطئا اخر.فحين لم تفد الامويين تسويات اهل التسوية والعدل وارادوا تطبيقهما بالقوة،ظهرت الشعوبية حين رفعت الدولة شعار التفريق بين العرب والموالي والمناوئة بقوة لها،فظهرت الخلافة الاموية منهمة بالعصبيةالمرفوضة بقول الحق(يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل ان اكرمك عن الله اتقالكم) اي اقربكم للتقوى وليس للعصبية،وبين الذهب والسيف فتح المجال لمجتمع الاهواء الفردية،وظلت الحلقات الخاطئة والابتكارات المرفوضة شرعا الواحدة تسحب الاخرى بالاتجاه المضاد حتى تقطعت اوصالها فنهارت كل الحلقات وتبعتها انهيار كل التفلصيل للشريعة والتزاماتها الدينية فدخل الاسلام في منعطف خطير حين اصبح الاسلام يعيش في لغة الناس وليس في واقعهم.

ونتيجة للذي حدث في امر الحكم والمال استمرت القوة مع الافتراقات وحين اصبح النقص يعلو على القوة ظهرت بوادر التدهور الذي ساق الى السقوط.
نستطيع ان نقول ان الدولة الاموية تتحمل وزر تفتيت الشريعة لكن هذا التفتيت قد ولد قبل الامويين حين ظهرت الردة والفتوح والفتنة والخلاف الاموي العلوي الذي انتهى بصفين، ونتج عنه ما يعرف تاريخيا بظهور حركة الخوارج.
لفد ظل هذا الاسم تتداوله الالسن على انهم هم الاساس في تخريب السياسة الدينة الاسلامية حتى برأهم الامام علي من الاتهامبعد معركة النهران حين ندم على مقاتلتهم حين قال :ايها الناس لا تقاتلوا الخوارج فمن طلب الحق فأخطئه،ليس كمن طلب الباطل فأدركه،انظر نهج البلاغة ج1ص144.لقد ظل الخوارج سبة التاريخ دون ذنب جنوه،وقد صدق من قال( كم في السجن من مظاليم).فهل سنقرأ التاريخ ام نبقى نجهل فوق حهل الجاهلينا.

د.عبد الجبار العبيدي
[email protected]