استبشرت خيراً، وأنا المتسمر كسجين لا يقوى على حراك، أمام شاشات التلفاز، حين أعلنت القناة الفضائية إياها، أن سيادة رئيس الجمهورية quot;العربية المستعربةquot; وبلا قافية، سيلقي خطاباً هاماً يتناول فيه الأزمة والوضع المستعصي في غزة. ونازعتني النفس الشريرة الآثمة، الأمـّارة بالأحلام وبالشكوك الدونية وسوء الظنون القومية، بأن هناك في هذا العالم المتعورب المثقل بالتواطؤ والغدر والخيانة من قد صحا من غفوة أهل الكهف والمخابئ والمغارات، ولا بد أن تصحيحاً للأمر سيتم في هذه اللحظات من تاريخ quot;أمتنا العربية والإسلاميةquot; المجيد حسب خطاب quot;القوميين أو القاعدينquot; العرب ولا فرق. وحلمت عندها بأن المعابر ستفتح، والأسلاك الشائكة ستقطع، والموانع سترفع، والمواد الغذائية والأدوية والمؤن والمساعدات ستتدفق عبر المعبر المغلق بأمر الفرعون الأكبر منقرع، والذي بات- المعبر- يشكل حالة عصابية لدى عموم العرب والمسلمين والفلسطينيين، ألا وهو معبر رفح الذي غدا رمزاً للحصار وللموت العربي العربي وللكيد والنكد والترصد والنفوس المتربصة وعنواناً للموت البطيء الذي يطال أطفال ونساء غزة وشيوخها الأبرياء المعدمين والفقراء.

غير أن تلك الأمنيات البسيطة لعربي بسيط ومخذول ومفجوع، على الدوام، لم يعد يحلم بأكثر من ذرات أوكسيجينية تحصيها عليه أنظمة البغي، والقهر، والتجويع والإفقار، قد تلاشت مع الأحرف الأولى والنبرة الكيدية المتوعدة لأهل غزة بمزيد من القهر والتنكيل والحصار، تماشياً مع ثقافة الصواريخ الذكية، والتي أثبتت المعارك أنها على قدر كبير من الغباء، إذ باتت تنهمر بلا هوادة، وبلا إحم ولا دستور، فوق رؤوس الأطفال والفقراء، ولا تميز بين شيخ جليل وطفل رضيع، ولم توفر حتى فتيات صغيرات وبريئات حيث طالت خمس زهرات جميلات استشهدن تحت أنقاض منزلهن الذي دمرته الصواريخ ldquo;الإسرائيليةrdquo;، وجاب، بعدها، موكب التشييع، كما نقلت المواقع الإليكترونية ومختلف وكالات الأنباء، شوارع مخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين، وقد حـُملت الجثامين البريئة الطاهرة، على الأكف والأكتاف، وطالب الأب المكلوم بمحاكمة قادة العدو( من يحاكم من أيها الأب المسكين المتوهم الغلبان، هل تعتقد بأنك في جمهورية إفلاطون الغراء؟) نعم، لقد استشهدت الأخوات الخمس الطاهرات من عائلة بلعوشة على مرأى من، ومتابعة من هذا العالم الصامت المشارك في الجريمة الصهيونية الشنعاء، وقادة quot;الأمةquot; حسب خطاب شيوخ الإفتاء ووعاظ السلطان الذين يرغون ويزبدون حزناً على الشرف المراق في الفضائيات، ويتباكون على العفة والطهارة والبكارة والحجاب وهم في غفلة قسرية عنه اليوم طالما أن حسناء الموساد تتنقل كالسندباد بين عواصم الأعراب والأشراف.

تلكم الفقيدات هن جواهر (4 سنوات)، ودينا (8 سنوات)، وسمر (12 سنة)، وإكرام (14 سنة)، وتحرير (17 سنة)، وهن في مراقدهن، في الغارة التي استهدفت مسجد ldquo;عماد عقلrdquo; الملاصق لمنزلهن، حسب ما أوردت الوكالات. لقد كـُنّ على موعد مع صباح مشرق جميل آخر، يكملن فيه واجباتهن المدرسية، ويتناولن معا تلك اللقيمات المجبولة بالذل والخوف والحصار والعار وانقطاع الكهرباء وعز الدواء والغذاء، وانتظار المجهول المحمل بالرصاص، غير أن للشياطين، والمتواطئين، والأشرار كلمتهم العليا، على الدوام،التي لم توفر هذه العصفورات الصغيرات.


لقد أصابتنا كلمات المبارك بالألم الشديد والإحباط، وخلفت فينا مشاعر من اليأس والخذلان، و لتنطلق من بعدها طائرات الاحتلال لتعمل قتلاً في رقاب الأبرياء. وها نحن ننتظر اليوم، وبسببها مزيداً من أخبار القتل، وسفك الدماء، والموت الزؤام.

مشكلة العرب تتبدى اليوم، وأكثر من أي يوم مضى، بأنها ليست مع إسرائيل، بل مع العرب أنفسهم على الدوام، ولا عزاء للقوميين والمتأسلمين على الإطلاق. فالعرب، اليوم، هم أبطال العالم، بلا منازع، في فنون التجويع، والإفقار، والتآمر، والتواطؤ، والإذلال، والحصار.


نضال نعيسة
[email protected]