يطالعك وأنت تصل بعد جهد إلى مبنى معهدك آتيا من الحي الذي لا يكاد يبعد مئات الأمتار عن المدينة الجامعية في الحدث والتي لم تلحظ وجودا لإختصاصك فيها، ذلك الإعلان الملصق على أحد جدران مبنى الإدارة يعلن قرارا صادرا عن رئاسة الجامعة مفاده quot;منع الكلام في السياسةquot; في كليات ومعاهد الجامعة اللبنانية!!

تستغرب ذلك حتما وتعاود التأكد لعلّك فهمت الأمر خطأ؛ لا هو فعلا كذلك.. تخرج بردّ فعل أوليّ؛ ممنوع الكلام في السياسة في مصانعها المفترضة.. الجامعات.. تتمنطق: إذاً هي ليست كذلك.. ليست الجامعات أبدا هي المصانع في لبنان.. او على الأقل ليست جامعة الفقراء. فالسياسة تبدو في القرار الرئاسي نخبوية تقتصر على جامعات ما يعادل ضعف راتبك السنوي.. والسياسة لا حديث بها إلا في مقاهي أهلها أولئك الذين يتربعون علينا منذ فجر التاريخ.. منذ مؤتمر فرساي ولبنان الكبير، والدستور الأول والمعاهدة الفرنسية، والإستقلال المضحك والجلاء، والثورة والإنزال الأميركي، وإتفاق القاهرة وحرب السنتين، والمبادرة العربية وقوات الردع ومرحلة الرئيسين، والإجتياح الاول والثاني، والتمديد للمجالس والرئاسات، والفراغات المتلاحقة، والحكومتين والجيشين والنفي، وربيع لبنان، والإنسحاب السوري والتفاهم الرباعي، والإعتصام، وحرب تموز ومؤتمر استوكهولم وباريس 3 والأموال المجمدة، والكهرباء التي لا تكاد تصلنا لأننا بكل تأكيد quot;نتعدى على الشبكةquot;؛ (نكتة حكومية سخيفة)، والإغتيالات الممتدة منذ ذلك اليوم وصولا إلى الفراغ الرئاسي المتجدد والتأجيلات المتكررة لإنتخاب من تتبادله الأكثرية والمعارضة مرشحا توافقيا.

ليست كذلك أبدا.. هكذا يقول القرار الرئاسي.. لا يحق للشباب بالتعبير عن رأيهم فهم أريد لهم دوما أن يكونوا مقادين إلى تظاهرات المال دون أن يتمكنوا من السؤال.. السؤال الذي يفترض مناقشته في الجامعة بشكل طبيعي للغاية، ففي التظاهرات لا وقت أبدا له بين زخات الرصاص المعلوم والمجهول المصدر.. بين الهتافات والشتائم وإشعال الإطارات.. بين حرق الصور وتمزيقها والتضارب.. من يمكنه أن يسأل نفسه في مثل هذه الأجواء!!؟ طبعا لا أحد وإلا لما كان من المشاركين في لحظتها.. سيشارك حتما في منظومات أخرى أو نفسها لكنه سيكون مستندا تماما إلى مرجعية غير قابلة للإختراق حين يسأل نفسه ويتبادل وجهات النظر مع الآخر شريكه في الهوية الهشة.. هل يتحاور معه في التظاهرة والمواجهة!!؟ من الغبي الذي سيفعل ذلك!!؟ إذاً لا بدّ من مكان آخر ليس المقهى طبعا ولا منتديات شتائم الإنترنت فالمكان الطبيعي لمثل هذا الحوار هو الجامعة التي تحتوي العنصر الأكثر تاثيرا وتأثرا في الشارع.. الشباب.. لكن الرئاسة تسدّ تلك الفرصة والإحتمال الضئيل للحوار حتى..

إذاً لن يبقى سوى الحوار الشائع لبنانيا ولم يبق إلا أن نكون وقودا في الشارع لا نخالف أي أجندة حزبية ولو لم نفقه منها شيئا، فنحن بحسب القرار الرئاسي لا يحق لنا بالتحدث بالسياسة ولا يحق لنا بالتالي سوى الإلتزام بما تضخه في عقولنا وسائل الإعلام التي quot;يا لطيف شو محايدةquot;، نتقيد بها دون الحوار الذي قد يمنعنا من الفتنة وقد لا يمنعنا ككل شيء قابل للإحتمالات لكنه بالتأكيد سيمدنا بشيء من المعرفة بشركائنا في المواطنة وشيء من التسامح والتفاهم حتى..

يبرز سؤال أخير قد لا يكون ملحّا لكنني لا أجد في طرحه ضررا؛ هل ستكون أمثلة مواد السياسة في معهدنا عن فوز مصر ببطولة أفريقيا بكرة القدم أم عن آخر ألبوم غنائي لفارس كرم!!؟ ويبقى في الختام أن يتم إعادة تعريف السياسة ومفاهيمها.. تلك التي درسنا عنها في معهدنا بما يتلاءم مع القرار الجديد: السياسة هي فن منع التحدث في السياسة..

هنيئا لنا قراركم..

عصام سحمراني
[email protected]
http://essam.maktoobblog.com/