منيربولعيش من طنجة: تراكماته السابقة سواء على مستوى الكتابة الروائية(أكاديمية أرخيميدس ــ مطر المنور) أو القصصية (مدائن الشمس ــ شتاء وشيك) يجترح المبدع (عبد السلام الطويل) هذه المرة مغامرة الكتابة الشذرية في كتابه الموسوم ب (أيام مستعملة) و الصادر مؤخرا بدعم من وزارة الثقافة عن منشورات سليكي إخوان.
قد تبدوا هذه التجربة قطيعة إستطيقية في تجربة عبد السلام الطويل، إلا أن العارف والمتتبع لأعماله السالفة لا يعدم وجود بوادر وإشارات قد تحدس بهذا النوع الأدبي القائم على جماليات التفكك والتشظي والذي يبقى في الحقيقة الغرس الطبيعي لكل تلك الأجواء القاتمة والعوالم المفككة والإحساسات العميقة بالغربة بالإضافة إلى كل تلك الأفضية العديمة الروح والهوية والتي أثثت مجمل منجزه السابق.
إن أي قراءة لكتاب شذري مثل (أيام مستعملة ) هي مغامرة باعتبار الأسئلة التي تفرض نفسها بإلحاح في مثل هذه النصوص، أسئلة من قبيل: هل يمكن لنا مثلا النظر إلى (أيام مستعملة) بتقسيماتها الإثنى عشرة (أعياد القمامة ــ مكائد مدبرة بدهاء ــ الهروب إلى الوراء ــ أزمنة مكتظة و غوائل محتملة ــ منحدرات ــ ارتيابات بيضاء ــ قرارات بلهاء و قرارات أكثر بلاهة ــ تدابير بالغة الفجاجة ــ واقعيات مصطنعة ــ خصال أكثر وبالا ــ ساعات بيزنطية ــ حلازين المنحدر)، قلت هل يمكن لنا النظر إلى (أيام مستعملة) باعتباره عالما متجانسا تشتغل في بنيته العميقة شبكة من العلاقات السرية التي تلحم شذرات هذا الكتاب بعضها ببعض و تمنحها في الأخير وحدة عضوية ؟ ذلك أنه لا يمكن لنا بأي حال من الأحوال النظر إلى الكتابة الشذرية نظرتنا إلى أي كتابة نسقية ، فالكتابة الشذرية تتجاوز كل ما هو خطي و تصنع لنفسها (وفق الرؤية الداخلية للمبدع) آليات اشتغال دفينة تربط الشذرة بالشذرة و الجزء في علاقاته الممكنة أو المفترضة بالكل و ذلك في رهانها من أجل البحث عن الخيط الناظم الذي يلحم شظايا النص و بالتالي خلق معنى مما يعتقد بدهيا أن لا معنى له وهو الأمر الذي يتطلب من المتلقي (الإيجابي طبعا) فن التحكم في المتناثر و المفكك و أيضا في تلك الإحتمالات التأويلية التي تفرزها تلقائيا أي كتابة تقوم على التكثيف و المفارقة و الإختزال و البياض، ذلك أن الأمر هنا لا يتعلق ببناء سردي صارم، على الرغم من أن الكتابة الشذرية قد تكون تضمر في أحايين كثيرة، نسقا صارما تعجز عن تحقيقه الكثير من السرود الروائية مثلا .
فيما يخص التيمات المقاربة في هذا الكتاب، ف(أيام مستعملة) جاء امتدادا أصيلا لرؤية عبد السلام الطويل للوجود و التي يمكن لنا أن نستشفها من خلال منجزه السابق، فالإحساس الفظيع بالغربة و الإغتراب و انهيار القيم و انعدام الأمن الإجتماعي...، مازالت تفرض سطوتها على كل الشذرات المنضوية في هذا الكتاب:
(للحياة أيضا شرطتها التي تتولى التبليغ ب (المنحرفين) الذين تظبطهم متلبسين... فبما أنها (الحياة) إلزام فهم يجدون أنفسهم ملزمين بالبداية (و لو من تحت الصفر) و بالمناسبة تتخذ الحياة مظاهر بالغة في التخفي و المواربة (بل و حتى في اللؤم) حد أنك لا تستطيع أن تفرق بين حالات الشدة و حالات الرخاء (تماما كما يمكن أن تفصل بين حالات الإقبال و حالات الأدبار !) ص 20
أما على مستوى الشكل فكتاب (أيام مستعملة) هو كتاب ما بعد حداثي بامتياز يرتكز على كتابة مشذرة و مفككة كتعبير حقيقي لحالة وجودية قلقة تتجاوز حالة الذات الكاتبة إلى ما عداها كما أنه يمكن لنا من خلال قراءة عميقة لهذا الكتاب رصد مستويين من الكتابة: مستوى مركزي يستنجد بالحكمة و الشعر و الفلسفة و الفكر... نستطيع أن نذكر منها على سبيل التمثيل:
(لا تتبوأ القمامة القمة إلا في مجتمع السفح ! ) ص 8
(تطرح نفسها للبيع بالأثمنة البخسة و تشتم من يتعامل معها كبضاعة ! ) ص 45
( من الكلمات التي لا تعني شيئا كلمة (أمن) خصوصا إذا ألحقناها بالصفة (وطني) ! فأنت لا يمكن أن تدري كيف يمكن للأمن أن يكون أمنا حقا من غير أن يحميك كمواطن، بل هو فقط يعاقبك و يعاملك كما لو كنت في بلد أجنبي، و يقيس مواطنتك بمدى خضوعك للدولة و ليس للوطن !) ص 51
هذا بالإضافة إلى مستوى يمكن اعتباره ثانويا، يتوسل النفس السردي و الذي جاء به الكاتب من خبرته في الكتابة القصصية و الروائية:
(في الحديقة الخالية يوم العيد إلا من شجر من شجر و شوك، تبدوا الطرق كلها مقفرة، بل و حتى الأماكن التي كانت مكتظة، فكما لو أن معامل الخياطة المجاورة و التي كانت تقيء عمالها البيض كل الظهائر السابقة، لا تبدوا فقط مغلقة، بل مهجورة، فضلا عن ذلك، لا طرق في حيطان البناية المقابلة، (حيث كان يحتشد العشرات من عمال البناء كل يوم) صمت و وحشة و انسداد، حتى حانوت المنعطف و أبو عربة و صاحب النهار و كل تلك الرياح التي كانت تهب عادة عاتية و هوجاء كأنما انتابتها الرغبة في المغادرة أو الرحيل) ص 5
إذن نحن هنا أمام كتابة / فسيفساء، تبدأ بالبسيط كي تصل إلى المركب و من الجزئي صوب الكلي، كتابة مناورة باعتبار توسلها بكل صنوف الكتابة (شعر، حكمة، فلسفة، سياسة، سرد...) و هي الكتابة التي تحتاج في الواقع إلى استراتيجية تلقي، قد تكون تقترب من استراتيجية الكتابة إن لم تكن توازيها و ذلك من أجل التحكم في نظام كتابة معقد مثل الكتابة الشذرية.
يقع الكتاب في 76 صفحة من القطع المتوسط.