-محمـّد quot;ألمثقـّفquot;...
-نعم سيـّدي..
-نعم سيـّدي..
لن يدع هاذيـن الشاربيـن الخبيثيـن يستفزّانـه. وهو بالطبع لا يستطيع أن يصرّح لأحـد في الوحدة العسكريـّة بأنـّه يرثي لحـال زمن جعله تحت أمرة نائب ضابط شبه أمـيّ يعتبر التحضير لشهادة الدكتوراه عيبا. تسلـّم منه ورقة الأجازة بهدوء. فبعد أن اختبرت (ألشلامجة) و(الفاو) صبر محمـد، لن يثيره الآن هذان الشاربان الهـازئان. ليس الآن وقرار تسريح المكلـّفـين بالخدمة الألزاميـّة على الأبواب، بعد أن خمد لهيب ثماني سنوات من الموت على جانبي ألف كيلومتر من الحدود الدامية بين العراق وأيران.
بعد ليلة الأمس الباردة أخـذ الدفء يتسلل أليه كلـّـما ارتفعت الشمس عن أفق هضبة (السانوبة) وعشبها النديّ لتنبيء بمقـدم يوم جديد. أجتازت الشاحنة التي استلقى محمـد مع مجموعة من الجنود في عربتها الخلفيـّة رتـلا من تانكرات التموين كتب على أحداها: (وجعلنا من الماء كلّ شيء حيّ). أمـّا أيقونتـه التي تقول أمّه الحاجـّة أنها حفظـته من شظايا القنابل ورصاصات القنـّّاصين طوال أربعة سنوات من خدمته العسكريـّة، فلم تكن أكثر من كأس ماء صغيرة سكبتها خلفه كلـّّـما عـاد ألى جبهة الحرب من أجازته الدوريّـة(1)، مشفوعة بدعاء يحرسـك أللـه.. وبصلوات لا تنقطع.
في نوفمبر تحتار أيـّهما أجمل في المقداديـة: ثمـار البرتقال التي تلـوح من بين سعفات النخيل التي تظلـّّـلها كلـّما هبّت نسمة شماليـّة، أم خصلات الشعر الأشقر التي تهرب من تحت الحجاب لتداعب جبين الحسناوات. أمـّا محمـّد فكـانت كلّ نسمة تحمـل أليه ضحكة آمال الخجولة.. ربـّما المتخاجلة. لم تكن خصلات شعرها شقراء ولم يكن جبينهـا الأبهى والأعرض. لكن تلك الضحكة الآسرة كانت له وحده. تشعره بنشوة غريبة تسري من قمـّة رأسه لأخمص قدمه.. بأنـّه الرجل الوحيد في هذا العالم، ما دامت هـي له وحده.
-لا تتأخر عن المدرسة، سأحضر أنـا صب الكونكريت بعدما أصبـّح على الوالدة..
-ألحمد لله على سلامتك.
منذ وقف أطلاق النار قبل ثلاثة أشهر، توقـّف العناق بين الأخوين عند عودة محمد من الجبهة. أمـّا الحاجة أم محمـّد، فلم تتوقف عن الحديث عنه طيلة فترة غيابه وعن تحضير الفاصوليا اليابسة والرز التي يحبها قبيل موعد أجازته.
- صباح الخير أمـّي.. كيف حـال الضغط والسكّـر.
-يزولان برؤيتـك.
كما لم تتوقف عن ضمـّه بقـوّة بمجرّد أن يتخطـّى عتبة الباب.
-ألحمد لله على سلامتك.
منذ وقف أطلاق النار قبل ثلاثة أشهر، توقـّف العناق بين الأخوين عند عودة محمد من الجبهة. أمـّا الحاجة أم محمـّد، فلم تتوقف عن الحديث عنه طيلة فترة غيابه وعن تحضير الفاصوليا اليابسة والرز التي يحبها قبيل موعد أجازته.
- صباح الخير أمـّي.. كيف حـال الضغط والسكّـر.
-يزولان برؤيتـك.
كما لم تتوقف عن ضمـّه بقـوّة بمجرّد أن يتخطـّى عتبة الباب.
أخذت الخلاطة تدور لتـلتـهم أكياس الأسمنت التي يلقيها عمـّال البناء داخلهـا، بينما راح نجـّار القالب وصبيانه السمر يدعـّـمون جوانب قوالب الأساسات قبيل صبّ الكونكريت.. quot;ليس رجل من لم يبن بيته بيـدهquot;. طالما ردّدهـا المرحـوم عبـّاس الشهـرباني، أبو محـمّـد وألموظف السابق في أدارة المـاء بالمقدادية، مباهـيا رجال المحلـّة بأنـّه أشرف على بناء بيته بنفسه ومذكـّرا بالصعوبات الكثيرة التي واجهتـه في تأمين المـال الكافي ومواد البناء والتعامل مع المتعهـّدين الثانويين.
وفي زمن الحرب، كان محمـّد يتساءل: أرجل من يخوض حربا أم من يبني بيتا.
يشبه ضجيج يوم صبّ الكونكريت جلبـة عرس. أمـّا عرسه هو فسيكون غير جميع الأعراس. كانت آمال تقول: سنكون أوّل عروسين يصلان ليلة الزفـاف ألى بيت الزوجيّـة لاهـثين تعبا على الأقدام، بعد أن يسقط محرّك السيارة البرازيلية القـديمة مستسلمـا لكثرة اللف فرحا في شوارع المقداديـّة.
في هذا البيت الصغير الذي يبنيه محمـّد في الحديقة الخلفية لبيت العائلة الذي بناه أبوه قبل ثلاثين عام، ستتحوّل ضحكة آمـال الخجولة ألى قهقهة عالية تنثر الفرح في زواياه. وفي ليلة الأحتفال بالدكتوراه سترقص ظلالهما على جدرانه شبقـا. هنا في غرفة الجلوس، سيخطو ولدهمـا متعثـّرا لأوّل مرّة. سيتخاصمان ويتصالحان تحت سقفـه مرّات ومرّات حتـّى يفرّق الموت بين جسديهمـا ndash; ولا يقهـر روحيهـما.
-تحـرّك يا أبني، أين الهمـّة. أستفاق من تأملاته على صوت (الأسطة) يحث عمـّـاله.
لم يعهـد يد أمـّه الحـاجـّة ترتجـف وهي تمسك بكوب الشاي.
-ظننت أنـّنا سنشرب الشاي مع آمـال ووالديهـا.
كمـا لم ير في عينيهـا نظـرة الوجوم هـذه منذ أن دفنا والده في يوم خريفي ماطر.
-أسمع ولدي، أعرف أنـّك لن تنساهـا، لكـن آمـال سافرت ألى عمـّان الأسبوع المـاضي لتتزوّج أبن خالتـها الذي حصـل على اللجـوء الأنساني في السويـد. تقول أمّـها أن هذه هي رغبة أبـيهـا ورغبتهـا هي أيضـا.
خرجت آمـال بكل بساطة من حيـاته. رحلت ألى غير رجعـة. لم تترك رسالة أو عنوانا. ولا حتـّى كلمة واحدة. آثرت ستوكهولم والثلج والأعـالة الأجتماعيـّة المضمونـة على المقداديـّة وبرتقـالهـا. لم تنتظر أن يبني محمـّد بيته الصغير ويصنع أحلامه الكبيرة.
لم يعـد يذكـر كيف انقضت أجازته الأخيرة، ولم يعد يذكـر من طريق العـودة ألى السانوبـة ألا أصداء ضحكات آمـال الساخرة..
في هـذه الليـلة الطويلة في جبهة الألف كيلومتر، حبس محمـّد دمعة في عينه وغصـّة في حلقـه. كم ألف محمـد على كلا جانبي خطّ الرمـاد أمضى هذه الليلة تائها في ضيق خندقه، ساهما في البندقيـة المركونة أمامه: آلـة المـوت الصغيرة الخرقاء هـذه التي لا تعرف حتـّى في أي جانب من الحدود هي تنفث الموت. تهزأ بتكبـّر من القلم العاجز الملقى على الأرض ومن الأوراق المختبـئة خجلا تحت الفراش الرطب. تعكس في الخندق المعتم بعضا من ضوء قمر نوفمبـر الخافت، كعرّافة لا يدري أهي بابليـّة أم زرادشتيـّة.. تكشف على بلـّور معدنهـا صور الغـد القاسي وحروبه الجديدة القادمة. ليفيق صباحا من هلوسة الحرب كالمحموم... وحيدا بلا آمـال.
(1) عادة يعتقد العراقيون أنها تجعل المسافر يعود لبيته سالما.









التعليقات