عدنان البابلي من امستردام: الخوض في موضوع رسم (المقدس) يبعث دائمًا على السؤال عن المدى المسموح به دينيًا واجتماعيًا للرسام كي يطلق لريشته العنان في تجسيد تخيلات لوجوه أئمة وأنبياء، وشخصيات أخرى مقدسة، ذلك أن المسألة تتجاوز حرية التعبير إلى محددات دينية واجتماعية متعددة تعالج الموضوع وتضع حدودًا يعد تجاوزها كفرًا وإلحادًا أو فعلاً يعاقب عليه القانون والعرف غير الكتوب في الكثير من البلدان.
وفي العراق وإيران ولبنان تزدهر اليوم صناعة رسم الائمة بين الرسامين الحرفيين والاكادميين على حد سواء، مثلما ينتشر لدى طوائف مسيحية في الوطن العربي والعالم فن رسم يسوع، ومريم العذراء، وهو فن انتشر في اوروبا في القرون الوسطى انتهى بظهور فن الباروك عام 1600، حيث انتقل بموضوع الرسم من المقدس الى رسم شخوص العائلات الحاكمة واصحاب النفوذ.
وبينما تجسدت شخصيات وحوادث مسيحية في اعمال فنانين عظام فإن الإسلام خلا من هذا الفن، ولم يدون الفن حوادث وشخصيات مهمة إسلامية ليخلدها تاريخ فني النحت والرسم.
وفي هذا الصدد نتذكر أعمال دافنتشي التي بلغت حد الأعجاز لا سيما لوحة العشاء الأخير، وقد جلس وسط المائدة المسيح وعن يمينه وشماله رسله الذين يظهرون في حركات وإشارات هي الإبداع نفسه، وما ارتسم على وجوههم من تعبيرات عميقة متنوعة. كما أن من الأعمال الخالدة للفنان ميكل انجلو تمثال موسى الذي تجلت فيه القدرة الخارقة على تشكيل الرخام وطواعيته له ليحقق منه معاني القوة والعزم.


صورة النبي محمد

ويثير رسم المقدس الاسلامي حساسية كبيرة لكثير من المسلمين، فحين نشر موقع ويكيبيديا صورة للنبي محمد أطلق ناشطون عرب ومسلمون حملة لإزالة الصورة المنقولة عن كتاب قديم بعنوان quot;الآثار الباقيةquot; للعالم العربي البيروني.
والجدير بالذكر ان صورة النبي محمد كما رسمها رسامون ظهرت في عدة كتب منها كتاب quot;حياة محمدquot; الذي طبع عام 1719 في لندن للمؤلف الفرنسي سيور دي ريار.
كما ظهرت صورة النبي محمد في صفحة في كتاب quot;حياة محمدquot; الذي طبع في هولندا عام 1699 للمؤلف M. Prideaux, وفيه يظهر شخص يحمل سيفًا بيده اليمنى، ورجله اليسرى مستندة على الكرة الأرضية، وفي يده اليسرى هلال، وعلى ساعده الوصايا العشر.

بروفيل وجه الحسين

ويتفحص شبيب كامل وهو رسام عراقي في مدينة بابل وسط العراق بين لوحاته عملاً عده إستثنائيًا، هو بروفيل لوجه الحسين بن على الذي قتل في معركة الطف سنة 61 للهجرة، ويقول شبيب... إن وجه الحسين في هذه اللوحة هو الاقرب إلى الحقيقة من الصور التي يرسمها آخرون لأنه اعتمد في رسمها على مصادر تاريخية دقيقة في وصف الحسين. ويرسم شبيب صور الائمة لأنها تدر عليه دخلاً جيدًا، لا سيما في المناسبات الدينية. لكن التمعن في اسلوب شبيب في الرسم يظهر منحى تجريديًا وسرياليًا، لكنه التجأ في رسومه لصور الائمة الى الطبيعية والفوتوغرافية لأن هذا ما يريده الناس. ويضيف شبيب... عليك ان ترسم الشخصية الدينية وفق المواصفات التي يحددها الذوق الشعبي العام، بل يتوجب اضفاء صفات جمالية للشخص المقدس، فالناس ينتظرون منك صورة تجمع كل مواصفات الجمال والقوة والفراسة والقدسية في الشخصية. والجدير ذكره ان اغلب هذه اللوحات المنتشرة بكثرة في العراق تعتمد على الالوان وتدرجها وليس على الظل والضوء في إبراز الجسد والأشياء المحيطة به.

إظهار جماليات المقدس

اما مراد الكعبي وهو رسام فطري ويمتلك محلاً للزخرفة والخط في بغداد، فيرى ان رسامي العراق يتاثرون في رسمهم بوجوه الائمة باسلوب الايرانيين، لكنه في رسومه يتبع اسلوبًا عراقيًا خالصًا، فليس من الممكن رسم وجه امام بملامح غربية اعجمية. يقول مراد.. الايرانيون يفعلون ذلك لانه يستمدون افكارهم من وحي طبيعتهم، فيرسمون وجه الحسين بملامح اقرب الى الوجه الاري منه الى العربي، ويضيف.. هناك رسوم للحسن بن علي بعيون زرقاء ولحية اقرب ما تكون الى الشقراء وذلك غير منطقي. ويرى ان الكثير من صور الائمة لدى الشيعة تقترب وجوه اصحابها من وجه السيد المسيح ولا يعرف كيف حدث هذا الامر.

لكنه يعترف انه يضفي ملامح جمالية مبالغ فيها من عيون واسعة وانف ناعم، اضافة الى ملامح جمالية اخرى، ذلك ان الجمهور يرغب في ذلك ويتوقع من الرسام ان يصور مقدسه بأعلى درجات الجمال والهيبة والوقار.
على ان اغلب الفنانين العراقيين الاكاديميين يبتعدون عن الخوض في رسم المقدس لحساسيته، وترك الامر للفن الشعبي الفطري الذي يعتمد الفوتوغرافية او التصوير في الرسم دون ان يدخل التخيل والابتكار والتاويل في الصورة لاسباب دينية واجتماعية معروفة. ويرسم سليم حميد وهو رسام عراقي العباس بن على وابنه الفضل، بملامح بيضاء وشعر مسترسل حيث يقول انه استوحاها من النصوص التاريخية.

تمثال لراس الحسين

وتتداول الاوساط الشيعية العراقية حكاية عن ان وجه الحسين بن علي يقترب في اللوحات المرسومة من صورة مستمدة من تمثال قديم لرأس الحسين كان في احدى متاحف الكنائس الايطالية
وهو من صنع راهب شاهد الرأس عندما أتي به الى الشام.
وكانت لجنة شرعية سعودية قد اجازت رسوم صور تجسد العلماء، والأئمة، تيسيرًا لتعلم الأطفال القراءة، والتعلق بعلماء الأمة، في مشروع (قصص الأطفال) حيث قالت اللجنة إن تصوير ورسم الأئمة، والعلماء في الكتب، والمواد التعليمية جائز شرعًا، على أن يلاحظ سلامة المضمون من الناحية الدينية، وأن تكون الصورة مقاربة لحال صاحبها قدر الإمكان، وأن يتجنب تصوير أو رسم الأنبياء والملائكة والخلفاء الراشدين الأربعة وزوجات النبي وبناته bull;

رسامون يقتفون أثر الرؤيا في المنام

واغلب الرسامين في العراق يرسمون الائمة والشخصيات الدينية مستمدين تخيلاتهم من الروايات المذكورة عن أئمتهم، أو الرؤيا في المنام ورسم ما يراه الرسام وما يتذكره من ملامح للإمام وصفاته.
ورسم كامل حسين وهو رسام عراقي صورة زين العابدين بن علي وهو امام لدى الشيعة بعد ان كلفه شخص جائته رؤيا في المنام، وفي عدة جلسات اقترب الاثنان من تحديد شكل الوجه، ويقول حسين.. ان الرجل كان مقتنعًا بما توصلنا إليه من نتائج، وان الوجه المرسوم هو ذلك الشخص الذي جاءه في المنام.

ويرسم فنانون اكاديميون المقدس بأسلوب حديث ايضًا، فالفنان هاني مظهر حاول دمج السماويّ والأرضي في تجربته مستندًا الى ان الفن العراقي القديم اعتمد على نظرة دينية شاملة للكون. وفي لوحات مظهر يقترن المقدس بالتجريد والأرضيّ بالموجودات الأرضية المشخصة.
وربما يمثل جلجامش في الفن العراقي القديم نموذجًا للاشتباك بين ما هو سماوي مقدس وبين الأرضي. ويرى النحات العراقي رباح ليثي وهو اكاديمي عراقي درس النحت في العراق وهولندا ان رسم المقدس لدى الفنانين الفطريين العراقيين هو ديناميكية تاريخية ربطت الخط والنحت في العراق القديم بالمقدس، فكانت جدران المعابد والتماثيل تعبر عن احداث دينية وشخصيات مقدسة. ويتجدد هذا الامر اليوم في العقل الباطن العراقي عن طريق تصوير فوتوغراقي لواقعة الطف، وفي رسم الشخصيات المقدسة بطريقة واقعية مستمدة من التخيل المرتبط بالضمير الديني الذي يملي على الرسام طريقة رسم الامام.

ويرى الباحث الاجتماعي والناقد الفني عصام الجبوري المقيم في المانيا انه منذ 2003 يرسم فنانون اكاديميون شخصيات واقعية ألطف بملامح تبدو متشابهة الى حد بعيد، بل قال ان الرسامين يتسابقون على اضفاء المسحات الجمالية على الرسمة، ويعود انتشار تلك الصور الى الطلب حيث تجد هذه الصور طريقها الى المطبعة لتوزع بكميات كبيرة جدًا، والسبب الثاني الجو الديني العام الذي يخلق مجالاً لعرض الصور في الشوارع والساحات.

واصيب شبيب كامل باحراج حين سالته ايلاف انه كان يرسم صور صدام حسين في السابق واليوم يرسم صور الائمة، فاجاب نعم... كنت مجبرًا على ذلك، اما اليوم فإن الامر اختياري ولا يجبرك احد على رسم الائمة.
ويضيف... رسمت جداريتين كبيرتين لصدام في السابق، ولم يكن الامر صعبًا، فقد كان الرفاق الحزبيون يزودون الرسام بصورة صدام ليتم نقلها إلى الجدارية. ويضيف.. صور الائمة تتطلب قدرة تخيلية استثنائية، انه فن التخيل المستمد من عقائد وتصورات الناس، ينتظرون منك ان ترسم ملامح الشخص المقدس والمخلص، ولذا يتوجب عليك ان ترسم صورة مقبولة.
ويضيف...انا ابتعد عن الاسلوب الايراني او التركي في رسم الائمة وارسمهم بأسلوب عراقي خالص. فالايرانيون والاتراك يرسمون الشخصيات الدينية وفق ملامح البيئة المحلية وعلينا ان نستمد تصوراتنا من بيئتنا.
على ان اغلب اعمال الفن الشعبي المرتبطة بالمقدس غالبا ما تنتشر بين شريحة عريضة من الناس بسيطي التعليم او متوسطي الثقافة ومن الذين لديهم ايمان عميق بتلك الرموز السامية التي انجبها الدين.

تجريد الطف

وحاول رائد محمد وهو رسام عراقي درس الرسم في اكاديمية الفنون الجميلة في بابل رسم الطف وصور الائمة بطريقة تجريدية لكن هناك من نصحه بعدم اتمام الامر، ذلك ان بعضهم يؤوله على انه استهانة بالمقدس، فتجريد المقدس وعرضه امام الذائقة الشعبية ربما يجر الى امور لم تكن في الحسبان.

ويدافع الشيخ امين حسين وهو امام حسينية في هولندا عن جمالية الشخصية المقدسة حيث يقول... ان الامام علي كان جماله يشبه جمال النبي يوسف وكما نعرف ان جمال النبي يوسف يضرب به المثل ولا يرقى في صورته وخلقته اي شخص. ويضيف.. لا ننسى ان صورة الامام علي مرسومة على جلد الغزال في القرن الثامن الهجري وهي موجودة في المتحف الفرنسي.
ويضيف.. الصور حلال اذا كان القصد منها تعزيز قيمة الدين وكل الصفات المادية مستمدة من التاريخ.

الخرافة الشعبية

لكن سليم كامل وهو رسام، يرى ان هناك خرافات شعبية تحيط بالصور والدليل ان ملامح الصورة تختلف من ريشة فنان الى اخر، وإن فكرة تجسيد المقدس ماديا ترجع الى عصور سحيقة
منذ القرن السابع الميلادي حيث نشأت هذه الفكرة. والجدير بالذكر ان صورة يسوع ترسم منذ قرون، كما رسمتصور مريم العذراء بوجه مشرق واضح الملامح.
لكن الرسامين العراقيين لم يرسموا وجه فاطمة بنت النبي على الرغم من انهم تخيلوا وجوه أبنائها.
وفي كنيسة مار سركيس في لبنان التي يعود تاريخ بنائها إلى أكثر من 700 سنة تلمح جدرانيات رائعة الجمال لا يعرف لبنان لها مثيلاً، حيث رسم المسيح بقسمات وجه جميلة والى جانبه والدته بتقنية بيزنطية في رسم الوجوه. ويروي الرسام الايراني حسيني عزيزي الذي يقيم في هولندا ان الرسامين الايرانيين تاثروا بالفن المسيحي الاوروبي في تصويرهم لائمة الشيعة خلال المرحلة الصفوية على وجه الخصوص، حيث زار ايران في تلك الفترة الكثير من المستشرقين حاملين معهم لوحات تصور آلام صلب المسيح وبعضها يعود إلى العصر البيزنطي. ويضيف عزيزي.. في المتاحف الايرانية تجد لوحات تعود الى العهدين القاجاري والزندي تصور علي وفاطمة والحسين.

[email protected]