معاناة الدينار
الدينار منذ بدء الحصار في السنوات التي تلت حرب الخليج الثانية في 1991، يواري وجهه خجلا في الحياة اليومية وهو ينتقل من يد إلى يد ومن جيب إلى جيب في السوق والشارع والزقاق، ويزداد لوعة وأسى حينما يتذكر الأيام الخوالي يوم كانت ورقة منه تساوي ثلاثة ونصف من الدولارات التي أصبح أجلها القتلة يقتلون أناسا لا يعرفونهم، وتجار الجشع وزعماء الأحزاب يرفعون رصيدهم في مصارف لا يعرف أسماءها وعناوينها غيرهم.
أصاب الدينار الأسى والخجل منذ أن بدأ الناس لا يعيرون لوجوده أهمية تذكر. بعد أن ظهرت كلمة (ورقة) في قاموس لغتهم اليومية، ودخلت في وعيهم ولاوعيهم من أوسع الأبواب. حيث أصبحت (الورقة الواحدة) تعني بالنسبة للجاهل، والعالم، والصبي، والمرأة، والشيخ المعمم، والتاجر والمعلم، والسياسي، والشاعر 100 دولار، والتي تعادل ألفا وأربعمائة دينارا. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تناسلت (الورقة) مصطلحات جديدة في قاموس التعامل اليومي.
ضحك الدينار في سره، ضحكة لها مرارة العلقم وهو يلقي على أصحابه من فئات وألوان مختلفة نظرة أسى، عندما تذكر أن كلمة (نصف دفتر) المتناسلة من عائلة (الورقة الخضراء) أصبحت تعني للجميع في وطنه 500 من الدولارات، وان (الدفتر) يحوي في جوفه 1000 دولار.
انهمرت دموع الدينار وأحس بالاختناق، مستعيدا في ذهنه مايراه ومايسمعه من التهام (الورقة) حياة الناس وقلب قيمها رأسا على عقب. حيث أصبح بالإمكان شراء قلم كاتب أو قصيدة مديح من شاعر وكل مايتعلق بالمبدأ والموقف والضمير بورقتين أو ثلاث، وشراء ذمة حزبي بـ (نصف دفتر) أو زعيم حزب سياسي بـ (عدة دفاتر). كل شيء أصبح قابل للشراء.
أغمض الدينار عينيه محاولا النوم ونسيان التعاسة التي يحياها، الا أنه رغم ذلك لم يمنع نفسه من السؤال: ترى كم من قاتل مأجور يطلق الآن النار على ضحية لا يعرفها مقابل الحصول على (ورقة) خضراء؟
أصاب الدينار الأسى والخجل منذ أن بدأ الناس لا يعيرون لوجوده أهمية تذكر. بعد أن ظهرت كلمة (ورقة) في قاموس لغتهم اليومية، ودخلت في وعيهم ولاوعيهم من أوسع الأبواب. حيث أصبحت (الورقة الواحدة) تعني بالنسبة للجاهل، والعالم، والصبي، والمرأة، والشيخ المعمم، والتاجر والمعلم، والسياسي، والشاعر 100 دولار، والتي تعادل ألفا وأربعمائة دينارا. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تناسلت (الورقة) مصطلحات جديدة في قاموس التعامل اليومي.
ضحك الدينار في سره، ضحكة لها مرارة العلقم وهو يلقي على أصحابه من فئات وألوان مختلفة نظرة أسى، عندما تذكر أن كلمة (نصف دفتر) المتناسلة من عائلة (الورقة الخضراء) أصبحت تعني للجميع في وطنه 500 من الدولارات، وان (الدفتر) يحوي في جوفه 1000 دولار.
انهمرت دموع الدينار وأحس بالاختناق، مستعيدا في ذهنه مايراه ومايسمعه من التهام (الورقة) حياة الناس وقلب قيمها رأسا على عقب. حيث أصبح بالإمكان شراء قلم كاتب أو قصيدة مديح من شاعر وكل مايتعلق بالمبدأ والموقف والضمير بورقتين أو ثلاث، وشراء ذمة حزبي بـ (نصف دفتر) أو زعيم حزب سياسي بـ (عدة دفاتر). كل شيء أصبح قابل للشراء.
أغمض الدينار عينيه محاولا النوم ونسيان التعاسة التي يحياها، الا أنه رغم ذلك لم يمنع نفسه من السؤال: ترى كم من قاتل مأجور يطلق الآن النار على ضحية لا يعرفها مقابل الحصول على (ورقة) خضراء؟
نار خامدة
حاول أن يداعبها، قبّل حلمة أذنها لعلمه أن ذلك يثيرها ويرفع من حماوة شهوتها رويدا رويدا في لعبة الجنس. الا انه فوجيء بها تبعد رأسها وبالتالي حلمة أذنها من بين شفتيه.
أراد أن يواصل إثارتها الا انه واجه ممانعة تامة منها، رغم النار التي كانت تشعل كل خلاياه.
سألها بهمس محاولا معرفة السبب:
ـ مليكتي.. لماذا نارك خامدة هذا المساء؟
نظرت إليه باستياء. فضلت الصمت لبرهة وكأنها لاتود الحديث، الا انها لم تلبث أن غيرت رأيها.
ـ هل تعرف كم يتقاضى زوج جارتنا بهية البلهاء؟
ـ كم؟
ـ (نصف دفتر) يااستاذ!.. وأنت لاتزال تراوح على (ثلاث ورقات) ملعونة تتقاضاها بخنوع في نهاية كل شهر!
ـ وماذا تريدين أن افعل؟
أجابت وهي ترك يدها اليمنى تجاهه بغضب:
ـ تحرك..حاول.. فأنت أقدم منه في الحزب، بينما هو لم ينضم للحزب الا منذ أشهر!
خيم صمت قصير العمر عليهما قبل أن تكرر على مسمعه:
ـ تصور.. عباس البليد يقبض (نصف دفتر) كل شهر!
حاول أن يداعبها، قبّل حلمة أذنها لعلمه أن ذلك يثيرها ويرفع من حماوة شهوتها رويدا رويدا في لعبة الجنس. الا انه فوجيء بها تبعد رأسها وبالتالي حلمة أذنها من بين شفتيه.
أراد أن يواصل إثارتها الا انه واجه ممانعة تامة منها، رغم النار التي كانت تشعل كل خلاياه.
سألها بهمس محاولا معرفة السبب:
ـ مليكتي.. لماذا نارك خامدة هذا المساء؟
نظرت إليه باستياء. فضلت الصمت لبرهة وكأنها لاتود الحديث، الا انها لم تلبث أن غيرت رأيها.
ـ هل تعرف كم يتقاضى زوج جارتنا بهية البلهاء؟
ـ كم؟
ـ (نصف دفتر) يااستاذ!.. وأنت لاتزال تراوح على (ثلاث ورقات) ملعونة تتقاضاها بخنوع في نهاية كل شهر!
ـ وماذا تريدين أن افعل؟
أجابت وهي ترك يدها اليمنى تجاهه بغضب:
ـ تحرك..حاول.. فأنت أقدم منه في الحزب، بينما هو لم ينضم للحزب الا منذ أشهر!
خيم صمت قصير العمر عليهما قبل أن تكرر على مسمعه:
ـ تصور.. عباس البليد يقبض (نصف دفتر) كل شهر!
استراحة
أخمد ناره المستعرة وانتهى في داخله أوراها المستعرة بعد فترة قصيرة من اندلاعها، وهجومه الكاسح على جسدها البض، الذي أشبعه شما وضما وتقبيلا.
نهض من فوقها. جلست ترتب شعرها المبعثر وتعمل على ارتداء ملابسها مجددا.
سألها وهو يشد حزام بنطاله:
ـ كم؟
ردت عليه بصوت لايزال يحتفظ ببقية طيبة أُغتيلت منذ زمن طويل:
ـ كيفك.
وضع على السرير (نصف ورقة)، ثم غادر الغرفة وهو يصفر لحنا لمطرب نسي اسمه.
الكاتب
ـ هل كتبت في المقال بأن حزبنا مؤمن بحقوق الإنسان؟
ـ نعم.
ـ وأن رئيس الحزب سيقوم بزيارة بقية الأحزاب السياسية للاتفاق على مشروع وطني ينقذ البلاد من أوضاعها الحالية؟
ـ نعم.
ـ وان الإقبال الجماهيري للانتساب إلى الحزب يتزايد بسبب مواقفه الوطنية؟
ـ نعم.
عدل الرجل نظارته فوق أرنبة أنفه ثم أطفأ سيكارته التي قاربت على الانتهاء في المنفضة. استل من محفظته (ورقة واحدة) وقدمها للكاتب قبل أن يغادر الغرفة بعد ارتشافه كل ماتبقى في قدح الشاي.
ـ نعم.
ـ وأن رئيس الحزب سيقوم بزيارة بقية الأحزاب السياسية للاتفاق على مشروع وطني ينقذ البلاد من أوضاعها الحالية؟
ـ نعم.
ـ وان الإقبال الجماهيري للانتساب إلى الحزب يتزايد بسبب مواقفه الوطنية؟
ـ نعم.
عدل الرجل نظارته فوق أرنبة أنفه ثم أطفأ سيكارته التي قاربت على الانتهاء في المنفضة. استل من محفظته (ورقة واحدة) وقدمها للكاتب قبل أن يغادر الغرفة بعد ارتشافه كل ماتبقى في قدح الشاي.
ثرثرة
جلسن يثرثرن ويتباهين. مجت أم جبار نفسا طويلا من سيكارتها ثم قالت وهي تنفث دخان مادخنته
من فتحتي أنفها:
ـ الله يخلي ولدي وماي عيني جبار.. منذ أن غادرنا إلى أوربا وهو يساعدنا. لقد بعث لنا هذا الشهر (ثلاث ورقات).
سرت في نفوسهن المعتادة على الكبت منافسة سرية غير معلنة للتباهي، كانت كامنة ككل رغباتهن ومغلقة بقفل صدئ.
ـ ابني خوشابه أيضا بعث لنا من السويد أول أمس (أربع ورقات).
هشت أم آيدن، الذبابة التي كانت تعود لتستقر بعناد فوق أنفها كلما حركت كفها لطردها. والفت نفسها تقول:
ـ آيدن بعث لشقيقه الصغير (ثلاث ورقات) ليشتري بها موبايل وبذلك أراحنا من شكواه الذي أصدع بها رؤوسنا ليل نهار.. كما بعث لي بمثلها.
ـ ابنتي لمياء بعثت من كندا (ست ورقات) هدية لأختها بمناسبة زواجها. كم هي وفية! أتضرع إلى الله دائما أن يحفظها من كل سوء.
ـ وأنت ياصفية.. الا يساعدكم جلال؟!
ـ بلى كل شهر يبعث لنا بـ (ورقتين).
وحدها كانت الصامتة، تسمع ولاتتكلم. كانت خجلة. خجلت من أن تقول بأن شقيقها الغائب منذ سنوات في بلاد الغربة بعث لها لمرة واحدة فقط (ورقة واحدة).
اتفاق
ضحك صاحب الكرش، واهتز كرشه صعودا وهبوطا، وهو يناول الرجل كأسا ثانية من الويسكي قائلا:
ـ لا تنس!.. فهو دقيق في مواعيده كالساعة.
أجابه الرجل النحيف الذي بدأت عيناه تحمران قليلا بعد تجرعه كمية كبيرة من كأس الويسكي الممتلئة بالثلج حتى نهايتها.
ـ عمي..إذا كان هو دقيقا في مواعيده وساعات خروجه من المنزل فأنا أيضا دقيق في عملي.. أكل الخبز يتطلب الجهد والوقت ودقة التنفيذ.
ربت صاحب الكرش على كتفه وهو مستمر في ضحكه بين فينة وأخرى دون سبب.
ـ عفيه عليك.. المهم دقة التنفيذ. نريده جثة هامدة، لامجروح ولاكسيح.. لا أعمى ولا أطرش!
في هذه المرة ضحك الرجل وهو يكرع من كأسه بنفس لهفته السابقة.
ـ هذه اهانة ياعمي..متى خلفت لكم مجروحا أو كسيحا أو أعمى أو أطرش؟
اقترب صاحب الكرش منه وهو يضرب بيده على ساقه اليمنى:
ـ الحق يقال، لم تخيب ظننا فيك أبدا.. طبعا سأدفع لك كالعادة (ثلاث ورقات).
وضع الرجل الكأس التي كان يحاول أن يرتشف منها جرعة جديدة على المائدة.
ـ لا ياعمي لا.. العملية هذه المرة ستنفذ بـ (نصف دفتر). أقل من (نصف دفتر) لا يمكن أن أطلق طلقة واحدة!
ظل صاحب الكرش محتفظا بهدوئه وابتسامته الروتينية.
ـ وِلم هذه الزيادة...؟ لم اطلب منك طلبا إضافيا!
أشعل الرجل سيكارة ونفث دخانها الذي سرعان ماتلاشى في جو الغرفة التي كل مافيها يوحي بثراء فاحش.
ـ يا عمي تعلم ان الدولار بدا يفقد مؤخرا قيمته في البورصة، ويعاني من انخفاض مستمر.
ضحك صاحب الكرش ضحكة مجلجلة:
ـ قواد.. مالك أنت وأسواق البورصة والمال؟
ـ لا تنس ياعمي نحن أيضا أصحاب عوائل..
ـ وانت لا تنسى بأن هناك من يقوم بنفس المهمة بـ (ورقة واحدة)!
بدت سحابات من الانفعال تظهر على وجه الرجل وهو يعود إلى كأسه ليشربها حتى الثمالة:
ـ وهل تساوي بيني وبين أولئك؟!..لم أكن أتصور أن يكون تقييمك لي بهذه الصورة! لقد خيبت أملي ياعمي.
أطلق صاحب الكرش ضحكة جديدة من ضحكاته المعتادة، وهو يحاول أن يمتص سحابات الانفعال التي بدأت قبل قليل بالطوفان في وجه القاتل.
ـ لعنك الله.. الاتفهم من المزاح يارجل؟!..يا أخي أنا أتباسط معك في الحديث وأمزح. مكانتك عندي محفوظة وهذا هو الدليل...
أخرج من محفظته (خمس ورقات) ووضعها في جيب القاتل قائلا:
ـ الغالي يرخص لك.. لنعد إلى موضوعنا..
18.7.2008









التعليقات