مثقفون : سؤال quot;إيلافquot; يستفز الحاضر بـquot;كِتابquot; الماضي (2/2)

عدنان أبو زيد من امستردام: تحفيز الذاكرة ، والعودة الى الينبوع الاول ، ذلكم مافعلته ايلاف عبر سؤال طرحته على عدد من المثقفين والادباء

الحلقة الأولى
والقراء ، سؤال استفز الماضي ، وقلب اوراقه ، وايقظ صيحة الطفولة من جديد ، كان السؤال عن القراءة الاولى .. من يتذكر ، من يستعيد الوعي الاول في هذه اللحظات ؟ .. البعض شكر ايلاف لانها اعادته الى ماض بعيد ، يحلم به دائما ، مثقف اعاد ترتيب اوراق الحاضر باتجاه استعادة الماضي ، اخرمازال مرتبكا امام لحظة الخلق الفكري ، اللحظة الفاصلة بين شخصين في انسان ، بين الوعي واللاوعي ، يكون او لا يكون ..هل لازلت تحتفظ بالانطباع الذي احدثته فيك قرائتك الاولى .. كيف كانت ، وهل نتج عن ذلك الانطباع انتاج ادبي معين ؟ .. وماتاثير قراءاتك الاولى على تكوين شخصيتك الثقافية .. سؤال طرحته ايلاف على مثقفين وادباء وقراء ، فكانت هذه الحصيلة ..

سامى البحيرى ( اكاديمي وكاتب ) :
الحكاية الأولى

الكتب مثل النساء ، هناك كتب تقع فى حبها من أول quot;نظرةquot; أو من أول quot;صفحةquot; ، وهناك كتب أخرى تندم على شراءك لها أو معرفتك لها وأحيانا تكرهها من أول صفحة ، ويمكن تقسيم الكتب إلى ثلاث أنواع:
كتب الشعر: من الممكن قراءتها مرات ومرات ، وخاصة إذا إستمتعت بموسيقى الشعر فيها ، وأنت لست مجبرا على قراءتها بالكامل من الغلاف للغلاف ، ولكن بإمكانك أن تنتقى وتختار القصائد التى تحبها وتعيد قراءتها ، ومن أكتر الشعراء الذين إعجبت بهم من القراءة الأولى شاعر العراق بدر شاكر السياب ، وهذا الشاعر الجميل أحببته من أول ديوان له ، وأيضا الشاعر محمود درويش (عندما كان شاعرا) كان مفاجأة سارة بالنسبة لى وكان له طعم جديد.
الرواية : وقعت أيضا فى حب نجيب محفوظ من أول قراءة عندما قرأت له زقاق المدق وخان الخليلى ، وبعدها قرأت كل كتبه بدون إستثناء ، حتى أن رائعته الحرافيش قرأتها أكثر من عشر مرات ، وهى مثل الملحمة الشعرية الجميلة والتى لا تريد لها أن تنتهى ، وكنت دائما أقول له :quot;يانجيب بيه الحرافيش دى تستاهل نوبل أخرى لوحدهاquot; وكان يضحك بتواضعه المعروف عنه ولا يعلق. وقد أصبح نجيب محفوظ أستاذى والأب الروحى حتى قبل أن أكتب .
كتب السياسية: لا ينطبق عليها القراءة الأولى لأنك قبل أن تبدأ فى قراءتها تعرف مسبقا موضوع الكتاب ، لذلك فإن عنصر التشويق ، أو ما يسمى بالقراءة الأولى ليس له أهمية كبيرة مثل الشعر والرواية

عباس الحسيني ( شاعر ومترجم )
الاستدراك الاول

لا يخلو سينوغرافيا التوحّد الاستدلالي من الرهاب الكامن، الخشية من ان نكون هناك.ففي نسيج القراءة الاولى يُصار الى إحراق ذاكرتنا وإستبدالها بأمومة موطن أخرى، وكما يوشج النابه رولان بارت عدمية القارئ بانها توليفاً على خط الفكرة الاولى، فقد كانت قراءتي الاولى عدماً وتشظي، لفقدان مركزيتها الاكاديمية وطغيانٍ البراءة عليها، لكنها سرعان ما غدت جنيناً، يَلهث الى إستدراك معاول الهدم والبناءة، وهو مــا أرسى موسّساً لدي بُنىً ما فتأت تهدرُ في كياني الكتابي، وأنا أعيد إجترار واستنهاض تلك القراءة، ما أستطعت إليها سبيلا، ذلك أنها هويتي ضمن إستقراء كل آتٍ وتجاه طوباويتي وبربريـة افترائي على الحرف.

بلقيس حميد حسن ( كاتبة عراقية ) :
فعل القراءة الاولى

بدأت القراءة منذ الصغر حيث ولدت في بيت جل ّ اهله شعراء ، وكانت المجلات القديمة التي يشترك بها والدي ويحتفظ بها كالعرفان والهلال والعربي هي اولى قراءاتي. قرأت ماهو اكبر من عقلي الصغير انذاك وتأثرت بأدباء وفلاسفة وعظماء كتب عنهم في هذه المجلات، شغفتني تلك الشخصيات خاصة مثقفي الثورة الفرنسية المقرونين بمفردات وقيم الحرية ، العدالة والمساواة التي أدخلتني طريق النضال ضد الظلم بكل اشكاله صوب الحلم الانساني الكبير، ومنذ ذاك الوقت لاحقتني الكتابة ، وأرّقني رفضي لفكرة العيش كبقية النساء القانعات بما قسم لهن والصامتات على القهر الأزلي ، نتج عن ذلك قصائد متمردة كتبتها بمرحلة الدراسة المتوسطة حصلت بها على جوائز ادبية تبعتها ملاحقات بعثية..

حسين حبش ( شاعر سوري ) :
تعويذة أفريقية

القراءات الأولى هي بمثابة المنحة الالهية الأولى التي توجه الموهبة وتحفزها على السير إلى قلب العملية الكتابية والابداعية. أتذكر الآن، تلك الغبطة واللذة التي كنت أشعر بهما، وأنا أتنقل من كتاب إلى آخر، ومن قراءة إلى أخرى، وكأنني كنت في كل مرة أكتشف متاهة جديدة تؤدي إلى متاهة أجد وأجمل من الأولى، تغري بالغوص فيها وطلب المزيد من كنوزها المخبأة برغبة وإلحاح. وأتذكر كيف كنت أحصل على تلك الكتب من خلال بحثي الدائم عنها. كان الشعار الأساسي بالنسبة إلي quot;القراءة، ثم القراءةquot;. وما زلت إلى الآن أرفع هذا الشعار على جبيني وكياني كله كتعويذة أفريقية، تجلب لي المتعة والمعرفة والاكتشاف واستفزاز المخيلة، فاتحة أمامي في كل مرة آفاقاً جديدة ومتنوعة. إذن أستطيع القول، بأنني حصيلة إجتهاداتي وقراءاتي الكثيرة. حصيلة الكتب التي أحببتها وقرأتها بحماس منقطع النظير. حصيلة الكتب التي سأقرأها في المستقبل. وبالتالي فإن جل كتاباتي هي متأتية من هذه القراءات وهذ الاجتهادات. هذا إضافة إلى أشياء أخرى في الحياة وهي غنية ومتنوعة، بغنى الحياة وتنوعها.. صقلت كلها تجربتي وأخذت بيدها نحو الأمام، وما زالت كذلك إلى الآن.

قتيبة عباس ( فنان ورسام عراقي )

جذور ثقافية

السؤال ارجعني الى الوعاء الاول الذي كان ينضح بالافكار .. انه تدرج طبيعي الذي حدث ، فقراءاتي الاول كانت ترتبط بالحدث ، لكنها ترادفت دائما مع موهبتي الموسيقية وانتماءاتي وجذوري الثقافية . كنت اسعى الى تقمص افكار الكتب واسعى الى ترجمتها على ارض الواقع لكني كنت اعرف انها مهمة صعبة .

كمال غبريال ( اكاديمي وكاتب مصري ) :
جمال الترجمة

قراءاتي الأولى هي الأقوى والأعمق تأثيراً، ليس فقط في تكوين شخصيتي ونظرتي للحياة، ولكن أيضاً في الأسلوب الذي انتهجته بعد ذلك في الكتابة، فقد كانت البدايات قراءة روائع الأدب العالمي، مترجمة في سلسلة كانت تطبع في بيروت باسم quot;روايات عالميةquot;، وقد تميزت تلك السلسلة بأمرين أظنهما طبعا بعد ذلك أسلوبي في الكتابة، بالطبع بالقدر الذي أمكنني التطبع به في حدود إمكانياتي الشخصية، فقد تميزت تلك السلسلة بجمال الترجمة العربية، متمثلة في رصانة الألفاظ وجمال تركيب الجملة، فعشقت اللغة وجمال ومرونة التعبير بها، الخاصية الثانية في تلك الروايات أنها كانت عميقة المعاني في لغاتها الأصلية، ولا تكاد تعالج مواقف أو سرداً سطحياً، وكانت رشاقة ومرونة تعبيراتها تجسد أعمق المشاعر والأفكار، وهذا ما حاولت بعد ذلك الاقتداء به، بقدر ما أستطيع من إتقان.

محمد العشري ( كاتب وروائي مصري )
هالة النور

سؤال يحتاج إلى السكون والتروي، واستدعاء الذاكرة النائمة تحت الجلد، في طبقاتها المتعددة، لذا، ربما يكون من الأنسب، الحديث عما يتبادر إلى الذهن بعفوية، دون اليقين أن ما سأتذكره هو بالفعل القراءة الأولى، وما بقي منها، لأن ما يتسرب في الوجدان، وتتشبع به الروح، ربما لا يبقى منه أثراً واضحاً يدل عليه، لأنه ببساطة أيضاً ينصهر في أشياء كثيرة تُشكل الوعي. في ذهني الآن، كتاب قراءته في مرحلة مبكرة، عن تأثير إلقاء

القنبلتين الذريتين على مدينتيّ هيروشيما وناجزاكي في اليابان (لا أذكر مؤلفه أو مترجمه)، وأذكر أنني وقعت تحت سيطرة تامة لهول ما حدث للإنسان، حين تتحول الحياة فجأة إلى جحيم، وغدوت أفكر في الأمر، بشكل علمي للبحث عن حل أو مخترع مضاد للإنشطار المستمر الذي يحدثه الإندماج النووي، ربما كان ذلك أحدث الأسباب التي دفعتني إلى الاتجاه إلى الدراسة العلمية، والتخصص في العلوم، بوعي أو دون وعي واضح، مع الوقت اكتشفت أن الرواية، ذات التوجه العلمي، يمكنها أن توفر مخترعات يمكن للعلماء الاستناد إليها في خدمة وتطوير العلم، ظهر ذلك روايتي quot;هالة النورquot; المنشورة في عام 2002، حين كتبت في تفريعة منها عن منجزين علميين جديدين، أحدهما اكتشفته وأعلنه الفلكييون في نهاية عام 2005، والآخر يعكف عليه حالياً لعلماء في ألمانيا لتحقيقه.

عصام سحمراني ( كاتب وصحافي لبناني ) :
إستحضار المنهل

ما من شك ان معظم الكتاب والعاملين في أي quot;مهنةquot; أدبية، ثقافية، أو صحفية قد يصيبهم بعض المرات قليلة كانت أم كثيرة شح يمنعهم عن الكتابة كليا. قد نستغرب ذلك أحيانا ونعود في لا وعينا تلقائيا إلى منبعنا ومنهل قريحتنا الأول، فتختلط عندها الأسماء والكلمات في رؤوسنا وتتراقص الصور والتعبيرات والحروف والتراكيب والإستعارات والمغازي والحوارات لتعيد إلينا ملكتنا من غرفة الإنعاش نحو مكانها الأصيل حبرا يتدفق نحو بياض الصفحات .
لكل منا منهله ورغم تجربتي القصيرة أمام عمالقة الأدب والكتابة العرب المعاصرين فلا مانع من أن أشير إلى كاتب كان له الفضل الأول في تحويلي من القراءة إلى الكتابة عبر إدماني لمؤلفاته منذ سن التاسعة. فارتديت quot;قميصه الصوفيquot; وأغرمت بعذاراهquot; ورافقت quot;صبيه الأعرجquot; وسافرت إلى quot;مطار صقيعهquot; لألتهم بعدها quot;رغيفهquot; قبل أن تطحنني بيروت بـ quot;طواحينهاquot;. طبعا هو الراحل الكبير توفيق يوسف عواد الذي ما زلت أحاول تتبع سهولته وانسياب كلماته وتحسس الأمل المستمر فيها ولو اغتيل صاحبها.

أحمد فضل شبلول ( شاعر مصري )
رحلات أنيس منصور

لا أتذكر الآن الكتب الأولى التي قرأتها في الصغر، ولكنني دخلت إلى عالم الكتب من خلال المجلات التي كانت تصدر للناشئة في مصر مثل مجلة سندباد، ثم ميكي وسمير، وكانت القصص المصوَّرة تأخذني إلى مغامرات وحكايات جميلة، كانت تحلق بي على جناح من المتعة والخيال، ومن هنا أحببت قراءة الأدب والشعر في وقت مبكر، فقرأت كتب برانق والكيلاني والعريان، ثم أحببت رحلات أنيس منصور، وانتقلت منه إلى قراءة توفيق الحكيم الذي كنت اقرأ كتبه أكثر من مرة وفي كل مرة أحس بمعرفة ومتعة ما، رغم أنه كانت هناك أشياء ومفاهيم غامصة علي أو لم أكن أفهمها. لذا تجدني بعد ذلك بسنوات أعمد إلى تبسيط أعمال توفيق الحكيم للأطفال فأصدرت كتابا بعنوان quot;بيريه الحكيم يتحدثquot; ضمن ما أصدرته من كتب للأطفال.