عبداللّطيف الوراري: عاد إسم الروائيالمغربيمحمد زفزاف (1945 ـ 2001) إلى الواجهة هذه الأيّام، ليس في سياق تكريمه وردّ الاعتبار لمجمل أعماله كواحدٍ من أهمّ كتّاب الرواية والقصة القصيرة، وأنبغهم وأنفذهم وعياً وخيالاً في تاريخ الأدب المغربي الحديث برمّته، فهذا ممّا لا يحدث أصلاً في بلدٍ يقتل نبغاءه ومثقّفيه الأدواء من كلّ ضرب، بل بعدما هاجمت صحيفة 'التجديد'، المقربة من حزب العدالة والتنمية الإسلامي المعارض، روايته quot;محاولة عيشquot;، وكتبت بصدر صفحتها الأولى، في عددها 2221 (25-27 شتنبر 2009 )، laquo;استنكار اعتماد laquo;روايةraquo; لاأخلاقية لتلاميذ السنة التاسعةraquo;، laquo;تدور مجمل أحداثها في الحانات والباراتraquo;، وأنّ بها laquo;حياد اتجاه تعاطي الخمر والتدخين والزنا وعقوق الوالدينraquo;. وهكذا تبرِّر اعتراضها على الرواية،التي تم إقرارها منذ ثلاث سنوات في منهج السنة التاسعة من المرحلة الإعدادية، بأن مضامينها لا تتناسب مع المستوى التعليمي، وتتعارض مع القيم التربوية للمدرسة المغربية، فتساءلت: quot;ما الذي يُنتظر من متعلم في سن المراهقة، يُعرض أمامه نموذج خجول سلبي لا موقف له مثل شخصية بطل الرواية، ثم تمضي أحداث هذا العمل الأدبي التي تدور معظمها في الحانات والبارات، لتنتهي في الأخير إلى أن هذا البطل اكتشف ذاته واكتشف العالم من حوله من خلال علاقته الجنسية بمومس، بل تقدم له الرواية الاستسلام للخمر كحلّ للمشكلات النفسية التي تعترضه؟quot;.
لكنّ ذلك التأويل الأخلاقي للرواية كعملٍ أدبيٍّ مخصوص، أثار آراءً رافضةً وغاضبة في أوساط الأدباء والمثقَّفين الذين رأوا في الأمر تضييقاً لحريّة الأدب وارتداداً جماليّاً صارخاً، معتبرين أنّ مقال الصحيفة سقط في خلط واضح بين الأدب والفن وبين الأخلاق المعيارية، كأنّ هذه المعايير أخلاقية تستقيم،بالضرورة، مع المعايير الجمالية للأدب وللتحليل الأدبي، أو حتى مع الشرط البيداغوجي للعملية التربوية الذي يفترض فيه أن يمنح ناشئة القراءة ملكة نقدية وتحليلية منفتحة وقادرة على امتلاك رؤية عن العالم في قيمه المتعدّدة، طالما أنّ الأدب يعبِّر في جوهره عن المهمّش واليومي المبتذل ممّا اختصّ أدب زفزاف، ولكن بمسافةٍ جماليّة وتخييليّة خاصّة، غير نمطيّة. وهو ما جعل البعض يرى في محاولة منع الرواية من التداول الدراسي quot;عودةً إلى محاكم التفتيش السيئة الذكرquot; أو في حكم quot;الغارة الإرهابيةquot;، إذ تجسِّد موقفاً متخلّفاً ورجعيّاً من الإبداع الأدبي السردي القائم على التخيُّل والابتكار، وارتياد آفاق المجاز والاستعارة. وسخر البعض بقوله إنّ quot;رواية laquo;محاولة عيشraquo; لا تحاكي ما يقع في جزر الباهماس!quot;، بل تتحدّث بكلّ بساطة عن الواقع المغربي منذ الستينيات في تحوّلاته الاجتماعية المتسارعة، كما فعل نجيب محفوظ في مصر، وهنري ميللر في الولايات المتحدة الأمريكية. وهو ما فهمه البعض الآخر بأنّه quot;هجوم على الأدب المغربي بصفة عامةquot;، ممّا يضرب بكلّ مجهود للتصالح بين المنظومة التربوية وأدبها الوطني عرض الحائط. لكنّ أطرف الآراء ذلك الذي رأى في السجال الدائر حول رواية مقررة في برامج التعليم بمثابة خلاف حقيقي قد يعصف بالتقارب بين حزبي 'الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية' و'العدالة والتنمية' بحكم اختلاف مرجعيّتيْهما سياسيّاً.
وتذكّرنا محاولة منع الرواية من التداول في المدرسة المغربية بمواقف مماثلة حدثت لأعمال أدبيّة عربيّة مُنعت أو صودرت سواء من طرف السلطة السياسية أو الدينية، وتعرّض أصحابها في حياتهم لتضييقات محاولات بالقتل، من مثل روايات quot;موسم الهجرة إلى الشمالquot; للطيب صالح وquot;أنا حرّةquot; لإحسان عبدالقدوس وquot;أولاد حارتناquot; نجيب محفوظ وquot;الخبز الحافيquot; لمحمد شكري وquot;وليمة لأعشاب البحرquot; لحيدر حيدر، وليس آخرها quot;الأعمال الكاملةquot; لأنسي الحاج، بتهمة laquo;المسّ بالذات الإلهيةraquo;!
وبصرف النظر عن هذه المواقف والمواقف المضادة، فإنّ quot;محاولة عيشquot;، إحدى روايات محمد زفزاف الثماني إلى جانب ورايات quot;المرأة والورد 1972 وquot; أرصفة وجدرانquot; 1974وquot;قبور في الماءquot; 1978 وquot;بيضة الديكquot; 1984 وquot;الثعلب الذي يظهر ويختفيquot;1989، عدا مجموعاته القصصية الستّ، هي محاولة جريئة لفهم الواقع المغربي، ويمكن تصنيفها داخل الرواية الأطروحة أو roman agrave; theacute;se بتعبير سوزان سليمان، التي وضعت نصب عينيها نقد ذلك الواقع بدل تمجيده وتكريسه.
تحكي الرواية عن شخصية البطل حميد الذي يعيش مع والديه المتسلّطين في البراريك (دور الصفيح). يُجبر على العمل بائعاً للصحف، ويتجول ليلاً في حانات المدينة التي يرتادها الجنود الأمريكيون، مستغلين فقر الفتيات القادمات من القرى المجاورة بحثاً عن عمل، بما في ذلكquot;غنُّوquot; التي خلصها من أحد الجنود، وأصبحت خليلته فيما بعد. يتعرّض للشتائم من الجميع. يجد الملاذ أحياناً عند اليهودية صاحبة المطعم الفخم الذي تسمح له بأكل بقايا الطعام. يملك quot;بركةquot; في الفناء بعد بلوغه الثامنة عشرة، فيتزوج وفق المراسم الشعبية المعتادة، ويتحول الاحتفال في النهاية إلى معركة، بعد أنّ يكتشف أن زوجته العرجاء لم تكن عذراء. يقاوم حميد ضغط الفقر والمجتمع في محاولة للعيش.. محاولة تريد أن تنجح مهما كانت الظروف المحيطة وضغوط الحياة. إنّها رواية الهامش التي ترصد معاناة الطبقة المسحوقة في المغرب، وتلتزم بالتعبير عن مشكلاتها المصيرية. ولو قُدّر للكاتب محمد زفزاف أن يحيا بيننا اليوم، لكان قد كتب رواياتٍ جديدة صادمة أكثر من quot;محاولة عيشquot; التي كتبها في أواسط الثمانينات، بالنظر إلى حركيّة الواقع المغربي المتحوِّل باستمرار، وهو ما يعمى عنه، على السواء، أصحاب القراءات المغرضة والمطمئنة وكتّاب الرواية المغاربة الّذين انصرف معظمهم إلى محكيّات ذاتية وفنطازية وتجريبيّة متهافتة.
مقتطفات من الرواية:
ـ سيادة الشك والفرقة بين الناس: quot; كل يوم تبنى فيه برَّاكة جديدة، لكن الأخبار تصل بطريقة أو بأخرىquot;. ص. 85.
ـ شيوع الرشوة على كل المستويات: quot; أنت لا تعرفين الميناء، لا يصلك الدور إلا بالرشوةquot;. ص.100.
ـ تسلط رجال السلطة: quot;كان الرجل ببدلته الرسمية الزرقاء ينظر إليه بطريقة عدوانية ومسدسه يتدلى عن يسارهquot;. ص. 88.
ـ التفسخ والانحلال الخلقي: quot; المومسات الوافدات.... رجال السلطة يعتقلوهن لابتزازهن أو لاغتصابهن..إن الإسلام يمنع الزنا، والزنا، الدولة لا تعترف بهquot;. ص. 107.
ـ وضعية المرأة في المجتمع: quot;إنها فتاة على كل حال، إلى متى سيحتفظ بها؟ هل سيُمَلِّحُها وينْشُرُها مثل لحم عيد الأضحى؟ quot; ص. 162./quot; اجعل المرأة امامك، ولا تجعلها خلفك، النساء غدارات وحرامياتquot;. ص. 158. /quot;لقد أصبحت أتركها تنبح كالكلبة... أنا أيضا تعِبتُ من ضرب تلك العرجاء اللعينة.quot; ص.131.
ـ الطفولة المحرومة: quot;أمرت الخادمة أن تقدم له صحنا من اللوبيا بقطعة من قوائم البقر، منذ شهور لم يأكل وجبة مثل هذهquot;. ص.119./quot; يتغيبون منذ شهر عن عائلاتهم يظلون يعيشون من مزابل المدينة، وينامون في الحدائق العمومية quot; ص. 100./ quot; كم أتمنى أن يكون ماسح أحذية، لأن حياة هؤلاء حرةquot;. ص. 87./ quot;جرّه الحارس إلى البراكة، شعر حميد بالخوف من هؤلاء الأجلاف. كم هم قساة quot;. ص. 90.
ــــــــــــــــ









التعليقات