المبدعون لايرحلون عن الذاكرة
فصول من سيرة وطن ونبع عطاء
مشهد الاستهلال
اي مسرح هذا الذي يؤجل السؤال ويغيب الرأي ويلغي الموقف ؟
اي مسرح هذا الذي ينسى هم الانسان ويتجاوز اشكاليات الواقع؟
اي مسرح هذا الذي لاتسكنه المغامرة ومحاولات التجريب ولايرهن ذاته لللفكر المتجدد والتغير؟
اي مسرح هذا الذي يتخلى عن مرجعياته وسمو قيمه ليهيم في صحراء التجريد والغموض واللهو الفارغ واللاجدوى؟.
أي قداسة تبقى لمسرح يجافي الحقيقة ويرتق ثوب الواقع بالهامشي والمطمئن والعابر؟
اليس المسرح هو فضاء الحرية والتعبير واشباع الذات من الابداع المعرفي والجمالي
اليس المسرح هو خلاصة المخيال الجمعي، ورؤيا العالم وفعل الحياة الذي ينبغي ان يكون وتجسيد الحال الامثل للانسان
هذه الاسئلة وغيرها الكثير هي التي كانت مفاتيحا لسيرة رجل المسرح الراحل بكبرياء العطاء ومأثر الانجاز المشهود الفنان قاسم محمد
رحلة الدراسة وشغف الاطلاع
بعد ان انهى دراسته في معهد الفنون الجميلة ببغداد سافر الى روسيا ليواصل رحلة التعرف والاكتشاف على اساطين العلم والمعرفه فراح يغترف من علوم المسرح والثقافة الروسية من معهد كيتس فكان حريصا مثابرا خبر بجهوده الذاتية اساليب رموز المسرح من ستانسلافسكي ودانجنكو ومايرهولد وفاختكوف وصولا الى سيرغي غازاروف، اناتولي فاسيليف وفلاديمير ميرزوييف وغيرهم
عاد الى بغداد محملا بحماس العمل وطموح التجربة وخبرات متجددة للتطبيق في فضاء المسرح الذي فتح ابوابه واسعة امامه فباشر قاسم محمد يطبق معارفه وافكاره بفاعلية على ارض الواقع العراقي بما يحمله من تناقضات اجتماعية واختلافات فكرية وسياسية محاولا عبر اعماله المتنوعة ان يطوع رموزه ويكيف رؤاه بما ينسجم مع هذا الواقع، لقد وجد في الجذور فكراغنيا للتعبير عن مشاكل الواقع وأمال الناس فأجتهد في توظيف التراث العربي والعراقي والانساني عبر الدراما والبسها اشكالا مشهدية عبر لوحات مسرحية تنبض بالفكر والدلالات لانه كان يؤمن تماما ان لاثبات ولا قواعد ولا اقانيم في عالم المسرح المتجدد.
فصول من سيرة الابداع
فجاءت اعماله النخلة والجيران عن رواية الكاتب والروائي الكبير غائب طعمة فرمان لتشكل انعطافة في مسيرة المسرحية الشعبية لما تحفل به من معالجات فكرية وجمالية واساليب ادائية وتعبيرية راقية، ثم انجز مسرحية ndash;نفوس- التي اعدها عن مسرحية البرجوازيون لمكسيم غوركي، شعيط ومعيط وجرار الخيط، اشلون وليش والمن والشريعة مازالت راسخة في ذاكرة الجمهور العراقي وستتواصل مع اجيال قادمه لانها تحمل مقومات التجدد والانفتاح التأويلي وقدرة الفنان على قراءة الواقع.
اما في مسرحية ndash; بغداد الازل بين الجد والهزل ndash; التي حصدت نجاحا مضافا وعكست قدرة الفنان في تناول التراث وتوظيفه في اشكال ادائية اعتمدت روح التحديث ودقة المعالجة وخصوصية محلية تنهل من مشاكل الواقع المعاش وتفاصيل الحياة اليومية كي يمنحها نكهة الحاضر واستشراف المستقبل،
وواصل نهجه هذا في عروض لاحقة مثل مجالس التراث، كان ياما كان، ورسالة الطير وبذلك استطاع ان يغني تجارب المسرح ويسند مساعي فرسان المسرح في الوطن العربي ورواده امثال توفيق الحكيم ونعمان عاشور ويوسف ادريس والفريد فرج والطيب الصديقي وسعد الله ونوس وعبد الكريم برشيد واخرين ممن جهدوا كي يمنحو مسرحنا هويته وتميزه.
ان الظروف والاحداث التي كانت تحدق بالانسان في كل مكان وما يتعرض له من امتهان وظلم واستغلال كانت هاجسا ملازما لنضال الفنان في التعبير
عن ذلك بأبداع وفكر مقاوم فجادت اعماله انا ضمير المتكلم هذا العرض الذي اعده عن مجموعة من قصائد شعراء المقاومة امثال سميح القاسم وتوفيق زياد ومحمود درويش وكذلك حرص في عمله حكاية الرجل الذي صار كلبا للكاتب الارجنتيني درايجون ليعكس من خلاله قبح الرأسمالية في استعباد الانسان واذلاله، وكذلك في عرض الشهيد رقم الف، اضافة الى مسرحية ndash;أباء للبيع- هذا العمل انجزه في ظرف صعب كان العراق يعيش محنة الحصار يشتى اشكالهوقد نجح الفنان هنا في المزاوجة بين الاسلوب التعبيري واستخدام لغة المجاز ساعيا الى تجسيد نكهة ملحمية تحيلنا الى تجارب المخرج الالماني برتولد برخت.
في مسرح الاطفال
احلام الطفولة التي كانت تداعب الفنان وتعيده الى تلك البراءة والعفوية وسحر الخيال حاول ان يجدلها سبيلا في تجاربه المسرحية نذكر منهما مسرحية ndash;طير السعد- وهو عرض مستمد من التراث الاسطوري قام الفنان قاسم بأعدادها واخراجها عام 1970 لتكون باكورة لتجارب لاحقة مهدت لمسرح طفل حقيقي شكلا ومضموناحيث نجح في استخدام الرمز المعبر وخلق الاجواء الرومانسية الحية واستخدام اللغة الشعرية الجميلة، اعقبها بمسرحية ndash; الصبي الخشبي- التي اعدها عن قصة - بينو كيو- للكاتب الايطالي كارلو كالودي وتولى اخراجها للفرقة القومية للتمثيل ورغم صعوبة الافكار الفلسفية التي طرحتها هذه التجربة الا انها اعدت من الاعمال الناجحة في اسلوب التعبير واعد في ذات الاتجاه مسرحية ndash;رحلة الصغير في سفرة المصير التي اخرجتها الفنانة منتهى محمد رحيم للفرقة القومية.
الانفتاح على ثقافة الاخر
لعل تجربة الدراسة ومعايشة افاق الثقافة العالمية رسخت لدى الفنان قاسم محمدضرورة الانفتاح على الاخر والعمل وفق مبدأ التبادل الثقافي والحوار الانساني الكوني بعيدا عن التعصب والشوفينية من منطلق ان الحضارة الانسانية هي ملكا مشاعا لجميع بني البشر وانه التطور والتنمية لاتتحققان الا بتراكم ومنجزات الشعوب المتفاعلة ولهذا نجد ان اغلب ما انجزه مبدعنا الراحل كانت اعمالا ذات صفة عالمية واضافة الى ماذكرناه فقد اعد وترجم الكثير من الاعمال مثل مسرحية الحلم التي اخرجها الفنان خليل شوقي، ومسرحية العالم على راحة يد عن الكاتب الروسي اناتولي شايكيفيج اخرجها جواد الاسدي عام 1976 ومسرحية اضبطوا الساعات التي قام بتعريقها عن مسرحية للكاتب المصري محمود دياب اخرجها الراحل فاروق فياض، كما ترجم مسرحية طائر الحب عن نص مفتبس من اسطورة يابانية من تأليف كينو سيتا، ومسرحية الاملاء للكاتب الايراني كوهر مراد ومسرحية شيرين وفرهاد التي اعدها عن نص للشاعر التركي المعروف ناظم حكمت، كما اعد واخرج مسرحية لغة الامهات التي ترجمها فتحي زين العابدين عن مسرحية لالكسيس بارليس وعرضت عام 1993 الى جانب اعمال مسرحية اخرى.
وكان ممثلا ايضا
ادى الفنان قاسم محمد بعضا من الادوار الفنية في المسرح والتلفزيون والسينما منها شخصية الخال فانيا في مسر حية بذات العنوان لتشيخوف عام 1961 ولعب دور ياغو في مسرحية عطيل وادى دور تموز في مسرحية تموز يقرع الناقوس، ومثل شخصية ياسر في مسرحية القربان ودور السائق في مسرحية تموز والسائق وهناك ادوارا اخرى كان يخضع شخوصة لدراسة وتحليل وفهم عميق لهذا كان يجيد الامساك بأبعادها ويمنحها روحا وتفاعلا مع طبيعة الموقف وتحولات الحدث الدرامي تاركا بصمته عليها. اما في مجال الدراما التلفزيونية فقد كانت جهوده محدوده جدا مقارنة بعطائه االمسرحي فقد كتب سهرةبعنوان حياة جديدة جسدت ادوارها فرقة المسرح الفني الحديث كما كتب مسلسل بيتنا بيتنا وبيوت الجيران الذي اخرجه الفنان فلاح زكي.
الجوائز والتكريم
حظيت اعمال الفنان قاسم محمد بالحصول على عديد الجوائز والشهادات التقديرية لما انجزه من عطاء متميز فقد نالت مسرحية مجالس التراث على شهادة تقدير من المركز العراقي للمسرح نتيجة عروضها الناجحة في المغرب وتونس وماتركته من اثر كبير في الوسط الفني والاعلامي هناك عام 1980 وحصلت مسرحية سر الكنز على جائزة الاعداد المسرحي للموسم 1979-1980 ونالت مسرحية حكايات العطش والارض والانسان جائزتي التأليف والاخراج عام 1982 وحصلت مسرحية العودة تأليف الشاعر الراحل يوسف الصائغ على جائزة افضل اخراج عام 1988 كما حصلت مسرحية الباب للمؤلف نفسه والتي اخرجها الفنان قاسم محمد على جائزتي افضل نص واخراج للفرق المحترفة في مهرجان قرطاج المسرحي بدورته لعام 1987 كما فازت اعماله بغداد الازل بين الجد والهزل والشريعة وانا ضمير المتكلم على جوائز للنصوص والاخراج.
كرم الفنان في عديد المحافل الدولية والعربية كان اخرها تكريمه من قبل دائرة الثقافة والاعلام في عجمان بدولة الامارات العربية ومنحه جائزة شخصية العام 2008 لعطاءه المتميز ومساهمته في رفد الساحة المسرحية الاماراتية بالعديد من النشاطات على مستوى الكتابة والتأليف وكذلك الاخراج لعدد من الاعمال التأريخية من تأليف سمو الشيخ سلطان القاسمي حاكم الشارقة وهي القضية، عودة هولاكو، والواقع طبق الاصل ، كما رمته مجموعة الاعلام الدولي المستقل بقلادة بغداد الذهبية بوصفه احد رواد الابداع واهدي لروحه الطاهرة عنوان مهرجان مسرح الاطفال الاخير الذي اقيم ببغداد
ان قاسم محمد بأختصار هو فارس الاخراج ومعلم الاجيال انه منظومة ابداعية ومشروعا فكريا وابداعيا متواصلا سيبقى نهجا اصيلا ورافدا متجدد العطاء عبر ما انجزه من اعمال تحيل الى الفكر التربوي العميق والقدرة في التعبير والجمال في الشكل
ان التكريم الاكبر لفقيد الثقافة والمسرح العراقي هو حب الجمهور الواسع له وتقديرعطائه الابداعي الذي سيبقى خالدا في ذاكرة الناس الذين سخر لهم كل مواهبه في البحث والتأليف والاعداد والتدريس والترجمة والدراماتورجيا والاخراج فقاسم محمد كان يؤمن ان الانسان هو جوهر المسرح والمسرح هو مدرسة الاجيال واداة التغيير والتنمية










التعليقات