احسان الخالدي: يعد كل من المؤلف والمخرج ndash; ومايقابلهما من أدوات فنية quot; النص / العرضquot; ndash; ركنين أساسيين في العملية المسرحية، والذي شاب العلاقة بينهما الكثير من التشاكل الفكري والفني منذ أن ترسخ مفهوم المخرج في المسرح أواخرالقرن التاسع عشر، باعتباره سيدا أو مديرا للعرض المسرحي. بعد أن كان الممثل الأول (ثيسبس- الذي ظهر في اليونان لاول مرة ممثلا محترفا في المسرح عام 534 ق.م، وشكسبير- الذي اشتهر في انكلترا في القرن السادس عشر)، أو المؤلف، مثل(سوفوكليس- أحد أبرز كتاب التراجيديا الإغريقية في القرن الرابع قبل الميلاد، وموليير- فرنسا عصر النهضة) هما من يتولى مسؤولية ادارة الممثلين والعاملين في المسرح. أخذ الدارسون والمهتمون بتفاصيل العملية المسرحية في السؤال عن اشكالية العلاقة بين المؤلف والمخرج، لاسيما بعد قيام العديد من المخرجين بطرح أفكار تجعل منهم مؤلفين جدد للنص المسرحي.

متى؟ وكيف؟
بعد أن تمكن الألماني الدوق ساكس مايننغن - الذي ألهم العديد ممن جاؤا بعده - من تقديم مسرحيات كانت بمثابة نماذج لسلطة المخرج المتحكم بالعرض المسرحي، صار المؤلف في الدرجة الثانية. وقد طرح المخرج الفرنسي أندريه أنطوان الفكرة القائلة:(المخرج هو المفسر للنص والأمين على أفكار المؤلف). وهنا يمكن ان نؤشر بروز فكرة المخرج الأمين والمخرج غير الأمين، ويبدو أن التشاكل في العلاقة بدأ منذ ذلك الوقت وإلا لما طرح أنطوان هذه الفكرة. ولكن اختلاف الرؤى بين المخرجين في تناولهم لأفكار المؤلف ظل سائدا حتى وقتنا الراهن، فهذا المخرج الروسي قسطنطين ستانسلافسكي وعلى الرغم من أنه واحد من المخرجين الذين يهتمون بالأمانة على النص وتفسير أفكار المؤلف إلا أنهndash; والكلام هنا لاثنين من ابرز المخرجين العراقيين هما بدري حسون فريد وسامي عبد الحميد-(المخرج في نظر ستانسلافسكي هو منفذ وخالق في نفس الوقت، مفسر للنص وأفكار المؤلف وخالق لخواص ذلك النص بالاضافات التي تأتيها مخيلته)، ويبقى تعدد الرؤى الفنية للمخرجين هو المهيمن على قراءة النص المسرحي مع تنوع التواجهات والمذاهب الأدبية التي ينتمي إليها النص.
رؤية...
ان أي بنية فنية تستمد ديمومتها من الحفاظ على وحدتها الفكرية والجمالية، أي المحافظة على وحدة الإنسجام بين quot; الذات والموضوعquot;، وبما أن بنية المسرح هي الأكثر تعقيدا بسبب تعدد الذوات في تكوينها (المؤلف، المخرج، الممثل، المصمم، المشاهد) لذا تواجه الباحثين الكثير من الصعوبات في تحليل العملية المسرحية.
ان محاولة البحث في اشكالية العلاقة بين quot;ذاتquot; ndash; المؤلف والمخرج ndash; تعد الأعقد، من خلال سعي كل منهما إلى أن تكون الذات المركزية، ويقول يوري فلتروسكي أحد نقاد quot; حلقة براغ quot; في هذا الإطار:(لدينا تعقيد مضاعف في الدراما، فيما يتعلق بالذات الكامنة خلف بنيتها. من ناحية، هناك تعددية للذوات، دعونا نقول ذوات جزئية مرتبطة بتعددية السياقات المعنوية، ومن ناحية اخرى، هناك تناقض واضح بين هذه الذوات والمؤلف الذي هو الذات المركزية). وتؤكد بعض الشواهد التأريخية سلطة المخرج بكونه مركز العملية المسرحية، كما يقول المخرج عقيل مهدي في كتابه quot; نظرات في فن التمثيلquot;:(آبيا.. أول من أصر على الأهمية القصوى للمخرج باعتباره الدكتاتورالمسيطرعلى كل عنصرمن عناصر الاخراج المسرحي). وكذلك المخرج الانكليزي غوردن كريغ الذي لم يكن يؤمن بالاعتماد على كلمات النص، واعتبر المخرج (مؤلفا جديدا للنص المسرحي). واخرين أمثال الفرنسيquot; جاك كوبوquot; ومواطنه quot;غاستون بتيquot; والأمريكي quot;ليوبولد جسنرquot; وكان كل منهم يدعو الى ان يكون للمخرج الدور الأول في قيادة العرض المسرحي وجعل المؤلف في مرتبة ثانية، أو لا دور له كما فعل المخرج الروسي quot; فيسفولد مايرهولد quot; الذي دعا الى فكرة (المخرج مؤلف العرض).
ومع استمرار الجدل حول دور كل من المؤلف والمخرج في بعث الروح في العرض المسرحي يقول المخرج سامي عبد الحميد (تبقى هناك لغة مسرحية يتعامل بها العاملون في المسرح ولابد لهذه اللغة من مؤلف، سواء أكان مؤلف الكلمات أم كان هو الممثل أم كان هو المخرج، فهناك لغة، وهي الحجر الأساس للعمل المسرحي. وهذا معناه بقاء المؤلف حيا وبقي هو الأول والثاني هو المخرج). اذن فاللغة هي جسد العرض الذي لايمكن الإستغناء عنه بأي شكل أو اسلوب مسرحي من الكلاسيكية وحتى الآن حيث تتجه العروض الى استخدام (لغة الجسد) مرورا بفن المسرح الإيمائيTheatre Mime الذي يقوم بتحويل لغة النص (الكتابة) الى (لغة الحركة) كما عند الفنان البولوني توماشفسكي، أوحتى(الأصوات اللغوية) و (لغة الصوت) كما في عروض مسرح اللامعقول.الناقد رولان بارت يشير الى كثافة (الفعل الدلالي) للعرض من خلال العلاقة بين نظامي اللغة والمسرح (هناك علاقة بين اللغة / الرمز واللعبة المسرحية quot; أي علاقة اللغة بالكلام quot;، وهناك أيضا طبيعة العلامة المسرحية quot; تماثلية، رمزية، أم اصطلاحية؟ quot; وتنويعاتها الدلالية، وهنالك أيضا ضوابط تسلسلها وأخيرا دلالاتها الذاتية والترابطية. كل هذه المشاكل السيميائية الأساسية جاهزة في المسرح، بل يمكننا القول أن المسرح يشكل موضوعا سيميائيا متميزا، إذ أن نظامه يبدو في الظاهر أصيلا quot;أي متعدد الأصواتquot; مقارنة بنظام اللغة الأفقي الأحادي). ولعل الدافع الأساسي وراء استمرار صراع (الذات) بين المؤلف والمخرج هو اختلاف الرؤية بينهما في تجسيد المسرحية، فالأول ينطلق من تصورات أدبية، والثاني ربما لديه تصورات تقنية. وقد صنّف الخبير المسرحي الكسندر دين في مؤلفه (اسس الاخراج المسرحي) الفنان الى نوعين: المبدع.. والمفسر.. فالمؤلف الموسيقي والمثّال والرسام والكاتب الأدبي جميعهم فنانون مبدعون. أما قادة الأوركسترا والعازفون والمخرجون والممثلون وغيرهم من العاملين في المسرح لاينتجون تعبيرهم الفني من الفراغ أو العدم ولكن أمامهم العمل الفني الذي تم انتاجه بالفعل كي يفسروه. فاذا أراد المخرج أن يكون أمينا على أفكار المؤلف، عليه أن يوظف أدواته الفنية في التركيز على فكرة المؤلف الرئيسة في المسرحية، أما اذا اختار ان يكون غير أمين على افكار المؤلف فسيعمل على ابراز فكرة تنسجم ورؤاه الفكرية والجمالية، مثلا نشاهد مسرحية quot;بيت الدمية quot; للكاتب النرويجي هنريك أبسن لمخرج من النوع الأول نراه يركز على فكرة المؤلف بالدعوة الى حرية المرأة وتعزيز دورها الإجتماعي، فيما يقوم المخرج الثاني بابراز العلاقة السلبية للمرأة بزوجها وابناءها أو مع الشخصيات الأخرى.ويبقى التوتر في العلاقة بين (المؤلف / النص) و (المخرج / العرض) قائما تبعا لمتطلبات المرحلة التاريخية، وقد ينصب الجهد على تحديد العرض المسرحي بوسائل النص، أو ان يتيح المؤلف مساحة من الحرية للتجسيد المسرحي، كما تؤكد (النسبية) حضورها في المنطلقات الفكرية والفنية لكل من المؤلف والمخرج. يقول ناقد آخر من quot;حلقة براغquot; يان ميوكاروفسكي (هكذا هي العلاقة بين المسرح والدراما، دائما متوترة ولهذا ايضا خاضعة للتحول. مع ذلك ليس المسرح ndash; في الحقيقة ndash; خاضعا للأدب ولا الأدب خاضعا للمسرح. يمكن لمثل هذين التطرفين quot; أي خضوع الأدب للمسرح أو العكس quot; ان يحدثا فقط في مراحل تطورية خاصة، بينما في مراحل اخرى يتم التوازن بين الطرفين). وبما أن بنية المسرح تختلف في عناصرها السياقية عن الفنون الأخرى، وقد قيل ndash; منذ فاغنر- ان المسرح هو فن(تركيبي)، بل هو في الواقع (مجموعة تامة من الفنون) تنسجم بشكل هارموني وفق رؤية جمالية وفكرية تتجسد في عناصر العرض المسرحي السمعية والمرئية والحركية، وباعتباره ndash; المسرح ndash; مؤسسة
quot;سسيولوجية quot; تقودها منظومة من العلاقات والتقاليد (الأعراف المسرحية) يتوجب على العاملين في الحقل المسرحي احترامها والتقيد بها ndash; الى حد ما ndash; للمحافظة على قدسية ومهابة المسرح التي عرف بها منذ النشأة اليونانية وحتى يومنا هذا.

مسرحي واعلامي عراقي مقيم في الولايات المتحدة
[email protected]