كامل الشيرازي من الجزائر: يرى الروائي والإعلامي الجزائري المخضرم quot;رابح فيلاليquot;، أنّ روايته الأخيرة الموسومة quot;رصاصة واحدة تكفيquot;، شكّلت اختراقا تاريخيا لتقاليد نشر الرواية العربية، من حيث إقدامه على نشر العمل المذكور على شبكة التواصل الاجتماعية quot;الفايس بوكquot;.
فيلالي المغترب بأمريكا والذي زار وطنه الجزائر مؤخرا بمناسبة الصالون الدولي للكتاب، يُبرز في هذه المقابلة الخاصة بـquot;إيلافquot;، أنّه ارتضى من خلال عمله التأريخ لعشرية التسعينيات الدامية في الجزائر، ونقل جزء من أوجاع وطن تحوّل آنذاك من مكان نابض بالحياة والحلم إلى مستنقع للموت.

bull; صدرت لكم مؤخرا روايتكم الموسومة quot;رصاصة واحدة تكفيquot; التي تخوض في تراجيديا وطنكم الأمّ الجزائر، وتحتوي على كثير من لذائذ المعاني والرؤى ومُتع الأبعاد، الحالات والانفعالات، بيد أننا لاحظنا هيمنة للوجع المحزون على الرواية، ومع ذلك جزمت بأنّ ما سطرته يمثل بعض الوجع.. هل لكم أن تبسطوا نظرتكم لقراء quot;إيلافquot;؟
-الرواية هي عودة بالذاكرة الجماعية الجزائرية الى سنوات التسعينات التي شهدت واحدة من أكبر المآسي الانسانية في نهاية الفرن الماضي، عندما اختارت مجموعة من أبناء الجزائر ان تنتصر لثقافة الموت ومواسم الجنائز في وقت كان العالم من حولها يعيش واحدة من أكبر التحولات في التاريخ الانساني.
عمق المأساة يكمن أساسا في كون تلك الثقافة حاولت أن تعيد المجتمع الى نقطة البدء في التاريخ الانساني مجتمعا، عندما رفضت كافة أشكال الاختلاف وقررت أن يكون صوتها هو وحده الأعلى والذي يجب أن يُسمع في تلك المرحلة، الأمر الذي اوجد حالة من الارتباك الجماعية في جميع مسارات البلد اجتماعيا وانسانيا.
وبحكم كوني واحد من أبناء جيل الاستقلال في الجزائر، حيث كنا شهودا على حالة الاغتيال اليومي لحلمنا في وطن يكبر مع مطلع كل شمس جديدة، تراجعت أحلامنا يوما بعد آخر وانحصرت في لحظة ما في ضمان البقاء على قيد الحياة، لتضطرنا تلك الثقافة أن نغادر مُكرهين إلى مهاجر شتى، وننهي بذلك علاقة أزلية بمكان وأرض شكّلا دوما مرتعا لكافة أحلامنا، هذا بالتحديد ما عنيته بالوجع أو بعضه فقط.
عندما نستيقظ كل صباح على خبر موت زميلة وزميل في قاعات تحرير التلفزيون والصحف، وعندما تضيق الأخيرة بأخبار الجنائز، حينها فقط تعرف أنّ موسم الحياة في تلك الارض يُراد له في مكان ما أن يتوقف، ويُراد للموت أن تسود في وطن أرادته السماء ان يكون عنوانا للحياة بكل تفاصيله المعلنة وغير المعلنة.
لذلك يحق لي ولنا جميعا كشهود على تلك المرحلة من السقوط، أن نقول بأنّ هذا الذي نبوح به لا يعدو سوى أن يكون بعض الوجع وليس كله.

bull; يمثل نشركم quot;رصاصة واحد تكفيquot; على شبكة quot;الفايس بوكquot;سابقة من نوعها على صعيد نشر الروايات العربية الكترونيا، كيف تنظرون إلى أفق هذه الممارسة خصوصا مع تنفرد به من تحقيق تفاعل حميمي بين المبدع وقراء عمله، هل هو انطلاقة فعلية لتأثيث الأدب الالكتروني وكسر جدار التباعد بين المبدع والمتلقي، وكيف تتصورون آفاق التجربة؟
-وجودي في واشنطن وفي هذا الزمن تحديدا، علّمني أنّ المستقبل في عالم صناعة الاعلام، سيكون حتما لما يُعرف الان بوسائط الاتصال الحديثة، ورأيت عن قرب كيف ساهمت هذه الأخيرة في صنع الفارق بين مترشحي حملة انتخابات الرئاسة الأميركية الاخيرة قبل عامين، إضافة الى أنّ السوق الأميركية للكتاب تتجه الآن أكثر إلى الكتاب الالكتروني الأخف حملا والأسرع تدفقا.
كل هذه المشاهدات عن قرب دفعتني الى التفكير في ضرورة إحداث اختراق تاريخي وحقيقي في تقاليد نشر الرواية العربية من خلال توظيف موقع quot;الفايس بوكquot; للتواصل الاجتماعي كمساحة لنشر الرواية واعطاء القارئ العربي المتواجد في جهات العالم الخمس، فرصة المشاركة في التعليق على فصول الرواية وسماع وقع مسار الرواية عليه، ليس فقط الاختراق غير المسبوق في النشر هو الذي تحقق من خلال التجربة، إنما الذي تحقق هو حالة من الدفع بالكثير من الطاقات العربية المؤجلة إلى التفكير في ضرورة استغلال الفضاء الالكتروني في توسيع آفاق النشر، والوصول بإبداعهم إلى أبعد نقطة في العالم، واستغلال مساحات الحرية المتاحة في هذه الفضاءات والغير متوفرة في الفضاءات التقليدية.
أعترف ان الفكرة في بدايتها أثارت الكثير من المخاوف والتساؤلات، لكنها مع مرور الوقت، أخذت صداها الواسع وأنا سعيد بكون روايتي سابقة في تاريخ النشر الالكتروني العربي.

bull; ماذا يمثل لك الإبداع وماذا يعني لك، وهل طقسك الأدبي يميل إلى التحديث أم المواربة؟
-الابداع حقيقتي الانسانية الجميلة، لقد جئت الى الصحافة من خلال الكتابة الابداعية في الأصل وخوضي في دروب القصة والقصيدة والرواية لفترة طويلة من عمري، ورغم أنّ الصحافة إمرأة غيورة لا ترضى أبدا المشاركة فيها، إلاّ أنّه كان لا بد لي في لحظة ما من اتخاذ قرار بالعودة الى ممارسة فن الكتابة الروائية لأنها هي وحدها من تملك القدرة على الخلود والاستمرار خاصة وأنّ مهنة الإعلام في حد ذاتها كانت سيدة الفضل علي من خلال ما أتاحته لي من فرصة التعرف إلى ثقافات العالم، والاحتكاك بمختلف الشعوب وأحلامهم المُعلنة والمقبورة، كل ذلك زاد في قدرتي على فهم النفس البشرية ووسّع من أفق نظرتي للأشياء التي باتت تتجاوز الأطر التقليدية في الزمان والمكان والإنسان.
لذلك فالإبداع عندي هو حالة من الاقتراب من الجوهر الانساني بكل خصوصيته وبكل الجوهر في اختلافه.

bull; هل تؤمن بتهيئة المبدع لأرضية يستلهم منها مشاغله وتشنجاته وطموحاته واقتراحاته وإحالاته وانزياحاته، أم ينزاح نحو توشية مشتلة مقهورة وقاهرة في ذات الوقت؟
-المبدع هو إنسان يُولد من بين تفاصيل أناه وأنا الآخرين، لكنه في عمقه هو وحده من يملك القدرة بأناه المفرد على التعبير على حالات أمة بكاملها وربما أجيال من الانسانية، لذلك فالذين يعبرون التاريخ الانساني كثيرون جدا، لكن الذين يبصمونه ويخلّدونه هم وحدهم هؤلاء الذين يعبرون عن أحلام الآخرين وخيباتهم أيضا وعن أحلام عميقة في الذات الجماعية، وهذا الاختلاف الحقيقي بين أن تكون مبدعا عابرا للذات، وأن تكون عابرا للآخر في صمت ومن غير إحساس بالألم او الأمل فيه.
المسألة هنا تحدث فارقا جوهريا في نوع وحجم الإدراك الفردي للوعي الجماعي، لذلك الذين أرّخوا لمآسينا الانسانية هم أولئك الذين استطاعوا الحياة خارج ذواتهم واستطاعوا أن ينطلقوا إلى الآخر والوصول برؤاهم إلى أبعد مدى في فهم الذات الانسانية في صيغتيها الفردية والجماعية.

bull; كأديب وإعلامي ومثقف مخضرم، كيف ترون راهن الثقافة في الجزائر ومآلاتها، وهل تشاطرون الأصوات القائلة بوجود أزمة ثقافة هناك؟
-انت تعيدني بهذا السؤال خمسة عشر سنة الى الوراء، عندما اخترت بإرادتي في تلك المرحلة، أن أتحمل مشقة البحث عن عثرات وفضاءات المشهد الثقافي في الجزائر من خلال دراسة استقصائية عبرت فيها الجزائر من أقصاها إلى أقصاها ونشرتها على صفحات يومية الخبر آنذاك، وكانت بعنوان quot;المشهد الثقافي في الجزائر مبررات تراجع وأسباب اقلاعquot;.
ودعوت من خلال تلك الدراسة، الجميع إلى التفكير في ضرورة تجاوز التقليدي واليومي العابر في السلوك الثقافي، والتأسيس من خلال ذلك لفعل ثقافي يقود إلى حالة من النضج الاجتماعي الجماعي، وأعتقد أنّ هذه الغاية النبيلة بالذات تتضح الآن بصورة أفضل في جزائر تنعم الان بفرصة الاستقرار والهدوء، لأنّه من الصعب سماع الأصوات الهادئة في مواسم الضجيج في فترة من فترات الجزائر.
لذلك أعتقد أنّ تصالح الجزائريين مع قدرتهم على الفرح الجماعي، وتحول حدث في حجم معرض الكتاب الدولي إلى حدث عائلي بالدرجة الأولى بالنسبة لي كمثقف ناضل كثيرا ليرى هذه الصورة واقعا قائما في حياة الجزائريين، أمر يدعو للفرح وبهجة الروح والقلب معا.

bull; ما المسافة الفاصلة الآن بين الإبداع والمتلقي في الجزائر والعالم العربي، أو بالأحرى ما مدى تناغم المبدعين وتجليات الشارع هناك، ما الذي يمكن للعمل الأدبي الجديد أن يقوله؟
-ثمة مسافات جغرافية وهي ليست مكانية فقط للأسف الشديد، لقد ساهمت صور نمطية سائدة في عزل المثقف العربي في مغربه عن مشرقه، ويحتاج الأخير إلى جهد مضاعف ليضع له قدما في المشهد، ووراء ذلك أسباب عدة في جوهرها، كهيمنة الجهة الشرقية التاريخية فيما كان المغرب منشغلا بتحرير أراضيه في مرحلة ما، وفي تصفية تركة التاريخ في مرحلة لاحقة وفي التخلص من حيائه في مرحلة قريبة أيضا.
والنتيجة أنّ نُخب المغرب العربي لم تأخذ حقها يوما من الاهتمام العربي الواسع بأية صورة من الصور، لذلك على مستوى الانتشار فإنّ هذه النخب تحتاج إلى حالة من الانصاف العربية أولا، وهو ما يقتضي من المثقف العربي اجتهادا في اكتشافها، وأن يتوقف المثقف في المغرب العربي عن استهلاك القادم إليه شرقا، على أنه دوما حالة كاملة وجاهزة، وأن يؤمن دوما بقدرته على انتاج نمط مختلف وفيه اضافة قيمية للمنتوج الجماعي العربي، وهذه المصالحة العربية العربية هي وحدها الكفيلة بخلق حالة من التصافي بين الضفتين الشرقية والغربية في خارطة الثقافة العربية.

bull; كيف تنظر إلى التجارب الإبداعية الجديدة في الجزائر والعالم العربي؟ وهل ثمة ما يمكن انتظاره على صعيد الأدب الشبابي مستقبلا؟
-هي أصوات جميلة قطعا، أقرأ لبعضها خاصة في ظل ثورة الانترنت بمحبة وبإعجاب، هي أصوات تتحدث بجرأة أكثر عن طموحها وأحلامها في الواقع الافضل، لكنها في المقابل تحتاج إلى الايمان الكبير بطاقاتها النوعية وبقدرتها على التأسيس لمرحلة تاريخية جديدة للكتابة العربية من خلال استغلال فضاء الحرية المتاح اليوم عبر العالم الافتراضي، وهي فرصة نادرة لم تتوفر لأي جيل سابق في تاريخ الحرف العربي.
ولأجل دعم هؤلاء، اخترت وبالاتفاق مع دار النشر quot;جمعية البيتquot; التي أصدرت روايتي، على تخصيص كافة مداخيل الرواية داخل وخارج الجزائر لدعم المبدعين الشباب، وهي مبادرة سوف تحدث حتما فارقا كبيرا في حياة المبدعين الذي سيتم اختيارهم من قبل لجنة من كبار الكتاب الجزائريين، ويكفيني هذا لأكون رجلا سعيدا.

bull;رابح فيلالي في سطور:
bull;
إعلامي وكاتب جزائري يقيم حاليا في واشنطن.
bull;تجوّل بين فنون الابداع جميعها، من القصة القصيرة إلى القصيدة النثرية، ثمّ الرواية
bull;احترف الكتابة الصحفية في عدة صحف جزائرية، قبل أن يلتحق لاحقا بالتلفزيون الجزائري، وكان واحدا من أبرز إعلاميه في تسعينيات القرن الماضي من خلال برامج سياسية واخبارية، إضافة إلى برنامجه الثقافي الأسبوعي الأشهر quot;مراياquot;.
bull;في ظلّ الاستهداف المكثف للصحفيين من لدن ألوية الموت، اضطر فيلالي مُكرها كباقي زملائه في النصف الثاني من التسعينيات إلى الهجرة بعيدا عن وطنه الحلم.
bull;عمل على مدار السنوات الماضية في عدة فضائيات إخبارية عربية وتقلّد كثير من المناصب، كما غطى من خلالها حروبا وأحداثا عالمية كبيرة.
bull;تعدّ quot;رصاصة واحدة تكفيquot; الصادرة عن جمعية البيت للثقافة والفنون، أول رواية جزائرية تباع عن طريق الأنترنت، مثلما أنّها أول رواية عربية تنشر على موقع الفايس بوك للتواصل الاجتماعي، كما صُنفت كأكثر الكتب من حيث المبيعات في معرض الكتاب المُقام بالجزائر مؤخرا.
bull;يصرّ فيلالي في quot;رصاصة واحدة تكفيquot; على أنّ ثمة قوة للفرح تسكن الجزائريين جميعا، ولا يُمكن لأي طرف أن يغتالها.