قراؤنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

كل هذه الصحون كل هذه الطناجر، كل هذه الكؤوس، المعلبات، قناني الزيت، المنظفات، الكلينكس، علب البهارات، الماكياج، علب الشامبو، والكريمات المتعددة الأغراض، المناشف والشراشف، كل هذا لي، فما أنا بقليلة!.
عندي أيضاً صندل أحمر سألبسه حين يتقدم بي العمر، وأذهب إلى هناك لمعرفة ما أجهله. لم يعد يومأً أحد من هناك ليخبرني شيئاً عنهم. سأنسى هذه الأشياء حين أكون هناك لأنهم لا يطبخون الدجاج. لا يأكلون البطاطا، الأرز. لا يغسلون الصحون ولا الفاكهة. شرابهم لا يسكر. حين يأتيهم ضيوف لا يقدمون لهم فناجين القهوة بأطباق متمائلة. حين أخرج من بينهم لن أجد مكاناً أذهب إليه. لا أصحاب ولا عشاق. إنّهم في الضفة الأخرى ولا يمارسون الجنس، لا ينجبون، لا يثرثرون، لا يتحدثون عن الطقس. بالروح ومشتقاتها يعيشون. هذه المجهولة الروح التي بلا جنس ولا هوية.

مربكٌ أن يكون لي كلّ هذا، وعلاوة عليه هذا الحشد من القامات الخريفية التي وقعت عن شجرة القلب. وفي العراء تركتها تسرح كأرواح ممتلئة بالزرقة والحكايات.

هذه إحداهنّ: أمام محلّ فخم كانت السيدة واقفة تتفحص المعروضات والأسعار، كان لعابها يسيل. إلى أن حلّ المساء سال كلّ لعابها، أغلق باب المحلّ انصرف الناس إلى بيوتهم وبقيت السيدة وحدها متسمرة في المكان. المرأة التي سال كلّ لعابها تجمدت هناك، وفي حلمي ما زلت أستعيد صورتها حين أبحث عن مبررات للعزلة والقول: سأذهب وأنا سعيدة. ولمَ لا أكون سعيدة؟! لدي أكثر من باب وشبابيك يطل منها الغرباء. لم يعد للشبابيك أصدقاء. أبواب جيراني مغلقة عليهم ولا يحدثون ضجة، كلبهم لا يعوي ويقلق انهماكي بالبحث عن سبب ازدحام بيتي بكل هذه الأوعية والكتب والصور والمسودات الالكترونية والورقية. لا بد من طريقة للخلاص.
كامرأة سعيدة أذهب مع رجل يبدو سعيداً إلى مطعم ايطالي يبدو نظيفاً. يسترسل محدثي في الحنين إلى هناك. يكذب مرتين في جلسة قصيرة وأنا ابتسم بغنج أكثر من مرة. يقول أكثر من مرّة أنه يحب الصدق والأمانة. الرجل لم يحتمل ابتساماتي، ارتبك ولم يعرف كيف يفسر لغة جسدي. شرب النبيذ وقال: هل تتهكمين أم ماذا، ألم يعجبك النبيذ؟ لن أدعك تدفعين الفاتورة، ثم غادر برفقة ما خلفه النبيذ في رأسه، وعدت إلى هنا كأي امرأة سعيدة تجلس لتكتب شيئاً عن الأبواب التي يخرج منها الآخرون ويتعذر عليهم قرعها ثانية.
أبوابي واقفة معي وتشيخ. نكبر معاً أنا والباب والشباك وهذه الزريعة التي تتوعك أوراقها ولا أعرف لها علاجاً. هذه الأشياء والأسرار ستبقى هنا حين أذهب على غفلة إلى بيت بلا باب ولا شباك. شبابيك بيتي الفارهة ستبقى أمينة لمهمتها، تستقبل الشمس والهواء والضيوف، توزع النور والعتمة على القاطنين الجدد.
هذا مساء كله لي. بين الصحون والملاعق ورفوف الكتب أنتظر نشرة الأخبار والبرنامج الكوميدي السياسي. أغفو فوق الأريكة مبتسمة لمقدم البرنامج الوسيم اللئيم. حين استيقظ من غفوتي تكون رقبتي متشنجة، صوت التلفاز بغيض، والطريق إلى السرير غامض وطويل.

كامرأة تتمادى في الحلم أعانق الرجل الغريب الذي التقيته في إحدى المحطات. سأغفو ولن أشعر بالعاصفة التي تقض سكينة الليل. لن أشعر بسقوط الثلج الأول، فلم أعد رقيقة إلى هذا الحدّ. لن أكترث بالحبّ الذي انكسر أكثر من مرّة. لن أعير اهتماماً إلى ما آل إليه بيتي الذي غادرته أوائل خريف عام 1997 ولم أصل إلى أرض بعد.
هذا مساء غير صالح للحبّ يا فالانتاين.

تورنتو
شاعرة سورية-كندية
[email protected]