عبدالجبار العتابي من بغداد: ليس من السهل العبور من قصائد الشاعرة العراقية الشابة فليحة حسن، فهي مما يستوجب التأمل والتقصي والنظر الى الجوانب الموشاة من قصائدها التي تلتزم فيها الدهشة والإبداع عبر الصور الشعرية والتنقلات العفوية السلسة، هذا تصور عام لما تكتبه، أما اذا كانت القراءة لمجموعتها الشعرية الجديدة التي تحمل عنوان (قصائد أمي) الصادرة عن دار الينابيع في دمشق، فيجب التأني والهدوء لأن القصائد تحتاج الى نوافذ عديدة من اجل جمع نسيج الاطلالات عليها، ومن ثم النظر إليها بنظرات مسترخية تستند الى عمق الثقافة التي في الروح.

ضمنت هذه المجموعة التي قدمت لها الشاعرة بمقولة لاوسكار وايلد: (خلق الإنسان اللغة ليخفي بها مشاعره) على اكثر من (ست وعشرين) قصيدة متوزعة على مئة واثنتي عشرة صفحة من القطع المتوسط، قسمت بين (قصائد أمي) و(قصائد على هامش حبها)،ومن الممكن ان نجعل كلمة اوسكار وايلد مصباحا لاضاءة ما تمر به العيون من كلمات، فهي تعبر عن ذلك وكأنها تقول ان الانثى التي في داخلها تجبرها على ان تخفي مشاعرها باللغة، بالصور الشعرية وبالكلمات التي ترسم عباراتها في محطاتها المؤشرة لديها، فتكاد تجهش بالحنين المتكدس في داخلها وتكاد ترسمه طيورا ملونة وتجعلها تحلق في فضاء الاخرين، ولكنها لا تقوى على ان تفعل ذلك الا من خلال ادوات اخرى، تؤطرها بالمزايا التي يمكن للبيب ان يفهمها وان ينسجم مع ملامحها.

ففي قصيدة (ليلة القدر) وهي من (قصائد أمي)، ترسم صورة مؤثرة تشعر ان ثمة بكاء تغرورق به الروح وهي تزفر تلك الكلمات، تحسها تهمسها همسا لكنها تبدو مضمخة بالصراخ، واي صراخ، انه من النوع الذي تحسه يتعالى مع وقع الكلمات ليعانق التخوم فينساب شجنا:

(لو فتحت أبواب سمائي اليوم
ودنا وهج دعائي من أذن الغيب
لقلت رغم الموت المربوط بكاحلها الآن
يا ربي (أحفظ أمي) ؛)

ولكنها في قصيدة (آه......أمي) تبادر الى ان تجلس هادئة وتذهب في مخاطبة الام، وهذه المخاطبة تتناوب ما بين الامل واليأس الخوف وذلك النسيج الذي تنسجه بالرجاء الذي ينسحب الى الموت، فلا تجد من وسيلة سوى الانسحاب الى ظلال الصمت التي لاتجد لها موئلا سوى الاذعان للمصير:


(لو تقتنصين
كلّ الوقت القادم هذا
لصغنا
شتلات فرح
و....
لكني
أهابكِ موتاً
أأدخل سيدتي؟؛
أأدخل؟؟
.......
وكانت
- عليها السلام -
تطيل الحديث إليهِ
بكلّ ألتماع الكلام
وتكتبني ذاكرة
للمحال؛
........
فسلام عليها
يوم ُزرِعت
ويوم ُقطِفت
ويوم تُرَدُ إليَّ؛)

وحين نمضي في قراءات اخرى كتلك التي في (على هامش حبها) مثل قصيدة (فقط سؤال)، ثمة نافذة ضبابية تشهرها الشاعرة بوجوهنا مليئة بالحيرة والدهشة والتساؤلات ايضا عن مصير ما في روحها من شهقات، فهي تضع متناقضتين قبالة بعضهما (البسمة / والخيبة) فيما هنالك نافذتان مفتوحتان على اطلال واحزان (النافذة / والقصيدة)، كأنها تقول: اية بسمة هذه التي ترسم خيبة؟، واية نافذة هذه المظللة بالانثيالات غير المكشوفة:

(لماذا كلما فتحت نافذتي
صوب بسمتك
تصببتَ خيبة
مثل قصيدة لفليحة حسن؟)

انها تصف قصيدتها بالخيبة التي تشبه تلك البسمة المرتسمة كئيبة على ذلك الوجه الذي تتأمل قسمات ولا ينتج غير انهيارات معتمة، وهذا المشهد البسيط كما يبدو مكثف حد ان صوره تترى بلقطات عديدة تتراءى منها مؤثرات عديدة.

ومن قصائد هذه المجموعة قصيدة (حرز) التي تقول فيها:

لخمسٍ توضأتُ باسمكِ
لليل يحيط بنبضي
وظلم طوتهُ إليّ العيون
وكارثة
كنتُ اختبأتُ وراءكِ منها
ويتم تحاشيتُ أن لا أراه
ودربٍ يتيه
إذا ما ابتعدتِ



وكذلك قصيدة (سيرة ذاتية لعباءتي) التي تقول فيها:

(تكونتُ في دمعة غيمة
وحين دعتني الرياح
هلمي إليّ
فما أنتِ الأيّ
وهمتْ ظلالي
ارتداء الدروب
أفقتُ عليكِ
حين الخطوطُ
تعاود تكوينها
والسماءُ تبدل ألوانها
والبحار تساوم أقدارها
وأنتِ
برمادكِ المزدهي
تشدين قلباً إليكِ
أسرفَ في العشق
أسرفَ في الجري فوق اللهيب
لأُجمعَ تحت خريفكِ (شذرة) صبح
فصرت أغالطني مرةً
واضحكُ من موجة
هي ظلي ومنكِ حقيقة
و.........
من سذاجة أحلامي المركنات
بظل المطر).

وكذلك قصيدة (يحدث دوماً):

(اعلم أن ما اجتمع شاعران إلا وكانت القصيدة ثالثهما ؛
غير إن موظفة الاستقبال
قالت له وهي تحدق في عينيه
- تأخرت عن الحبّ كثيراً ؛
فيجيبها وهو يحدق في ساعته
- لا....باقي على الدوام ساعة).

وايضا قصيدة (تصحيح):

(أيها الفنار
اعرف أن عطري يؤذيك؛
مع ذلك لا تنظر لي بشفتيك
فانا لست إلا شاعرة
أتنفسك.......
وأحيا).

وكذلك قصيدة (مجرد مكان يعنيني):

في غرفة الموت المتكامل
هذي
أتذوق طعم نافذتي
واكل خبز جدراني
واشرب ماء مكتبتي
نعم
في غرفة الموت المتكامل هذي
سألعب دوماً
لعبة
(أنا حي)؛

وفليحة حسن.. كما تقول عن نفسها (شاعرة من زمن الحروب) ولدت في النجف، عام 1967، لها في الشعر: (لأنني فتاة)، (زيارة لمتحف الظل)، (خمسة عناوين لصديقي البحر)، (ولو بعد حين) و(قصائد امي)، وفي النقد: (كتاب تشظيات الفاء فوق مراياهم) دراسة نقدية ومجموعة في السرد: (حزينيا أو نقص في كريات الفرح)، (عطر الجاردينيا) نص مفتوح، ومجموعة شعرية للأطفال (حارس الأحلام).
حاصلة على شهادة الماجستير في اللغة العربية، ورئيسة منتدى الأدب النسوي في اتحاد أدباء النجف، وعضو مؤسس لمنتدى الأدباء في النجف، وعضو الهيئة الإدارية في اتحاد أدباء النجف، وعضو في العديد من الروابط الادبية والمراكز الثقافية، كما تعمل مديرة تحرير مجلة(بانيقيا)الصادرة عن اتحاد أدباء النجف،ومديرة تحرير جريدة صدى النهرين، وحازت على المركز الأول في جائزة نازك الملائكة، وحازت على الجائزة الأولى للشعر في جريدة المؤتمر،وحازت على المركز الأول في القصة القصيرة في المسابقة التي أقامتها مؤسسة شهيد المحراب للأدب، تم تكريمها لمرات عديدة، وترجمت قصائدها الى اللغات (الانكليزية والكردية والاسبانية والبوسيفية والايطالية) وتحتفظ الشاعرة بهذه النصوص المترجمة، بالاضافة الى انها نشرت قصائدها في العديد من الصحف والمجلات العربية والعالمية.