فوجئت بخبر رحيل الشاعر محمود السيّد الذي قرأته في مجلة quot;الغاوونquot;. شاعر كبير صاحب رائعة quot;مونادة دمشقquot;، هكذا يغيب ولا من يُشير الى غيابه، لا في بلده سوريا، ولا في العالم العربي. راحل كبير لم يكن لنا ان نودعه، وهو الصديق الحميم منذ حوالى ثلاثين عاماً.. وحسناً فعل ماهر شرف الدين في quot;الغاوونquot; في اثارة الإجحاف، والاهمال، والظلم، التي اصابت هذا الشاعر، ليس في رحيله فقط وانما أيضاً في حياته. ونظن، ومن دون رمي المسؤولية عنا، ان الخطأ الفادح بدأ من الأجواء الثقافية والاعلامية في بلاده. هناك الظلم الأول quot;وظلم ذوي القربي (وكلنا قرباه) اشد ملامةquot;؛ اذ لم يصلنا الى بيروت مثلاً لا مهاتفة تلفونية، ولا رسالة، ولا خبر، ولا مقالة، ولا تعليق، ولا رثاء، عنه، لا شيء! وهذا في النهاية قدر الكبار الذين يعملون في ظلالهم وبعيداً من الأضواء المزيفة، والمنابر الاعلامية المعلبة، وquot;الروادquot; الذين لم تعد تسعهم الدنيا، ليسرقوا بعلاقاتهم ومواهبهم quot;البزنسيةquot; الأضواء عن شعراء مثل محمود السيّد الذي في بعض تجلياته يفوقهم ابتكاراً، وشغفاً، وقوة، وجدة. انها العزلة العالية التي اقام فيها الصديق الرائع، محمود السيّد، والتي بعضها كتب نصوصاً، لا هي بنت quot;الموضةquot;، ولا أخت quot;الشعاراتquot; ولا نتاج quot;النظرياتquot; التي لم يبق منها شيء. من عزلته اضاء طويلاً، بنصوص، تمكن فيها، برهافة، وبحساسية، وبذائقة، ان يصوغ لغة، كأنها من تحافير طبقات فوق طبقات، وسفليات، ودواخل، وشغف بالفنية الطالعة من عمق التجارب، وبجمالية لا تسقط في الشكلانية. كأن محمود السيّد من أواخر الذين ما زالوا يؤمنون بأن الشعر قضية اللغة اولاً وأخيراً، حتى عندما تنفى هذه اللغة كمفهوم بلاغي او انشائي. اللغة والشغل عليها بريشة الفنان حيناً، وبأصابع النحات حيناً آخر، وبشفافية الماء، او وعورة الغيوم، أو زهو الشكل المشغول، والمنحوت، والمشرع على قراءات تستنبط من قراءة معمقة quot;ذكيةquot; وايجابية.. ومتعددة.
محمود السيّد كتب النص المركّب، مبتعداً عن الاستسهال والاسهال، والتبسيط التي وقع فيها بعض ما يسمى نصوص quot;الركاكةquot; او النصوص المهلهلة التي تدعي خروجاً من البلاغة وقد صارت بليغة من شدة تكرارها وتعليبها وامتجاجها، واجترارها كنموذج مهتز. والبلاغة هي النص الذي اذا ما اكتشفناه وقعنا في تقليده. وكل تقليد شاعر لنفسه هو البلاغة المقنعة بامتياز. (اي غياب التصادم مع الذات، ومع لغة الذات، ومع كسور الذات: انها quot;افقيةquot; الرمل والروث والبول والبصاق التي لم تنقطع منذ ثلاثة عقود عن بعض الشعراء الذين يخلطون لجهلهم وضعف ثقافتهم الشعرية وضحالة تجاربهم، وانسياقهم الى تقليد انفسهم وتقليد اي آخر يقع تحت ايديهم، بين اللغة والبلاغة.
فمحمود السيّد، المجافي الشلل، والعلاقات، والحزبيات، ربح شعره، ولم يخسر العالم.
رحل الصديق الرائع محمود وحيداً لكن قوياً بوحدته، كما كان قوياً في حياته بعزلته. وتتراءى لي، وأنا اصوغ هذه الكلمات المتأخرة والمقصّرة، ذكريات من لقاءاتنا في دمشق، في المقاهي في السبعينات والثمانينات والتسعينات وأظن ان آخر مرة التقيته فيها في دمشق كانت في 2003، وقد تليت هذه المقابلة الأخيرة، اتصالات عديدة بالهاتف، ومراسلات، وتحيات.
الف رحمة عليك يا صديقي محمود.. يا أحد كبار شعراء سوريا والعالم العربي. وهنا لا بد من ان اعتذر منك، لتقصير غير مقصود، وكل تقصير تقصير.
وسيبقى كتاب quot;مونادة دمشقquot; الذي أحببته، من تلك الينابيع التي لن ارتوي من عبّها، ونهلها.. وتذوقها.. تذكرك بالخير، والصداقة، والألفة والوفاء.

عن جريدة quot;المستقبلquot; اللبنانية