محمد الحمامصي من أبوظبي: بودلير، عمر الخيام، أيها الشاعران الكبيران في تاريخ الشعر الإنساني، ما الذي أتى بكما إلى مهرجان أبوظبي السينمائي، إلى مارينا مول، ما الذي تحملانه في عالم تجاوزت فيه ثورة تكنولوجيا الاتصالات المتخيل في التقدم والتطور، كيف لكما أن تتجليا في فيلم صنعته تلك الثورة، كيف لكما وأنتما من عالمين متناقضين ـ على الأقل الآن ـ على مستوى الحرية والعدالة الاجتماعية، أحدهما يمثل القتل والعنف والتطرف والقمع والقهر، والآخر يمثل الحرية والعدالة والمساواة واحترام الحقوق الإنسانية.
أظن أنني أسمع ردكما معا: جئنا أحدنا يكمل الآخر لنعطي بعدا وأفقا إنسانيا لما يتم كشفه من عورات المدعين وفضح ما يتوارون وراءه من إدعاءات، جئنا معا حتى لا يقال أن بودلير وحده الذي يناصر الحرية والعدالة ويفضح عوردات المدلسين في الشرق والغرب على السواء، فها نحن معا بودلير والخيام نتجلى ضد قمع نظام الملالي الإيراني وضد الفوضى الغربية.
quot;زهور الشرquot; الفيلم الفرنسي الذي يعرضه مهرجان أبوظبي السينمائي الدولي في دورته الخامسة ضمن العروض العالمية فيلم أكثر من رائع، صنع بأفق إنساني متدفق بالمشاعر منحاز للحرية على الجانبين الشرقي والغربي، فهذا المخرج المجري الشاب دافيد دوسا استطاع أن يقدم في أول فيلم روائي طويل له رؤية مغايرة تماما حتى لما قدمه المخرجون على الجانبين الشرقي والغربي أنفسهم لقضايا وأحداث متشابهة شرقية عامة وإيراينة خاصة، أدان القمع والقهر والقتل والدم الذي نزفه الإيرانيون في ثورتهم ضد النظام بدءا من الرئيس الحالي أحمدي نجاد ومرورا بالمراجع الدينية وانتهاء بالملالي وأجهزة الأمن والبوليس، وأدان النظام الغربي الذي بدأ يفقد قدرته على الاستمرار عادلا، فعل ذلك تحت مظلة علاقة رقيقة بين شاب فرنسي من أصول عربية وفتاة إيرانية، وتحت وقع الموسيقى والرقص الحركي، فعل ذلك دون افتعال أو ضجيج إدانة.
وحتى لا نستطرد كثيرا ومن أجل التركيز، الفيلم لم يستهدف القضية الإيرانيةnbsp; وحدها ولم يتعرض لا لرئيس ولا لآيات ولا لملالي ولا للدين نفسه ولا شخص كما يفعل الكثيرون، لكن كل ذلك كان متجليا في مفردات وركائز، ويكفي أن يقول البطل رشيد لفتاته الإيرانية quot;أنت تعرفين مشكلتك ـ يقصد النظام القمعي الحاكم ـ بينما أنا لا أعرفquot; أو أن تقول هي له quot;هل أنت مسلمquot;، أو تقوم بإقاء الحجاب في البحر، لكي نتعرف على هول ما تعاني منه الإنسانية هنا أو هناك.
قام الفيلم على مجموعة ركائز أساسية أولها أن العالم الآن يستيقظ على شاشة الكمبيوتر وليرى ما يجري هنا وهناك في كل العالم، مواقع ونوافذ الفيسبوك والتويتر واليوتيوب وما شابه، وأن الحدث لا يستغرق أكثر من طرفة عين وقتا ليصل إلى كل العالم، وثانيها أن الجيل الصاعد الآن يملك موقفا من العالم، وأن قدرته على التواصل والتعاطي الإنساني مع قضايا الآخرين بفضل انتقال الصورة تضاعف كثيرا.
الفيلم سينفونية تعزفها أوركسترا بقيادة مخرج بدا محترفا مكونة من: حركة وضجيج الشارع بسياراته التي لا تتوقف، وموسيقى الـ quot;هيب هوبquot; الفرنسية، والحركات الجسدية الراقصة الرائعة التي تحمل الكثير من الدلالات، والتي يؤديها رشيد طوال الفيلم ببراعة ولياقة مدهشتين، يقاوم بها حالاته المختلفة مع نظام حياته المتثل في روتينية العمل ثم حالاته مع فتاته، وأصوات الرصاص والهتافات والهرولة فزعا وخوفا ومقاطع الفيديو التي تبث أولا بأول أحداث الثورة الإيرانية على اليوتيوب والفيسبوك وأخبارها على التويتر حاملة آثار السحل والضرب والقتل دما مراقا وتخريبا، حالة الحب متقلبة تتدفق فيها المشاعر بين طرفي العلاقة رشيد وأناهيتا، الكاميرا التي تتجاوب مع مقاطع الفيديو المضطربة والمهتزة في الكثير من مشاهد الفيلم.
موسيقى هذه السينفونية، هذه الأوركسترا هي التي تحمل رسالة الإدانة للنظام الإيراني القامع والمتسلط والقاتل، وللنظام الغربي الذي وضع رشيد موضعا لا يدري فيها إلى أين تمضي حياته، يبدأ الفيلم برشيدnbsp; ـ الفرنسي الذي ترجع أصوله للعرب ـ يفتح شاشة كمبيوتره والدخول على حسابه على الفيسبوك ليظهر له المتظاهرون الإيرانيون مطاردين أمام جحافل قوات البوليس بعصيها ورصاصها، يبحث عن إيران على جوجل، ثم أخاه وهو يؤدي حركاته الراقصة، ويلبس ملابسه بينما يؤدي حركاته الجسدية ويخرج إلى عمله ومن شقته الصغيرة لعمله بأحد الفنادق تتواصل حركاته الجسدية ـ هي ليست حركات بهلوانية ـ بل حركات ذات دلالالة ومغزى، عندما يصل يجد أناهيتا وقد سقطة حقيبة يدها يساعدها ويرافققها لغرفتها، وهنا يتعرف عليها، هذه الفتاة التي تبلغ من العمر عشرين عاما مكلومة في وطنها الذي يقتل ويسحل ويخرب حياته أبنائه، إنها هاربة من القتل في ظل الأحداث الدامية التي أعقبت فوز الرئيس الإيراني أحمدي نجاد للمرة الثانية 2009، تطارها مشاهد المتظاهرين رجالا ونساء وهم يصرخون هاتفين أو تحت وقع القنابل المسيلة للدموع والرصاص والهراوات.
تتعمق العلاقة بينهما حيث يصحبها رشيد في رحلة سياحية لباريس، تقرأ له قصيدة لعمر الخيام وتقول له إنه بمثابة بودلير في فرنسا، وفي المساء بالمرقص حيث الشراب تساءله لما لا تشرب quot;هل أنت مسلمquot;، ترتدي الإيشارب / الحجاب وتنزعه، نرى في يدها دبلة الخطوبة، إنها على علاقة مع شاب إيراني ترى مشهد موته برصاص البوليس الإيراني والمتظاهرون يتحلقون به ويرفعون، تصرخ لست متأكدة إذا كان هو أم لا ، نرى للفتاة ندى سلطان غارقة في دمائها، والنساء الإيرانيات يشتبكن مع قوات الأمن، نرى ونسمع وسط ضبابية الفزع والقتل والخراب.
إننا لا نعيش داخل المشهد في إيران ليس فقط عبر مقاطع الفيديو التي التقطت للثورة الإيرانية ضد الرئيس أحمدي نجاد عام 2009 بل عبر عيون هذه الفتاة وتجليات مشاعرها وأحاسيسها التي التقطتها الكاميرا ببراعة، ومن أروع المشاهد تلك التي كانت ليلة عيد ميلادها والشموع موقدة وهي تمرر أصابعها على اللهب فيما تنتقل ذاكرتها إلى الدم والموت والسحل والعنف الذي يمارسه النظام الإيراني ضد المتظاهرين.
أناهيتا ترفض ما يكبل حريتها، تنزع الحجاب / الإيشارب وتلقيه في البحر فيما تمر مشاهد القمع، تربط يدها في دلالة على عذريتها وتفكها، يصعدان أعلى البنايات ويصرخان quot;الله أكبر الله أكبرquot;، فيما يأتي من مكان آخر يبدو كأنه مشتعل quot;الله أكبرquot;، تمارس الجنس مع رشيد دون أن تتوقف أو يتوقف هو عند فض بكارتها لتستمر حالة الرهز ونلمح في جانب من المشهد عينيها تتقدان غضبا لنتذكر تلك مشاهد القمع والقتل، في دلالة تتوافق مع الأداء السينفوني للعنف والقتل والموسيقى وصرخات المتظاهرين والحركات الجسدية التعبيرية والحب، وحين ينتهي المشهد الجنسي بينهما يلطخ رشيد أصابعه بدمها ويرسم لها شنبا يمتدعلى جانبي الأنف إلى نهاية منحى الذقن كأنه يرسم لحية، في دلالة أفسرها بأنها إشارة إلى ذقون الملالي إيران، وسخرية من عقم ما يتمسكون به، يؤكد ذلك أن أناهيتا حين تغسل وجها تزيل ذلك الرسم وفي عينها غضب، وينتهي الفيلم برشيد يودعها في المطار مقبلا وحاضنا بينما ترتدي الحجاب / الإيشارب استعدادا لملاقاة الجانب الآخر.
إن رؤية quot;زهور الشرquot; التي تعانقت مع قصائد بودلير وعمر الخيام لتقدم هذه الموسيقى السينفونية، هي رؤية تتوافق مع أعمال الشاعرين العظيمين اللذين طمحا إلى الحرية والعدالة وفتحا آفاقا حرة من الإبداع لا تزال تتدفق، وهي رؤية تحتمل تفاصيلها الكثير من التأويلات باستثناء تفصيلة واحدة أن نداء الحرية لن يتوقف أبدا.