: آخر تحديث
"إيلاف" تقرأ لكم في أحدث الإصدارات العالمية

وليبيك الراوي الرؤيوي الذي توقع احتجاجات ذوي السترات الصفراء

من يقرأ "سيروتونين" لميشال ويلبيك يظنه هو المحرّض الأول على احتجاجات ذوي السترات الصفراء، فهذه رواية رؤيوية، تعزز ما يقال عن "مؤثر ويلبيك".

إيلاف: كل بضع سنوات، يُعمل ميشال وليبيك مبضعه في فرنسا. مؤلم ما يفعله، وصادم في أحيان كثيرة، ويسبب الضجيج. فروايته السابقة "استسلام"، التي تدور أحداثها على خلفية انتخاب رئيس مسلم في فرنسا، استثمرت مخاوف فرنسية دفينة. صادف نشرها في عام 2015 مع وقوع الهجمات الإرهابية على مجلة شارلي إيبدو في باريس.

الآن، اعتُبرت رواية ويليبيك الجديدة "سيروتونين" Sérotonine (المؤلف من 352 صفحة، منشورات فلاماريون، 22 يورو) في فرنسا رواية رؤيوية، لأنها تبدو كأنها توقعت الاحتجاجات الحالية في شوراع المدن الفرنسية ضد الرئيس إيمانويل ماكرون بقيادة ذوي السترات الصفراء.

مؤثر وليبيك
لا شيء في فرنسا يضاهي صدور رواية جديدة لميشال وليبيك. ما زال هذا الطفل المشاكس للمشهد الأدبي الفرنسي في سن الثانية والستين يرفض إجراء مقابلات معه أو الظهور في ندوات.

مع ذلك، تصبح كل رواية من رواياته حدثًا إعلاميًا، ويزيّن وجهه المتعَب أغلفة المجلات، فيما تتحدث صحيفة لوموند عمّا تسميه "مؤثر وليبيك". ومنذ صدور "سيروتونين" في 4 يناير، بلغت مبيعاتها 800 ألف نسخة في العالم الناطق بالفرنسية.

يعود جانب من هذا الانسحار بالكاتب إلى مظهر ويليبك غير المهندم، المدخن بشراهة، الذي يجسد مللًا منحطًا من الحياة يلقى إعجاب الفرنسيين، لكنه مع ذلك يثير نفورهم. وبميل وليبيك إلى الاستفزاز ومقته الصوابية السياسية، فانه هاجم الإسلام، ويرى أن دونالد ترمب "من أفضل الرؤساء الأميركيين".

يقول بعض النقاد إن وراء هذه العدمية تكمن آلة حسنة التزييت لترويج نفسه وتسويقها، لا سيما أن ويليبك يقول عن نفسه: "ويليبك أفضل كاتب على قيد الحياة في العالم الآن".

وجه الشبه
تشكل قدرة ويليبك الاستثنائية على رصد التحولات في المجتمع الفرنسي جزءًا من جاذبيته، بحسب مجلة "إكونوميست" في مراجعتها روايته السابعة، التي بطلها فلوران-كلود لابروست، مهندس زراعي، وظيفته كتابة تقارير اقتصادية، يجد أن اسمه مثير للسخرية، وحياته مصدر خيبة وندم.

في النهاية، يقرر لابروست أن يختفي، بعدما توصل تشخيص حالته إلى أنه إنسان يحتضر من شدة الكرب، ويُوصف له دواء مضاد للكآبة، يحفز إنتاج هورمون سيروتونين، لكنه يكبح الرغبة الجنسية أيضًا.

يعود لابروست إلى النورماندي، حيث عمل سابقًا، لترويج أنواع من الجبنة المحلية. هناك، يكتشف معاناة المزارعين المحليين. تجري دراما الرواية المركزية والمصيرية على تقاطع طريق سريع، حيث تتصدى شرطة مكافحة الشغب لمجموعة من المزارعين المسلحين، الذين قطعوا الطريق بمركبات زراعية مشتعلة، مع تصوير المواجهة، وعرضها على قناة إخبارية.

تلاحظ "إكونوميست" أن وجه الشبه مع احتجاجات ذوي السترات الصفراء ليس دقيقًا، لأن المتظاهرين في رواية ويليبك مزارعون، وليسوا موظفين أو عمّالًا، واحتجاجهم موجّه ضد السياسة الزراعية للاتحاد الأوروبي في تحديد حصص إنتاج الحليب، وليس ماكرون الذي يستهدفه ذوو السترات الصفراء باحتجاجاتهم.

لكن الإحساس بالإهمال وأجواء الفوضى والعنف إحساس مألوف على نحو غريب، وكذلك رد فعل السياسيين الذين يتفقون على ضرورة تفهم النقمة والغضب.

جنس وأشياء أخرى
لكن، على الذين يريدون المضي أبعد في المماثلة أن يعرفوا أن ثلثي الرواية الأولين ينصبان على اهتمامات وليبيك الأخرى: الجنس وقلق الرجل والوحدة والنزعة الاستهلاكية والعولمة وتخطيط المدن... والمزيد من الجنس.

على الرغم من بعض اللحظات المؤثرة، فإن النساء في حياة لابروست هن ذوات بعدين بشكل كئيب، هن موجودات على الغالب لمداراة حاجات الراوي الجنسية المتلاشية. يصف الراوي إحداهن بأنها "ما قبل نسوية". تقول "إكونوميست" إنه في الإمكان وصف وليبيك بأنه "ما قبل حركة أنا أيضًا".

على الرغم من كل شيء، تُسجّل للروائي الفرنسي طرافته ومهارته في الانتقال من اليومي إلى الوجودي. يكره لابروست باريس التي يسمّّيها "مدينة تعجّّّّ ببورجوازيين مسؤولين بيئيًا"، لكن ينتهي به المطاف في فندق من فنادقها، حيث يمضي الوقت بمشاهدة التلفزيون وأكل الحمص في ساعات النهار.

ممتلكات حياته ملفات محفوظة في كومبيوتره، وهو من يقول إن ماضيه يزن 1100 غرام. ربما يكون البطل شخصية مبالغًا بها، لكن وليبيك نجح مرة أخرى في وضع إصبعه على جروح المجتمع الفرنسي (والغربي) الحديث... وهنا مصدر الألم.
 
 
أعدت "إيلاف" هذا التقرير عن "إكونوميست". الأصل منشور على الرابط:
https://www.economist.com/books-and-arts/2019/01/17/michel-houellebecqs-new-book-is-eerily-prescient
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات