: آخر تحديث

ما هو "اللسان الوهمي"؟

من أجل القيام بمحادثة بين شخصين تتمُّ الاستعانة بعملية عقلية تُدعى النطق. هدف هذه العملية هو التواصل والإفصاح عمَّا يجول في الذهن.
ترتكز هذه المحادثة على مركزين أساسين هما: مركز "بروكا" الواقع في مقدّمة الرأس، ومركز "فيرنيكا" الواقع في مؤخرة الرأس.
دور "بروكا" بإيجاز يتمثل بالقيام بالمعالجة النحوية وفي المبادأة في الحديث، بينما تمثل "فيرنيكا" موسوعة المعاني والمفردات. وإذا ما افترضنا بأنهما مكتبان في دائرة عامَّة، فإن مكتب "بروكا" يرسل بشكل دائم موظفاً إلى مكتب الأرشيف "فيرنيكا" بغية الحصول على مصنَّف أو إضبارة الشخص الذي هو بصدد التواصل معه وإجراء الحديث، وبعد ذلك يتم إخراج الصوت باستعمال الأعضاء الناطقة كاللسان والحنجرة وعملية التنفس والحبال الصوتية والأعصاب القحفية وغيرها.
يختلف النطق عن التفكير في مسألة إخراج الصوت على الرغم من التشابه من حيث الشكل بينهما، فالمحادثة الجوَّانية الحاصلة أثناء التفكير تأخذ شكل اللسان الذي يتحدَّث والأذن التي تصغي، لكنهما هنا وهميان!
والسؤال: من الذي يقوم بدور اللسان الوهمي في الدماغ؟
تحمل كلُّ خلية عصبية في المخ ومشتركة في عملية التفكير المجرّد، انطباعاً خاصاً يعود إلى كلمة محدّدة. هذا الانطباع هو كلّ
ما تبقَّى من الكلمة التي تمَّ في ما سبق النطق بها، ثم سماعها، فصارت معلَّبة في الخلية على هيئة إحساس لا صوت. ولدى ملامستها من قبل التيار الكهربائي فإنه يُعاد الإحساس بها آنياً. لذلك كانت الكلمة في النطق آنيةً، بينما هي في التفكير معادٌ إنتاجها.
وعندما يرن جرس المفردات في الذهن يكون ذلك إحساساً لا صوتاً كما يحصل في النطق، وبالتالي فإنَّ الجملة في التفكير محسوسة ووهمية.
نقوم ببناء جملة وهمية في عقولنا من خلال إضاءة عدد معيّن من الخلايا العصبية حاملة الإحساس بالمفردات. ويجب أن يتمَّ ذلك بشكل انتقائي ومتسلسل كما لو أننا نجمع بالخيط حبّات الخرز ونحن نحاول صناعة طوق.
فإذا أردتَ الاستماع الذهني لبيت الشعر التالي:
"ولمَّا أن تجهمني مرادي/ جريت مع الزمان كما أرادَ"
فأنت بحاجة إلى إثارة عشر خلايا تبدأ بالخلية حاملة (و) وتنتهي بالخلية حاملة المفردة (أرادَ). وهذا ينطبق بالضبط على بناء أي جملة ذهنية يتمّ إدراجها في التفكير.
إنَّ التيَّار أو التهيُّج العصبي الذي يسعى إلى ملامسة الخلايا المستهدفة يُشبه في عمله عملَ طارق الأبواب أو من يسمّيه الناس في بلاد الشام "المسحّراتي"؛ وهو الشخص الذي يقوم بإيقاظ الناس ليلاً طيلة شهر الصوم.
غير أنَّ ذلك يحصل بالمقلوب وبشكل عكسي من خلال ظاهرة عصبية في نقل التهيُّج، تشبه ظاهرة الإيثار، حيث تقوم خلية تحمل المفردة الخطأ بنقل وتمرير التيَّار إلى خلية أخرى "حبلى" بكلمة
الزمان مثلاً، وبهذه الكيفية يتسنَّى لنا الاستماع إلى بيت الشاعر أبي العلاء المعرّي أو صياغة جملة نوظفها في التفكير.
وبالتالي فإنَّ لساننا الوهمي الذي كنا قد سألنا عنه في البداية ما هو إلا شحنة كهربائية ذات مسار محتوم بفضل الإيثار الذي تنتجه العصبونات.

 باحث سوري في علم النفس التحليلي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات