إيلاف من دبي: منذ اكتشِفت الحضارة السومرية في بلاد الرافدين، والباحثون على اختلاف قومياتهم يفتشون في ميراث بلادهم عن بعض شبه يمكن أن ينتسبوا من خلاله إلى السومريين، بل زعمَ عددٌ منهم أن بذورَ السومريين طلعتْ من أرضه، فتكاثرت النظرياتُ حول أصولهم، هل جاؤوا من الصين أم السند أم هنغاريا أم بلاد فارس أم الأناضول والبلقان.. الخ؟ وكأنّ العراق لايصلح أن يكون أمّا ورحمًا لأول حضارة إنسانية عظيمة. وإذ استطاع الجميعُ أن يبرهنوا على وجود مشترَكات مع الحضارة السومرية فإنّ هذا ينقضُ زعمَ كلّ واحد، بل هو دليل على تأثير السومريين على شعوب الأرض قاطبة، وبناءً على هذه الفكرة البديهية يتداعى أحد أركان النظرية التي بناها الباحثان خلف علي الخلف وقصي مسلط الهويدي في كتابهما "الحرانيون السومريون"، زاعمَين أن عشائر الفرات الزراعية "الشوايا" التي ينتميان إليها هي ورثة السومريين. فما قيمة هذا الادعاء، ولا يوجد أحدٌ في العالم وليس في روحه بعضٌ من سومر؟ أمّا الركن الآخر للنظرية، وهو مايمثل حلقة الوصل بين السومريين وهذه العشائر، لغزُ حرّان التي اختفى أهلها من الوجود، فيمكن أن يكون سيناريو مثيرًا لفيلم خيال تاريخي، قد تنجح فرضياته في ملامسة العقول، وربّما تملك الجرأة للوقوف بين النظريات التاريخية العلمية. هذا مايجب أن تتناوله القراءات الموضوعية للكتاب.

صدر كتاب "الحرانيون السومريون: في أصول ومعتقدات العشائر الزراعية في الجزيرة والفرات" عن جدار للثقافة والنشر، مالمو-الاسكندرية، عام 2021، بثلاثمئة وست صفحات من القطع الكبير. وهو بحث تاريخي عقائدي يعالج المعضلة الحرانية، والتي تتلخص بغموض معتقدات أهل حران، المدينة التاريخية الواقعة شرقي الفرات، وعلاقتهم بعبادة الإله القمر والصابئة والحنيفية وأثر ذلك عليهم بعد ظهور الديانات التوحيدية ثم اختفائهم نتيجة الاضطهاد الديني وتدمير هولاكو مدينتهم أواخر القرن الثالث عشر الميلادي. ويسعى الكتاب لتقديم نظرية تقول أن العشائر الزراعية في الفرات والتي يُطلق عليها اليوم "الشوايا" تعود أصولها إلى أولئك الحرانيين الذين عادوا إلى الظهور في القرن السادس عشر بعد نزوح وتيه طويل، كما يحاول من جهة أخرى أن يثبتَ أن الحرانيين هم ورثة السومريين.

عرض المؤلِّفان آراء الباحثين الغربيين والعرب التي تركزت حول رواية ابن النديم المنقولة عن القطيعي السرياني بأنّ الحرانيين كانوا وثنيين يعبدون الكواكب وانتحلوا دين الصابئة لينجوا، وخلصا إلى أن الصابئة المذكورين في القرآن هم المندائيون في العراق، أمّا الحرانيون فكانوا يتبعون دين إبراهيم الحنيف على اختلاف مواقف اليهودية والمسيحية والإسلام من هذا الدين، وقبلوا التسميتين "الصابئة والحنيفية" لما توفره لهم من حماية إسلامية.

مِن أبرز القضايا الجدلية التي تبنّاها الباحثان:

أولًا: نسبة الحرانيين إلى السومريين

قدّم الخلف والهويدي سردية تاريخية موضوعية، تقول أن حران عُرفت منذ الألف الثالث قبل الميلاد كمدينة الإله القمر سين، وهذا الإله سومريّ الأصل، وأهلها فلاحون أطلقَ عليهم الجوارُ "النبطَ"، أي الذين يستنبطون المياه ويعملون بالزراعة، وقد نظرت جميعُ الأقوام والأديان إلى النبط والفلاحة باحتقار مفضلة البداوة والقتال عليهما، وهذا كلّه مثبت متواتر في المصادر، وقد عانت منه حرّان والسومريون الزراعيون بعد مجيء الامبراطوريات المقاتلة، وبما أن كلمة النبط ارتبطت بكلمة "الكسدان" التي فسّرها المعجميون بسكان الأرض الأولى، فقد استنتج الباحثان أن "الحرانيين النبطيين الكسدان" يعودون بأصولهم إلى السومريين "توصلنا إلى كشف جديد يقول بعودة أصول الجماعة الحرانية إلى السومريين" (الخلف والهويدي 2021: 12).

بالعودة إلى كتابَي (متون سومر) لخزعل الماجدي و(مقدمة في حضارة العراق القديم) لطه باقر نجد الكتابين أكدا وجود أقوام في بلاد الرافدين قبل السومريين، وكانوا بمثابة الأساس الذي بنيت عليه تلك الحضارة العظيمة، وبالتالي فالسومريون ليسوا بالضرورة هم الكسدان سكان الأرض الأولى، وبحسب أرنولد توينبي اختُرِعت الزراعة وتربية الماشية في الإيكومين للمرة الأولى في الجزيرة الفراتية (ميزوبوتاميا) وسورية ولبنان وفلسطين ثم تطورت في سومر (الماجدي 1998: 12-13)، مما يعني أيضًا أن حرّان ليست وريثة السومريين بنظامها الزراعي، ولكنها قد تكون سابقة عليهم، وكذلك لايمكن أن تكون وريثتهم عقائديا، فالخلف والهويدي اللذان يتبنيان هذا الرأي يقدّمان ماينقضه في مكان آخر: "أنّ أصل حران قد ضاع في القدم. ففي القرون الأولى من الألف الثالث ق.م. وربما حتى أقدم من هذا كان كل من مدينتي "أور" و"حران" مركزًا لعبادة القمر.. وكانت حران شقيقة أور في عبادة الإله القمر" (145)، وبحسبهما أيضًا كشف الآثاريون وجود استيطان بشري حول حران منذ الألف التاسع ق.م. في تل صبي أبيض وتل المربيط (266). وهذا يرجّح تأثر حران بالسومريين ككل الشعوب الأخرى، "كل ما أتت به الحضارات كان فيه خيط من سومر" (الماجدي 24)، وخاصة أن حران كانت على طريق القوافل التجارية، لكنها لاتعود إلى أصل سومري لأنها كانت موجودة في نفس الوقت، وليس بعد زوال السومريين، والغريب أن الباحثين رفضا فرضية جون ساسون القائلة بهجرة السومريين إلى حرّان بعد زوال ممالكهم، كون مدنهم لم تهدم (264)، ثم أصرّا على نسبة الحرانيين إلى السومريين!

ثانيًا: نسبة عشائر الفرات الزراعية "الشوايا" إلى الحرّانيين

يمضي الخلف والهويدي في سرديتهما التاريخية إلى أن حرّان ظلت بعد الفتح الإسلامي آخر قلاع الإله القمر السومري حتى تدميرها وتهجير أهلها من قبل المغول والتتار، وهنا يلتقطان فكرة تملأ الفراغ الغامض الذي أحاطَ بمصير الحرانيين، إذ يجدان أن عشائر الفرات الزراعية "الشوايا" إنما ظهرت في المنطقة ذاتها بعد ثلاثة قرون من نزوحِ وتيه الحرانيين، وقد شابَ نسبَها وأصولَها الخلطُ والتناقضُ، مما جعلهما يتجهان إلى أنها بقايا الحرانيين الذين اضطُهدوا طويلا من جوارهم فأخفوا معتقداتهم، معتمدَين على معنى "الشوايا" لغة "بقايا قوم هلكوا"، وتشابُه حمولتها التحقيرية مع حمولة "النبط"، وإيجاد مشتركات لغوية وعقائدية وعمرانية أخرى، فأطلقا نظرية في أصول الشوايا الحرانيين السومريين.

وتتّسمُ نظرة الباحثيَن الخلف والهويدي إلى المشترَكات بين عشائر الفرات الزراعية والحرانيين والسومريين بكثير من المبالغة، ففي الدراسة المقارنة التي أجرياها، توقفا عند مفهوم الدين الفطري البسيط عند الشوايا، وأنهم لم يكونوا متدينين يومًا ولم يعرفوا شيئًا من شؤون الإسلام حتى السبعينيات، معيدَين هذا إلى فطرية الدين الإبراهيمي الحنيف عند الحرانيين، وكذلك إلى إخفائهم معتقداتهم، وإلى مفهوم الدين البسيط والبعيد عن الفلسفة اللاهوتية عند السومريين، والفكرة الأخيرة تتناقض مع رأي الماجدي، الذي يسهبُ في الحديث عن تدين السومريين العميق "الطقوس السومرية شديدة الغنى والتركيب لأن هناك نظاما مثولوجيا غنيا ومتعددا كان يقف خلفها وكان يشدها إلى لاهوت غني ومركب أيضا.. كان السومريون شعبا متدينا بالمعنى العميق لهذه الكلمة.. وكانت الطقوس الدينية اليومية بمثابة الدليل الذي يقدّمه السومري على تقواه أمام الآلهة والكهنة والناس ونفسه (310-311). وقد أشار الباحثان أيضًا إلى عدد من المشتركات دون دراسة جادة ومعمقة، كتشابه اللهجة الشاوية مع لهجة جنوب العراق وخلوّها من القاف والضاد، معللَين هذا بأصولها السومرية فقط، دون مراعاة القرب الجغرافي، كذلك أعادا قدسية الخبز والقمح عند هذه العشائر إلى أصلٍ سومريّ. والمتتبع لتقاليد المجتمع السوري، سيلاحظ أن الناس تعاطوا دائما مع الخبز على أنّه "نعمة" خاصة تفوق بفضلها بقية الطعام، ولذلك إذا رأى أحدهم قطعة خبز على الأرض فإنه يسارع إلى رفعها ولثمها ووضعها على جبينه في إشارة إلى تقديسها ثم يضعها في مكان لا تطؤه الأقدام. أيضًا ربطا بين كثرة الأغاني الشاوية المليئة بذكر القمر والشمس وعبادة الكواكب عند السومريين، وهذان الأخيران، أي تقديس الخبز والتغني بالقمر، سائدان في كل أرجاء سورية وربما البلاد المجاورة، مما يعني أنهما ميراث سومري عام ولايقتصران على العشائر الشاوية.

ثالثًا: أثر ثقافة حرّان على الفلسفة والعقائد الإغريقية

في محاولة من الباحثين لمنح حرّان، مدينتهما المفترضة، المكانة التاريخية والحضارية الأبرز، أكّدا أن الجذور الأولى للفيثاغورثية والأفلاطونية المحدثة إنما بدأت في حرّان. ونرى أن زيارة بعض الفلاسفة والعلماء الإغريق لحرّان لاتكفي لتبرير هذا الحكم، طالما أنهم لم يقتصروا برحلاتهم العلمية عليها، والردُّ الموضوعي في كلام الماجدي، أن الثقافة الإغريقية اعتمدت على كل الحضارات السابقة سومرية وبابلية ومصرية وهندية وصينية وفينيقية وآرامية (11-12).

وللإنصاف، رغم صياغة النظرية من سلسلة فكرية قابلة لاختلاف التأويلات، فإنّ الموضوعية والمنطق والشمولية والتماسك ميّزت خطاب الباحثيَن في معظم الدراسة، كهذا العرض التحليلي المُحكَم لإظهار الصلة بين الشوايا والحرانيين "المعاني المقدّمة لنعت "النبط" الذي تعزى إليه "الصُّبة الحرانية" يطابق كلَّ المعاني المختزنة في نعت "الشوايا"، بل أن الصُّبة بالضم: بقية الماء واللبن وغيرهما تبقى في الإناء والسقاء، وهو يطابقُ كليًّا المعاني القاموسية والاستخدامية لنعت الشوايا، البقية من العشاء، البقية من رذال المال، أو البقية من القوم الهلكى. اندمجت الصبة الحرانية الشاوية مع محيطها العربي بنسبة أنفسهم إلى قبيلة "زبيد"، التي ثبت تاريخيًا أنها لم تأتِ إلى المنطقة، كما أثبت ابن حزم انقطاع نسب سعد العشيرة الذي تعود إليه زبيد" ( 237).

اعتمد الخلف والهويدي في كتابهما المنهجَ التاريخيَ مع كل مايتصل به ويتقاطع معه من علوم ومعارف كعلم الوثائق والرموز وجغرافية المكان والنقوش الآثارية وفقه اللغة وعلم النفس والاجتماع ومنهج تحليل الخطاب النقدي ونظرية المعرفة والمنهج المقارن والمنهج الجدلي، مكونَين منهجًا تكامليًا يتلافى قصور وضيق المناهج منفردة. وقد ذكرا في المقدمة أن الدافع لتأليف الكتاب كان البحث عن أصل نعت "الشوايا"، الجماعة التي ينتميان إليها وسبب الحمولة التحقيرية فيه، وفي استباق منهما لما قد يظنّه القارئ تلفيقَ تاريخ مشرّف يواجه الموقفَ السلبيّ الذي اتخذه الجوار منهم، يؤكّدان أن هذا ضاعف مسؤوليتهما " ذلك ألقى علينا مهمات أكثر تعقيدًا، ومسؤولية أخلاقية مركبة، فلم نكتفِ بالمعايير التقليدية المهنية للبحث.. بل فحصنا ودققنا المصادر والمراجع والسرديات عن تاريخ المنطقة وعقائدها، وعدنا إلى جذور اللغات القديمة المتعاقبة والمتجاورة.. ونضيف توضيحًا، أننا لم نكن نتبنى أي نظرية أو حتى فرضية حول أصل الجماعة البشرية لنحاول إثباتها، لكننا بدلًا من ذلك فحصنا كل النظريات ".

هل الحرانيون سومريون؟

مما يُحسَب لهما وضوح البنية التنظيمية للكتاب وسلاستها، فقد ابتدأا بمقدمة ومدخل، ثم عرضا بالتتالي موجزًا عن تاريخ وجغرافية المكان، أصول السكان ومعتقداتهم، والمشكلة المتعلقة بهم (المعضلة الحرانية)، وناقشا كل الجوانب المحتملة ليصلا إلى براهين موضوعية حول نظريتهما، مختتمَين كل بحث بتلخيص فكره وربطه بالبحث القادم، مما يجعل القارئ يعرف طريقه وسط متاهات تاريخية شائكة مفعمة بالغموض والضباب وتعاني من قلة المصادر الأساسية وتناقضها، لكنّ هذه العناية الفائقة بخطة البحث لم تنجُ من زلّة بسيطة أو اثنتين، أولاهما: أن الباحثين عرّفا في المقدّمة بالموضوع والقضايا المتعلقه به ودافع الكتابة وبعض الإشكاليات التي واجهتهما وطريقة تناولهما المصادرَ وقالب الفهرسة، وفي المدخل توسّعا أكثر بعرض القضايا موضوع البحث، وبيّنا منهجهما والمصادر التي اعتمداها بشكل أساسي وأهم النظريات التي توقفا عندها، وقد بدت المقدمة والموجز غير متمايزين، وكان الأفضل لو عُرضا ككلٍّ واحد لتجنب التكرار والتشابه. النقطة الثانية: جاء البحث قبل الأخير "هل الحرانيون سومريون؟" صادمًا بعنوانه، فالباحثان أشارا مرات عديدة سابقًا إلى الأصل السومري للحرانيين، مثال الصفحات (157-163-173-201-243- 244- 246)، ثم جاءا يطرحان هذا السؤال في آخر الكتاب مما يسبب تشوشًا للقارئ إذ يعيده إلى نقطة الصفر، وكأنّ الباحثين لم يفعلا شيئًا من قبل، ربما كان أفضل أن يُوضع الجزء الأول من البحث مبكّرًا أو في آخر بحث (مسار تاريخي لمعتقدات الحرانيين)، والجزء المتعلق بربط الحرانيين بالشوايا بالسومريين في آخر بحث ( في مآل الحرانيين إلى الشوايا)، ولعلّ الأسهل حذف العنوان مما يقي من هذا الإرباك، ويُظهر البحثَ كجزء من التلخيص النهائي لنتائج الكتاب. كذلك اكتفيا بعنونة الأبحاث دون ترقيمها أو تسميتها بأبواب وفصول.

حافظَ الكتابُ على لغة علمية رصينة تهدف إلى مناقشة الأفكار واستقصاء الحقائق، ولم تظهر الذاتية إلا عند الحديث عن مظلومية الحرانيين والشوايا ضحايا الاضطهاد الديني أو الاجتماعي، وعلى الأغلب لم تنفض اللغة عن كتفيها رداءها الأكاديمي وتغادر حياديتها إلا بوعيٍ وإرادة لتحرّكَ عواطفَ القرّاء وتهزّ وجدانهم تجاه قضية تبنّاها الباحثان.

خلافًا للتوقعات في كتاب مكرّس لمعالجة القضية الحرانية، لم يلتفت الباحثان ولو قليلًا إلى حران اليوم الواقعة إداريا في جنوب تركيا، ولم يُجرَ أي استطلاع لسكانها الحاليين كما فعلوا مع عشائر الشوايا. تقول بعض الاستطلاعات الميدانية ذات الطابع الشخصي أنهم يعودون إلى قبائل عربية عراقية وكردية أتوا منها منذ ثلاثة قرون، ويؤكّدون وجود بيوت آل تيمية حتى الآن رغم خلوّها من أهلها، فلماذا تهمَل مقولات كهذه قد تشير إلى أن حران لم تُهدَم بالكامل وظل فيها بعض أهلها؟ أن نزوح عائلة ابن تيمية إلى دمشق، وهو الشيخ الأكثر إشكالية في تاريخ الفقه والإفتاء الإسلامي، والذي يكفّره البعضُ، معتمدين رواية ابن النديم ذاتها عن القطيعي المسيحي السرياني التي شككت بعقائد الحرانيين، قد يشير إلى أن الحرانيين انتشروا في أمصار مختلفة ولم يبقوا بمجملهم في الجوار، كما تشير رسائله التي ذكرها الباحثان حول تنبؤ أحد الحرانيين بأحداث مقبلة إلى أنه لم يقطع صلته بأبناء جلدته ومدينته، ولعلّ هناك معلومات ما متناثرة في بطون الكتب تغيّر الفرضيات والنتائج. كذلك لم يزوِّد الباحثان الكتابَ بصور بيوتها ذات القبب الطينية، مكتفيَين بوصف هذه البيوت عند عشائر الشوايا ومقارنتها بما جاء في المراجع عن حران قديمًا، رغم أن الباحث الخلف كان في تركيا منذ سنتين أي خلال عمله في الكتاب.

كتابة بأربعة أيدي

في الحديث عن تجربة التأليف المشترك لا بد من ذكر إيجابيات "الكتابة بأربعة أيدي"، بحسب التعبير الفرنسي، فهي تشكل نوعًا من الرقابة الثنائية المقبولة والمنشودة، حيث ينتبه كل مؤلف إلى ثغرات شريكه ويرممها، وهذا ما أشار إليه الخلف والهويدي في مقدمة الكتاب " ونظرًا إلى أن العمل قام به مؤلّفان، فإننا راجعنا ودققنا مصادر ومراجع كل طرف للتأكد من عدم الإغفال والتزام المعايير البحثية، ومما يلفت النظرَ تماسكُ العمل وتناغمه، إذ لايمكن تقسيم الكتاب إلى أجزاء مستقلة منفصلة، بل كل جزء مرتبط بالآخر ويستند عليه، إلى درجة من الصعب أن يفصل القارئ أسلوب مؤلِّفٍ عن الآخر، بل إنه يتخلّى عن محاولاته الأولى في معرفة أين ينتهي الخلف وأين يبدأ الهويدي لينعمَ بالروح الواحدة التي سادت العمل لغة وأسلوبًا، وحرّرته من سلبيات قيم الملكية الفكرية والتفرّد، تلك التي مازالت متقدمة على مفهوم العمل التعاوني في عالمنا العربي، فبمقارنة بعض التجارب الإبداعية المشتركة المحظوظة إلى كتب الدراسات، كانت الثانية غالبًا عبارة عن مقالات منفصلة لباحثين تربطهم رؤية نقدية واحدة، مما لايجعل تجربة التشارك كاملة وحقيقية وحارّة. ولذلك نرى أن الباحثين خلف علي الخلف وقصي مسلط الهويدي خاضا في كتابهما "الحرانيون السومريون" مغامرة صعبة وشاقة على صعيد التأليف المشترك والموضوع والمنهج مؤسّسَين ربما لحالة جديدة وفريدة من التماهي الكلّي في التعاون ينتفي معه أيّ أثر للنزوع الفرديّ.

أخيرًا، مع كلّ الملاحظات التي وردت أعلاه، لايُمكنُ إنكار أن الكتابَ مثيرٌ للاهتمام جريءٌ في أطروحاته عميقٌ وشموليٌّ في معالجته إلى حدٍّ يثيرُ الإعجابَ والغيرة معًا، ولايمكن تجاهل الجهد المبذول فيه حتى لو لم يذكر الباحثان أنهما عملا فيه يوميًا لمدة ثلاث سنوات، إذ يشي بهذا الجهد كمُّ المعلومات والنظريات المتناوَلة والطرائق المتّبعة، وكذلك نظرة إلى ثبت المراجع تبيّن أنهما استخدما مئتين وأربعين مصدرا ومرجعا باللغة العربية والانكليزية. وعلى الأغلب سيصبحُ الكتاب مصدرًا أساسيًا لكل الدراسات اللاحقة المتعلقة بحرّان والشوايا، سواء أصاب الباحثان في آرائهما أم جانبا الحقيقة، وإذا كانت البراهين التي قدماها ليست كلُّها حاسمة تمامًا، فإننا وبنفس القدر لايمكننا في ضوء المعطيات الراهنة رفض ماجاءا به، وتبقى الكلمة في النهاية لقراءاتٍ جادة وموضوعية من قِبَل المختصين بالتاريخ ومقارنة الأديان وعلوم الإنسان.